آخر الأخبار

الحَجُّ فرائدُ وخَصائصُ

Picture of توفيق  زبادي

توفيق زبادي

شارك المقال على :

الحَجُّ فرائدُ وخَصائصُ

بقلم: أ.د. توفيق زبادي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

الحمدُ للهِ الذي شرعَ لنا من العباداتِ ما تُزكِّي
به النفوس، وتسمو به الأرواح، والصلاةُ والسلامُ على من دلَّنا على طريقِ الحجِّ
والعبادةِ الخالصةِ لوجهِ الله تعالى
.

إنَّ معرفة نفائسَِ الحجِّ مفاتيحُ لفهمِ سرِّ هذه
العبادةِ العظيمة؛ كيف جعلها اللهُ جامعةً بين الروحِ والجسد، وبين المالِ والعمل،
وبين الدنيا والآخرة، حتى غدت عبادةَ العمرِ التي لا تتكرر إلا قليلًا، ولكن أثرها
يمتدُّ طويلًا
.

فما أعظمَ هذا الركنَ حين يجمعُ اللهُ القلوبَ على
صعيدٍ واحد، ويُسقطُ الفوارقَ، ويُذكِّرُ بالوقوفِ بين يديه يومَ الحشر.

الفريدة الأولى

تسمية سورة باسمه

أَنَّ
اللَّهَ سَمَّى سُورَةً بِاسْمِهِ (سُورَةُ الْحَجِّ)، وَهِيَ السُّورَةُ
الْوَحِيدَةُ الَّتِي سُمِّيَتْ بِاسْمِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَوَجْهُ
تَسْمِيَتِهَا سُورَةَ الْحَجِّ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِيهَا كَيْفَ أَمَرَ
إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى حَجِّ الْبَيْتِ
الْحَرَامِ، وَذَكَرَ مَا شَرَعَ لِلنَّاسِ يَوْمَئِذٍ مِنَ النُّسُكِ، تَنْوِيهًا
بِالْحَجِّ وَمَا فِيهِ مِنْ فَضَائِلَ وَمَنَافِعَ، وَتَقْرِيعًا لِلَّذِينَ
يَصُدُّونَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
.

قَالَ
تَعَالَى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ،
يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ، يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ، وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ
مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَكُلُوا مِنْهَا
وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}
[الحج: 27-28]
.

وَهِيَ
مِنْ أَكْثَرِ السُّوَرِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا لَفْظُ (مَنْسَك)، فَقَدْ وَرَدَ
فِيهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ
:
قَالَ تَعَالَى: {وَلِكُلِّ
أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا، لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ
مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}
[الحج: 34]، وَقَالَ تَعَالَى: {لِكُلِّ
أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} [الحج: 67]
.

وَالْمُرَادُ
بِالنُّسُكِ فِي الْآيَةِ: مَوَاضِعُ الْحَجِّ
.

وتأمل
كيف افتتحت السورة بذكر اليوم الآخر {يَاأَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم. يَوْمَ
تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ
حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ
عَذَابَ اللَّهِ شَدِيد}
[الحج:2]

ذَكَرَتِ
السُّورَةُ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَرَبَطَتِ الْحَجَّ بِالْحَشْرِ في بدايتها؛
لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ
:

1.  
بَعْدَ
السَّفَرِ وَالْمَشَقَّةِ
.

2.  
هِجْرُ
الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، وَتَرْكُ الزِّينَةِ تَلْبِيَةً لِنِدَاءِ
الْخَالِقِ
.

3.  
الْوُقُوفُ
عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ عَلَى جَبَلِ عَرَفَاتَ
.

4.  
مَنْظَرُ
النَّاسِ وَاحِدٌ، لَا تَمْيِيزَ بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ
.

5.  
هَمُّهُمْ
وَاحِدٌ؛ قَلِقُونَ هَلْ يَقْبَلُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ أَمْ لَا يَقْبَلُ
.

6.  
نِدَاؤُهُمْ
وَتَوَجُّهُهُمْ إِلَى اللَّهِ خَالِقِهِمْ وَاحِدٌ؛ كُلُّهُمْ يَطْلُبُونَ
عَفْوَهُ وَرَحْمَتَهُ
.

