آخر الأخبار

شوق المحبين وحجهم بالقلوب وبالأرواح

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

بسم الله الرحمـن الرحيم

شوق المحبين وحجهم بالقلوب وبالأرواح

بقلم: د. أحمد الإدريسي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

     الحمد
لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى ءاله
وصحبه أجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الحجّ قصد، وعزم، وبنية، وشوق.
وحجُّ القلوب مُساير لحجّ الجوارح. لذلك
يجمل بالمؤمن أن يحضُـر بروحه وقلبه مع الحجاج وهم يؤدون مناسك
الحج، وأن يعيش معاني الحج وأسراره وهو في بلده، ويكون ذلك منذ أول يوم من شهر ذي
الحجة إلى آخر أيام التشريق. فيكثر من التكبير، والتحميد، والتهليل، إضافة إلى
التوبة، والاستغفار، والتقرُّب إلى الله بالصلاة، والذِّكر والدعاء، وقراءة
القرآن.

أولا: شوق المحبين إلى
ذلك المقام.

شوق المحبين إلى المقام والشوق إلى لقاء الله
تعالى يُشَوِّقُه إلى أسباب اللقاء، هذا مع أن المُحب مشتاق إلى البيت الله
الحرام، لأنه مضاف لله عز وجل فيشتاق إليه المحب، وهذا الحب والشوق المتأجج في
القلوب لا تسكن جَذوتُه إلا بمُشَاهَدٍ يوجِّه المُحب إليه أشواقَه، ويقضي به
حنينه، ويذَكِّرُه بالمحبوب سبحانه.

لكن إذا منعهم العذر عن شدِّ رحال الأجساد، توجهت
قلوبهم وأرواحهم للقاء محبوبهم، وتعلقت بالبيت والمشاعر، فعظموها كما أمر المولى
سبحانه: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى
ٱلۡقُلُوبِ﴾ (الحج:32)، فكلما ذُكر لهم البيت والمشاعر حنوًا، وكلما تذكروا بُعدهم
بكوًا وأنُّوا، وحُـقّ لمن رأى الواصلين وهو منقطع أن يقلق، وحُـقّ لمن شاهد
السائرين إلى دار الأحبة وهو قاعد أن يحزن، غبطة لمن وصلهم الله، وكأنهم يقولون:

لــلــه در
ركــائــب ســارت بـهــم ++ تطوي القفار الشاسعات على الدجى

رحـــلوا
إلـى الـبيت الحرام وقد شجـا ++ قـلـب الـمـتيم مـنـهم مــا قــد شـجــا

نــزلــوا
بــبــاب لا يــخـــيـب نـزيـــــلـه ++ وقـلـوبـــهم بــيـن الـمـخـافـــة
والـرجـــــــا

ثانيا: إحرام القلوب ومناسك
الأرواح.

يحتاج المؤمن في طريقه إلى الله عز وجل إلى قوة
القلب وإخلاصه ويقينه وصفاء سريرته، وهي أهمَّ من قوة البدن؛ فالطريق إلى الله
تُقطع بالقلوب لا بالأبدان، فيبلغ المرء بنيته ما لا يبلغه بعمله.

فمن حبسه العذر عن الذهاب إلى مكة للحج وهو صادق
العزم والنية، ويهفو قلبه وتشتاق نفسه للذهاب، فليَعش هذه العَشر المباركات،
وبعدها أيام التشريق، كأنه أحدُ حجاج بيت الله، ويتمثل مشاهدَهم ومشاعرهم
وأخلاقهم. ودليل ذلك؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك حث الصحابة على
الإنفاق في سبيل الله وعلى الجهاد، فجاءه الضعفاء والفقراء من المسلمين؛ ليحملهم
معه، فاعتذر لأنه لا يجد ما يحملهم عليه؛ فماذا كان شعورهم؟ هل قالوا في أنفسهم:
عملنا ما علينا، ورجعوا وهم فرحين بإعفائهم من مشقة الجهاد وكلفته؟ أم أن قلوبهم
تمزقت حزنًا وألمًا؛ لأنهم لا يجدون ما ينفقون؟

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النبي -صلى
الله عليه وسلم- لما رجع من غزوة تبوك، فدَنَا من المدينة فقال: “إِنَّ
بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا
إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟
قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ”[1].

