آخر الأخبار

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ … كيف ترسم آية واحدة مشروع الأمة في العلم والعودة والإصلاح؟

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾

كيف ترسم آية واحدة مشروع الأمة في
العلم والعودة والإصلاح؟

قراءة مقاصدية حضارية في بناء
الوعي واستئناف النهوض

 

بقلم: د. زبير بن سلطان ربّاني

كاتب وباحث في الفكر الإسلامي
وقضايا الواقع المعاصر


الملخص

بين نداء الحركة، ورؤية التخصص،
وغاية التفقّه، ورسالة العودة، ووظيفة الإصلاح، وثمرة اليقظة؛ ترسم آيةُ
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ مشروعًا قرآنيًّا متكاملًا لصناعة الأمة واستئناف النهوض.
فالآية تنقل العلم من حدود التحصيل الفردي إلى مسؤولية البناء، وتربط المعرفة بحياة
الناس، والتخصص بحاجات المجتمع، والعودة بحماية الهوية وترميم التوازن الداخلي
للأمة. وفي زمن تتسع فيه موجات الهجرة والاقتلاع والاضطراب الفكري، تتجلى هذه
الآية بوصفها نداءً ربانيًّا يعيد وصل العلم برسالته الكبرى، ويمنح المعرفة دورها
في صناعة الإنسان، وبناء المجتمعات، وإحياء القدرة على النهوض بعد مراحل طويلة من
الوهن والتشتت وفقدان الاتجاه
.


 

المقدمة

قال الله تبارك وتعالى:

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ
مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾
[التوبة: 122]
.

تحمل هذه الآية الكريمة بناءً
قرآنيًّا بالغ العمق والاتزان؛ إذ ترسم مشروعًا ربانيًّا متكاملًا في صناعة الوعي،
وبناء الأمة، وربط العلم بالحركة، والتكوين، والعودة، والإصلاح، واستئناف النهوض
.

وقد تناول المفسرون هذه الآية
في سياق بيان فرض الكفاية، وضرورة التفقه، وقيام طائفة من الأمة بمهمة التعليم
والإنذار، كما يظهر في تفسير الإمام الطبري، والقرطبي، وابن كثير وغيرهم؛ غير أن
البناء القرآني في الآية يمتد كذلك إلى أفق حضاري واسع يتصل بحركة الأمة، ووظيفة
المعرفة، ومسؤولية الإصلاح والبناء
.

ومن خلال التأمل في ترتيب
الآية، تتكشف معالم مشروع قرآنيّ متكامل، تنتظم أجزاؤه في صورة متدرجة شديدة
الانسجام والاتصال
.

أولًا: نداء الحركة واستئناف
النهوض

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾

يفتتح القرآن هذا المشروع
بنداءٍ يحمل معنى النهوض، والحركة، والخروج لطلب العلم، واستئناف الفاعلية؛ لأن
الأمم تتجدد بالوعي، وتتقوّى بالحركة، وتتسع قدرتها على البناء حين تتحرك نحو
التعلم والخبرة والتأهيل
.

وقد جاء لفظ «النفير» في القرآن مرتبطًا بالفعل وتحمل المسؤولية، كما في
قوله تعالى
:

﴿انْفِرُوا خِفَافًا
وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41]
.

ومن هنا، يتجاوز النفير صورة
الارتحال المحدود إلى إعلان ربانيّ بأن الأمة الحية أمة تتحرك، وتتعلم، وتبني
أدوات نهوضها في مختلف المجالات
.

ولهذا يصبح طلب العلم النافع
جزءًا من حركة الأمة الكبرى؛ لأن المعرفة في التصور القرآني تتحرك داخل مشروع يصنع
الإنسان، ويحفظ البصيرة، ويمنح الأمة قدرتها على استعادة حضورها ورسالتها
.

 

ثانيًا: رؤية التكامل وتوزيع
الأدوار

﴿مِنْ كُلِّ
فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾

يكشف هذا التعبير القرآني عن
رؤية واسعة تقوم على تكامل الأدوار وتنوّع التخصصات؛ لأن الأمة تُبنى باتساع
مجالات العطاء، وتوزيع الطاقات، وتكامل الوظائف بحسب حاجات الواقع ومتطلبات النهوض
.

فيدخل في هذا المعنى العلماء،
والمربّون، والمفكرون، كما تدخل الخبرات الطبية، والهندسية، والإعلامية، والتقنية،
والاقتصادية، وسائر التخصصات التي تحفظ للأمة قوتها واستقرارها وقدرتها على البناء
.

وقد أشار أهل التفسير إلى أن
تخصيص «طائفة» من كل جماعة يدل على انتظام الوظائف داخل الأمة، حتى تبقى حركة
المجتمع متوازنة، ويقوم كل فريق بمهمته في الإصلاح والبناء
.

ومن هنا، تتشكل الأمة في التصور
القرآني بوصفها منظومة متكاملة تتوزع فيها الطاقات، وتتجه فيها القدرات نحو غايةٍ
جامعة تحفظ التوازن، وتفتح للأمة أبواب النهوض واستعادة الفاعلية
.

 

ثالثًا: هدف التكوين وصناعة
البصيرة

﴿لِّيَتَفَقَّهُوا
فِي الدِّينِ﴾

والتفقه هنا يتمحور حول فهم
الوحي وفقه الدين، غير أنّ أثره يمتد إلى بناء البصيرة، وتوجيه حركة الإنسان،
وترشيد علاقته بالحياة والعمران
.