7.  
حِرْصٌ
عَلَى النَّجَاةِ مِنْ وِزْرِ الْخَطَايَا، وَرَجَاءُ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ
.

8.  
اعْتِرَافُهُمْ
بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَمُلْكِهِ وَنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى
نَفْعِهِمْ وَضَرِّهِمْ
.

الفريدة الثانية: التركيب العجيب في الصياغة:

حين ينادي الحقُّ عباده إلى بيته؛ فإنما يدعو
القلوبَ قبل الأجساد، ويستنهض الأشواق قبل الخطى، ليؤدِّي العبدُ دينًا في عنقه
لربِّه الكريم؛ فالحجُّ ليس رحلةَ سفرٍ فحسب، بل هو نداءُ عهدٍ ووفاء، يذكِّر
العبد بحقِّ الله عليه، ويقرِّبه من مقام العبودية الصادقة
.

قَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَمَنْ
كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}
[آلِ عِمْرَانَ: 97]
. أَيْ: إِنَّ شَعِيرَةَ
حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى الْحَرَامِ فَرْضٌ وَاجِبٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
عَلَى مَنْ قَدَرَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ؛ وَذَلِكَ بِتَوَفُّرِ الْقُدْرَةِ
الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُحَقِّقُ الِاسْتِطَاعَةَ
.

وَعَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا ذَكَرَ مَا
يُوجِبُهُ وَيُحَرِّمُهُ أَنْ يَذْكُرَهُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُوَ
الْأَكْثَرُ، وَبِلَفْظِ الْإِيجَابِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّحْرِيمِ، وَفِي هَذِهِ
الْفَرِيضَةِ عَبَّرَ عَنْ وُجُوبِ الْحَجِّ بِعِبَارَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا لَامُ
الْمِلْكِ فِي قَوْلِهِ: {وَلِلَّهِ}، وَثَانِيَتُهُمَا كَلِمَةُ (عَلَى)؛
لِيَدُلَّ عَلَى تَأْكِيدِ فَرْضِ الْحَجِّ
.

فذكر الله سبحانه الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب؛ تأكيدًا
لحقه، وتعظيمًا لحرمته، وتقوية لفرضه.

أَخِي الْكَرِيمُ، هَلْ تَأَمَّلْتَ هَذِهِ
الْآيَةَ بِعَيْنِ بَصِيرَتِكَ؟

أَلَسْتَ تَرَى أَنَّ الْحَقَّ -تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- اعْتَبَرَهُ دَيْنًا لَهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آلِ
عِمْرَانَ: 97]؛ أَيْ إِنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلَّهِ فِي رِقَابِ النَّاسِ،
وَقُدِّمَ قَوْلُهُ: {وَلِلَّهِ} تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ هَذَا الْوَاجِبِ الَّذِي
أَوْجَبَهُ، وَتَخْوِيفًا مِنْ تَضْيِيعِهِ
.

أَوَلَا تَرَى رَحْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى بَارِزَةً
فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ، حَيْثُ لَمْ يَفْرِضْ عَلَى عِبَادِهِ مَا كَانَ شَاقًّا
عَلَيْهِمْ وَلَا يَسْتَطِيعُونَهُ؟

أَوَلَا تَرَى أَنَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-
جَعَلَ مُقَابِلَ الْقُعُودِ عَنْ أَدَائِهِ الْكُفْرَ، وَهُوَ أَشَدُّ الْمَقْتِ؛
فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ
غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}
[آلِ عِمْرَانَ: 97]
.

أَيْ: إِنَّ مَنْ جَحَدَ فَرْضَ الْحَجِّ،
فَأَنْكَرَ وُجُوبَهُ وَكَفَرَ بِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ، وَعَنْ
حَجِّهِ، وَعَنْ سَائِرِ خَلْقِهِ
.

وَتَأَمَّلْ مَعِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}
[الْبَقَرَةِ: 196]
. قَوْلُهُ: {لِلَّهِ} أَيْ لِأَجْلِ اللَّهِ
وَعِبَادَتِهِ
.