فإذا أحرم الحجيج من الميقات فليُحْرم قلبه عن كل
ما يغضب الله تعالى من حقد، وكراهية، ونفاق، ورياء، وليخلع مع الحجيج ثياب
المعصية، والزور، وتجمّل بلباس التقوى، قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ
خَیۡرࣱۚ﴾(الأعراف:26)، وإذا طافوا حول الكعبة هناك فليَعرُج قلبه وروحه وهو في
محراب الصلاة نحو السماوات العلا؛ لتطوف روحه مع الملائكة الكرام حول البيت
المعمور، مترفعة على الدنيا وحقارتها وسفاسف الأمور. 

وإذا سعوا بين الصفا والمروة فليسْعَ المعذور في
قضاء حوائج الناس؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم
قال: “أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهُم للناسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى الله
سرورٌ تدخله على مُسْلمٍ، أو تكشِفُ عنْهُ كُرْبة، أو تقضى عنه دينًا، أو تطرد عنه
جوعًا، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجة حتى يُثبتها له أثبت اللهُ قدميه يومَ تزول
الأقدامُ، وإن سوءَ الخلق ليُفسدُ العملَ كما يُفْسد الخلُّ العَسَلَ”[2].

وحين يقف الحجاج بعرفات خاشعين متذللين ضاجِّين
باكين؛ فليدخل مسجده وليرفع أكفَّ الضراعة يناجي ربه، وليخِرَّ ساجدًا لوجهه
الكريم سجدة ذل وانكسار، وليعلن فاقته وفقره وضعفه وندمه بين يدي العزيز الغفور؛
طالبًا فكاك رقبته في اليوم الذي يعتق فيه الله تعالى أكثر مما يعتق في سائر العام.

ثالثا: حج القلوب والأرواح.

الحجّ قصدٌ بالبدن يبعثه
قصدٌ بنية القلب وعزم الروح وشوق الفؤاد، فالحج في اللغة هو القصد
[3]. وحجُّ القلب مُساير لحجّ القَدَم والجوارح، لا
يتخلّف أحدهما عن الآخر.

ومن تجليات حج القلوب نذكر ما يلي:

العشر الأول
من شهر ذي الحجة؛
أيام مباركة، يضاعف فيها الأجر
والثواب، قال
تعالى: وَاَلفَـجْرِ وَلَيَـالٍ عَشْرٍ وَاَلشَّفْعِ وَاَلْوَتْرِ“(الفجر:1-3)
. وقد فضّلها الله تعالى، وأَفردَها عن غيرها من الأوقات بالعديد
من الفضائل والميّزات؛ شَحذاً للهِمَم والعزائم، وسَعياً إلى زيادة الأجور والحَسنات؛
إذ تجتمع فيها أمّهات العبادات؛ من صلاةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وغيرها، ولا يكون ذلك في
غير العَشر من أيّام السنة، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (والذي يظهر أن السبب
في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيها؛ وهي الصلاة والصيام
والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها)[4].

ومن التشبه بالحاج المحرم أنه يستحبُّ لمن أراد أن يضحي ألا يمس من
شعره وبشره شيئا فعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا
دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا)[5].

      كما يُسن للحاج ولغير الحاج التكبير من أول
شهر ذي الحجة إلى نهاية اليوم الثالث عشر، قال تعالى: “ليشهدوا منافع لهم
ويذكروا اسم الله في أيام معلومات”(الحج:28)، وهي أيام العشر. وقوله عز وجل:
“واذكروا الله في أيام معدودات”(البقرة:203)، وهي أيام التشريق.