فالفقه في جوهره بناء للرؤية،
وتشكيل للوعي، وربط بين النص والواقع، وبين هداية السماء وتحولات الحياة
.

ولهذا ربط القرآن بين الفقه
والإدراك العميق، فقال تعالى
:

﴿فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ
الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 78]
.

كما دعا القرآن إلى النظر
والتفكر واكتشاف سنن الله في الكون والحياة، فقال سبحانه
:

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ
لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: 3]
.

ومن هنا يظهر التكامل بين هداية
الوحي والمعرفة النافعة؛ لأن الإسلام يبني الإنسان الذي يجمع بين الإيمان
والبصيرة، وبين القيم والخبرة، وبين الهداية والقدرة على الإسهام في عمارة الحياة
.

ولهذا قال تعالى:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم
مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
.

فجعل عمارة الأرض جزءًا من
وظيفة الإنسان في الوجود، وربط المعرفة برسالة البناء والإصلاح وترقية الحياة
.

 

رابعًا: رسالة العودة واستئناف
البناء

﴿إِذَا رَجَعُوا
إِلَيْهِمْ﴾

تتجلى في هذا الموضع إحدى
القضايا الكبرى في البناء القرآني؛ لأن الآية ربطت التعلم بالرجوع، وربطت اكتساب
المعرفة بمسؤولية البناء والإصلاح
.

فالعلم في التصور القرآني يتحرك
داخل حياة الأمة، ويتصل بحاجاتها، ويتجه إلى خدمة الإنسان والمجتمع وصناعة النهوض
.

ولهذا رتّبت الآية التفقه على
الرجوع؛ لأن الأقرب إلى قومه أعمق فهمًا لآلامهم، وأبصر بحاجاتهم، وأقدر على تحويل
المعرفة إلى مشروع إصلاح حيّ
.

فالمجتمعات تُفهم بالمعايشة،
وتُقرأ من داخل بيئاتها، وتنكشف تحوّلاتها من خلال الاحتكاك المباشر بأهلها
وأحوالها اليومية؛ إذ تمنح المعايشة صاحبها قدرة على إدراك ما يعتري الناس من
اضطراب في القيم، أو ضعف في التماسك، أو خللٍ في الاتجاه
.

ومن هنا، يحمل أبناء الأمة
مسؤولية عظيمة في الرجوع إلى أوطانهم ومجتمعاتهم وبيئاتهم الإنسانية؛ لأن الذي
يعيش بين قومه يلامس تفاصيل حياتهم، ويفقه لغتهم النفسية والاجتماعية والثقافية،
ويستوعب طبيعة التحولات التي تؤثر في أفكارهم وأولوياتهم واتجاهاتهم
.

وعند هذا المستوى، تتحول العودة
من مجرد انتقالٍ جغرافي إلى عودة رسالية وجودية؛ عودة تشارك الناس آلامهم، وتسهم
في البناء، وتعيد وصل المعرفة بالحياة، والعلم بحاجات المجتمع، والخبرة بمسؤولية
الإصلاح
.

وفي واقع الأمة اليوم – بما
يشهده كثير من المجتمعات من اقتلاع، واضطراب، وتراجع في التماسك الداخلي – تبدو
هذه الآية مشروعًا قرآنيًّا لإعادة وصل الإنسان بأمته، وربط العلم بحماية الهوية،
وترميم البناء الداخلي، واستئناف النهوض بعد مراحل طويلة من الوهن والانكسار
.

كما يكشف هذا المعنى خطورة تحول
الهجرة العلمية أو الاغتراب المعرفي إلى انقطاع طويل عن المجتمعات والأوطان؛ لأن
الأمة التي تفقد أبناءها المتخصصين تخسر جزءًا من قدرتها على استعادة توازنها،
وتسريع نهضتها، وترميم قوتها الداخلية
.

ولهذا يبقى الرجوع إلى القوم
جزءًا أصيلًا من روح الرسالة، وامتدادًا طبيعيًّا لمعنى التفقه والإنذار والإصلاح
الذي رسمته الآية الكريمة
.

 

خامسًا: وظيفة الإصلاحِ وصناعةِ
اليقظة

﴿وَلِيُنذِرُوا
قَوْمَهُمْ﴾

أي ليقوموا بمهمة التوعية،
والإصلاح، والهداية، وبناء اليقظة الجماعية؛ لأن الغاية من العلم تمتدّ إلى حماية
المجتمع من الاضطراب العقدي، والتشوش الفكري، والتفكك الأخلاقي، وفقدان الاتجاه
.

ولهذا ارتبط العلم في التصور
الإسلامي بمهمة البيان والهداية، فقال تعالى
:

﴿وَإِذْ أَخَذَ
اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]
.

ومن هنا، يتحول العلم إلى رسالة
تبني الإنسان، وتحفظ البصيرة، وتعيد للأمة قدرتها على الفهم السليم وحسن الاختيار
.

ولهذا ظلَّ العلماء والمصلحون
والمربّون عبر التاريخ عناصر حفظ لاستقرار المجتمعات؛ لأنهم يحملون وظيفة الإنذار
بمعناها الواسع، الذي يوقظ الأمة من الغفلة، ويعيد ترتيب رؤيتها، ويوجهها نحو
أسباب النجاة والنهوض
.

 

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102