وَالْمَعْنَى: أَكْمِلُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
خَالِصَيْنِ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ مُمتَثِلُونَ لِأَوَامِرِ اللَّهِ، مُجِيبُونَ
دَعْوَةَ اللَّهِ
.

أَوَلَا تَرَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا أَنَّهُ
-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِلْكًا لَهُ، تَأْكِيدًا
وَتَنْبِيهًا عَلَى مَزِيدِ الْعِنَايَةِ بِهَذَيْنِ الْعَمَلَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ
(الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ)
.

وَلَمْ يُعْهَدْ هَذَا التَّرْكِيبُ فِي فَرِيضَةٍ
أُخْرَى فِي كِتَابِ اللَّهِ غَيْرِ الْحَجِّ؛ تَنْبِيهًا عَلَى عَظِيمِ قَدْرِهِ،
وَجَلِيلِ أَهَمِّيَّتِهِ
.

هكذا يبقى الحجُّ شاهدًا على صدق الانتماء إلى
الله، وميزانًا تُوزن به محبة العبد لربه وتعظيمه لشعائره؛ فمن لبَّى النداء؛ فقد
أكرم نفسه، ومن أعرض فإنما يحرمها الخير، والله غنيٌّ عن العالمين
.

الفريدة الثالثة: تفصيلُ الله لأعماله:

حِينَ يَتَأَمَّلُ القَلْبُ آيَاتِ الحَجِّ فِي
كِتَابِ اللهِ، يَشْعُرُ بِعَظَمَةِ هَذَا الرُّكْنِ الَّذِي أَحَاطَهُ اللهُ
بِعِنَايَتِهِ وَتَفْصِيلِهِ، حَيْثُ فَصَّلَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي
القُرْآنِ الحَدِيثَ عَنْ أَعْمَالِ الحَجِّ مَا لَمْ يُفَصِّلْ فِي غَيْرِهِ مِنَ
العِبَادَاتِ، وَهَذَا إِنْ دَلَّ عَلَى شَيْءٍ؛ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى
مَكَانَتِهِ الكَبِيرَةِ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ
.

قَالَ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ-: »الحَجُّ كُلُّهُ فِي
كِتَابِ اللهِ؛ فَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ؛ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الَّذِي
فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ
«.

تَأَمَّلْ مَعِي قَوْلَهُ تَعَالَى: }الْحَجُّ أَشْهُرٌ
مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا
جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي
الْأَلْبَابِ
{ ] البقرة: 197].

»قَدْ ظَهَرَتْ عِنَايَةُ
اللهِ تَعَالَى بِهَذِهِ العِبَادَةِ العَظِيمَةِ؛ إِذْ بَسَطَ تَفَاصِيلَهَا
وَأَحْوَالَهَا
. «

أَعْمَالُ الحَجِّ هِيَ: أَرْكَانٌ، وَوَاجِبَاتٌ،
وَسُنَنٌ
.

  • فَالرُّكْنُ: مَا
    لَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ إِلَّا بِالإِتْيَانِ بِهِ
    .
  • وَالوَاجِبُ: هُوَ
    الَّذِي إِذَا تَرَكَهُ يُجْبَرُ بِالدَّمِ
    .
  • وَالسُّنَنُ: مَا
    لَا يَجِبُ بِتَرْكِهَا شَيْءٌ
    .

فَمِنْ أَرْكَانِهِ كَمَا وَرَدَ فِي القُرْآنِ:

أَوَّلًا: الإِحْرَامُ:
أَشَارَ اللهُ تَعَالَى إِلَى هَذَا الرُّكْنِ فِي قَوْلِهِ: }فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ{، أَيْ: أَوْجَبَ بِإِحْرَامِهِ حَجًّا.

ثَانِيًا: الطَّوَافُ:
وَقَدْ نَصَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الأَمْرِ بِهِ فِي
كِتَابِهِ، فِي قَوْلِهِ
} ثُمَّ
لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ
الْعَتِيقِ
{ ]الحج: 29. [

ثَالِثًا: الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ: الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ هُوَ
رُكْنُ الحَجِّ الأَعْظَمُ، وَقَدْ وَرَدَتِ الإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ
تَعَالَى
: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ
الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ
} [البقرة: 198].

رَابِعًا:
السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ
:
وَجَاءَتِ الإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن
شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ
أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا
} [البقرة:
158
].

خَامِسًا:
حَلْقُ الرَّأْسِ أَوْ التَّقْصِيرُ
:
وَمِنْ وَاجِبَاتِ الحَجِّ الحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ، وَقَدْ
أَشَارَ اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ
: {لَتَدْخُلُنَّ
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ
وَمُقَصِّرِينَ
} [الفتح:
27
].

خَاتِمَةٌ: وَذُكِرَ فِي القُرْآنِ
مَحْظُورَاتُ الحَجِّ وَكَفَّارَاتُهَا؛ وَمَحْظُورَاتُ الحَجِّ هِيَ: مَا
يَحْرُمُ عَلَى المُحْرِمِ بِسَبَبِ إِحْرَامِهِ
.

وَهَكَذَا يَتَجَلَّى لَنَا أَنَّ الحَجَّ
عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَتْرُكِ اللهُ فِيهَا تَفْصِيلًا إِلَّا بَيَّنَهُ،
وَلَا شَعِيرَةً إِلَّا عَظَّمَهَا، لِيَكُونَ السَّيْرُ فِيهَا سَيْرَ قَلْبٍ
قَبْلَ أَنْ يَكُونَ سَيْرَ جَسَدٍ، وَزَادُهُ التَّقْوَى، وَغَايَتُهُ رِضَا
اللهِ. فَمَنْ فَقِهَ هَذِهِ المَعَانِيَ، عَادَ مِنْ حَجِّهِ وَقَدْ وُلِدَ مِنْ
جَدِيدٍ، بِقَلْبٍ أَنْقَى، وَرُوحٍ أَسْمَى، وَعَهْدٍ مُتَجَدِّدٍ مَعَ اللهِ
.

اللَّهُمَّ يَا مَنْ شَرَعْتَ الحَجَّ وَبَيَّنْتَ
مَنَاسِكَهُ، ارْزُقْنَا حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا
مَغْفُورًا.

الفريدة الرابعة: عبادةُ العمرِ:

حين ينادي الشرعُ بالحجِّ؛
فإنما يدعو القلبَ إلى رحلةٍ فريدةٍ في العمر، تتجاوز حدود الزمان والمكان إلى
معاني القرب والإنابة؛ إنها فريضةٌ واحدة، لكنها تحمل في طياتها عمرًا من الطهر،
وذكرى لا تنطفئ في وجدان المؤمن.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَt
 ، قَالَ:
خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا
النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ:
أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ
لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»([1]).

إِنَّهَا عِبَادَةُ الْعُمْرِ،
قَدِ افْتَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِ مَرَّةً وَاحِدَةً طُولَ
حَيَاتِهِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ سَفَرٍ وَتَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ. وَهَذِهِ خَصِيصَةٌ
لِهَذَا الرُّكْنِ الْخَامِسِ؛ فَبَيْنَمَا فَرِيضَةُ الصَّلَاةِ تَتَكَرَّرُ فِي
الْيَوْمِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَفَرِيضَتَا الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ تَتَكَرَّرَانِ
كُلَّ عَامٍ، فَإِنَّ فَرِيضَةَ رُكْنِ الْإِسْلَامِ الْخَامِسِ وَاجِبَةٌ عَلَى
الْمُسْلِمِ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ، مَتَى تَوَافَرَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ
الْبَدَنِيَّةُ وَالْمَالِيَّةُ
.

وَهَذِهِ الْخَصِيصَةُ تَجْعَلُ لِرُكْنِ
الْإِسْلَامِ الْخَامِسِ مَعْنًى يُمَيِّزُهُ عَنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ؛
فَغَالِبًا لَا يَسْتَطِيعُ الْمُسْلِمُ أَنْ يَحُجَّ إِلَّا بَعْدَ سَنَوَاتٍ
مُعَيَّنَةٍ مِنْ عُمْرِهِ، يَكُونُ فِيهَا قَدِ اسْتَوْفَى شُرُوطَ الْحَجِّ
وَمُوجِبَاتِهِ؛ فَتَأْتِي هَذِهِ الْعِبَادَةُ الْعَظِيمَةُ كَأَنَّهَا هَدِيَّةٌ
مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْإِنْسَانِ فِي رِحْلَةِ حَيَاتِهِ، وَيَظَلُّ أَثَرُهَا
بَاقِيًا فِي رُوحِ الْمُؤْمِنِ وَنَفْسِهِ.

وَأَيْضًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا
يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّفَ عِبَادَهُ شَطَطًا، وَلَا أَنْ يُرْهِقَهُمْ مِنْ
أَمْرِهِمْ عُسْرًا؛ يُرِيدُ اللَّهُ بِهِمُ الْيُسْرَ، وَلَا يُرِيدُ بِهِمُ
الْعُسْرَ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْهِمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ؛ فَالتَّكْلِيفُ فِي
الْإِسْلَامِ بِحَسَبِ الْوُسْعِ
.

وَبِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ؛ حَثَّ النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ لَدَيْهِ قُدْرَةٌ وَطَاقَةٌ أَنْ يُكْثِرَ
مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ
وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ». ([2]).

وهكذا يظهر جمال هذا الدين في تيسيره ورحمته، إذ
جعل الحجَّ مرةً في العمر، تخفيفًا على العباد، مع فتح أبواب الفضل لمن أراد
الزيادة والتقرب؛ فيبقى الحجُّ هديةً ربانيةً عظيمة، متى ما وُفِّق لها العبد
تغيّرت بها حياته، وانطبعت آثارها في قلبه سكينةً ونقاءً، وتعلّقًا دائمًا بالله
.

الفَرِيدَةُ الخَامِسَةُ: عِبَادَةٌ جَامِعَةٌ:

حِينَ يَتَّجِهُ القَلْبُ إِلَى بَيْتِ اللهِ،
يَكُونُ أَوَّلُ الزَّادِ صِدْقَ النِّيَّةِ وَطَهَارَةَ الكَسْبِ، فَبِذَلِكَ
تُفْتَحُ أَبْوَابُ القَبُولِ. وَمَا بَيْنَ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»
وَصُعُودِهَا إِلَى السَّمَاءِ، تَتَحَدَّدُ قِيمَةُ الرِّحْلَةِ: أَهِيَ طَرِيقٌ
إِلَى القَبُولِ أَمْ إِلَى الحِرْمَانِ؟

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا بِنَفَقَةٍ
طَيِّبَةٍ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ
لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، زَادُكَ
حَلَالٌ، وَرَاحِلَتُكَ حَلَالٌ، وَحَجُّكَ مَبْرُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ، وَإِذَا
خَرَجَ بِالنَّفَقَةِ الْخَبِيثَةِ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى:
لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَا لَبَّيْكَ وَلَا سَعْدَيْكَ،
زَادُكَ حَرَامٌ وَنَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ غَيْرُ مَبْرُورٍ».

نُلَاحِظُ أيها الكرام أَنَّ بَعْضَ العِبَادَاتِ
يَغْلِبُ عَلَيْهَا جَانِبُ الحَرَكَةِ، مِثْلَ الصَّلَاةِ؛ فَفِيهَا قِيَامٌ
وَرُكُوعٌ وَسُجُودٌ.. وَبَعْضَ العِبَادَاتِ يَظْهَرُ فِيهَا جَانِبُ المَالِ،
مِثْلَ الزَّكَاةِ؛ فَهِيَ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ بِالأَسَاسِ.. وَبَعْضُهَا قَدْ
يَجْمَعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَمْرٍ؛ مِثْلَ عِبَادَةِ الحَجِّ.

فَالحَجُّ فِيهِ تَوْحِيدٌ وَتَلْبِيَةٌ، وَفِيهِ
صَلَاةٌ، وَفِيهِ إِنْفَاقٌ بِمَا يُشْبِهُ الزَّكَاةَ، وَفِيهِ امْتِنَاعٌ عَنْ
بَعْضِ المُبَاحَاتِ بِمَا يُشْبِهُ الصِّيَامَ. وَفِيهِ أَيْضًا جِهَادٌ
لِلنَّفْسِ وَسَفَرٌ وَتَضْحِيَةٌ وَمَشْيٌ وَجُهْدٌ بَدَنِيٌّ..

إِنَّهُ عِبَادَةٌ جَامِعَةٌ؛ تَجْمَعُ
أَنْوَاعَ العِبَادَاتِ القَلْبِيَّةِ وَالمَالِيَّةِ وَالبَدَنِيَّةِ
وَالقَوْلِيَّةِ:

  • مِنَ
    العِبَادَاتِ القَلْبِيَّةِ:
    الإِخْلَاصُ
    وَالمَحَبَّةُ وَالتَّوَكُّلُ وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَالتَّعْظِيمُ
    وَالخُضُوعُ وَالاِفْتِقَارُ وَالتَّوْبَةُ وَالإِنَابَةُ وَالخُشُوعُ
    وَالرِّضَا وَالصَّبْرُ وَغَيْرُهَا.
  • مِنَ
    العِبَادَاتِ المَالِيَّةِ:
    الذَّبْحُ
    وَالصَّدَقَاتُ وَالنَّفَقَاتُ.
  • مِنَ
    العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ:
    الصَّلَاةُ
    وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ.
  • مِنَ
    العِبَادَاتِ القَوْلِيَّةِ:
    الذِّكْرُ
    وَالدُّعَاءُ وَتِلَاوَةُ القُرْآنِ وَالاِسْتِعَانَةُ وَالاِسْتِغَاثَةُ.

فَالحَجُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ خُطَوَاتٍ تُقْطَعُ،
بَلْ مَعَانٍ تُعَاشُ، وَزَادٌ يُنْتَقَى، وَقَلْبٌ يُصَفَّى؛ لِيَبْلُغَ
مَرَاتِبَ القَبُولِ. وَمَنْ طَابَ مَطْعَمُهُ وَمَسْعَاهُ، طَابَ حَجُّهُ
وَسُمِعَ نِدَاؤُهُ فِي السَّمَاءِ: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ»، فَهَنِيئًا
لِمَنْ زَكَّى الظَّاهِرَ وَالبَاطِنَ.

الفريدة السادسة: عبادة السفر:

حين يَهِفُّ القلبُ إلى بيتِ الله، يتحوَّل السفرُ
من عناءٍ إلى أنس، ومن مشقَّةٍ إلى؛ لذَّةٍ تَسْقي الأرواحَ معاني القُرب
.

فما أعجبَ طريقًا تُختصر فيه المسافاتُ بالجوارح،
وتُقطع فيه الفيافي بالحنينِ إلى كرم الحنَّان سبحانه وتعالى قبل الخُطى
!

وعندما تَعَلَّقَتِ القُلُوبُ بِمَحَبَّةِ بَيْتِ
المَحْبُوبِ؛ اسْتَطَابَ المُحِبُّونَ فِي الوُصُولِ إِلَيْهَا هِجْرَ الأَوْطَانِ
وَالأَحْبَابِ، وَلَذَّ لَهُمْ فِيهَا السَّفَرُ الَّذِي هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ
العَذَابِ؛ فَرَكِبُوا الأَخْطَارَ، وَجَابُوا المَفَاوِزَ وَالقِفَارَ،
وَاحْتَمَلُوا فِي الوُصُولِ غَايَةَ المَشَاقِّ، وَلَوْ أَمْكَنَهُمْ لَسَعَوْا
إِلَيْهَا عَلَى الجُفُونِ وَالأَحْدَاقِ
.

نَعَمْ، أَسْعَى إِلَيْكَ عَلَى جُفُونِي             وَإِنْ بَعُدَتْ لِمَسْرَاكَ
الطَّرِيقُ

وَسِرُّ هَذِهِ المَحَبَّةِ هُوَ إِضَافَةُ
الرَّبِّ سُبْحَانَهُ لَهُ إِلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ
لِلطَّائِفِينَ}.

لَمَّا انْتَسَبْتُ إِلَيْكَ صِرْتُ مُعَظَّمًا           وَعَلَوْتُ
قَدْرًا دُونَ مَنْ لَمْ يَنْتَسِبْ

وَكُلُّ
مَا نُسِبَ إِلَى المَحْبُوبِ فَهُوَ مَحْبُوبٌ
<

توفيق زبادي
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102