– يوم العيد وهو
يوم النحر، الذي يرتبط بأداء فريضة الحج، ففي يوم العيد
يكون النحر؛ (الهدي للحاج، والأضحية لغير الحاج)، والمقصود من
الأضحية هو؛ تحقيق معاني العبودية، وأن يخضع العبد لربه ومولاه لتأتي الثمرة وهي
تقوى الله عز وجل، وإصلاح ما يكون به صلاح للفرد والمجتمع، ألا وهو القلب، كما
يُقصد من الأعمال التعبدية تعظيم شعائر الله، قال عز وجل: “وَمَنْ يُعَظِّم
شَعَائِر الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب”.

    وأضحية
العيد فرصة للتقرب إلى الله، وذلك من خلال ما يلي:

– شكر
الله تعالى على نعمه وعلى ما سخر لنا من بهيمة الأنعام
،

– ذكر الله عز
وجل عند ذبحها،

– التعبد لله
تعالى وطاعته فيما أمرنا به
، امتثالا
لقوله تعالى: “قُلِ إنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَماتِيَ للهِ
رَبِّ العَالَمينَ لا شَريكَ لَهُ” (الأنعام:164-165).

– اتباع سنة أبينا إبراهيم عليه السلام؛ ففي اتباعنا
له في هذه السنة تذكير بذلك الموقف الكبير والفداء العظيم والامتثال الكبير من
سيدنا إبراهيم لله رب العالمين في طاعته حيث أمره أن يذبح ابنه إسماعيل، وكيف كان
التعاون الأب مع ابنه في تنفيذ أمر الله تعالى، وفي دلك حكم بالغة.

خاتمة:

إن أعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى في أيام الحج
المباركة أن يجدها المؤمن فرصةً لتصفية القلب، فحسنات القلوب أعظم من حسنات
الجوارح، وهي الأصل لحسنات الجوارح،
قال الله تعالى: “لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا
وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا
اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ”
(الـحج:35). قال الإمام القرطبي في تفسيره: (قال ابن
عَبَّاس: لَنْ يَصْعَد إِلَيْهِ. وقال ابن عِيسَى: لَنْ يَقْبَل لُحُومَهَا وَلَا
دِمَاءَهَا، وَلَكِنْ يَصِل إِلَيْهِ التَّقْوَى مِنْكُمْ؛ أَيْ مَا أُرِيدَ بِهِ
وَجْهه، فَذَلِكَ الَّذِي يَقْبَلهُ وَيُرْفَع إِلَيْهِ وَيَسْمَعهُ وَيُثِيب
عَلَيْهِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيث؛ “إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ”).

فحجّ الجوارح يظهر جليًّا في
آيات سورة البقرة، وحجّ القلب يظهر في آيات الحج في سورة الحج. وقد تكون أعمال
القلوب أعظم مكانةً وأجلّ قدرًا من أعمال الجوارح، قال تعالى: “فَعَلِمَ مَا
فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا
قَرِيبًا”(الفتح:18).

وقد ذكر بعض المفسرين إلى أن التزام القلب بذكر
الله وطلب القرب منه في كل لحظة، يعتبر نوعاً من أنواع الحج الروحي، قد يسبق فيه
حاج القلبِ حاجَّ البدن الذي لم يتقِ الله في حجه. ويتحقق ذلك بما يلي:

– التوجه القلبي إلى الله تعالى بصدق.

– المداومة على الذكر: هو طريق للمؤمن ليعيش نفحات الحج في كل وقت،
بقلب سليم، وذكر دائم، وتلبية روحية.


استحضار المناسك: هو استحضار معاني الطواف والسعي والوقوف بعرفة، وكل المناسك في
القلب والروح والوجدان.

والحمد لله رب
العالمين.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن
رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.



[1]– رواه الإمام البخاري في صحيحه، حديث رقم: 4423.

[2]

يُنظر: الجامع الكبير، للإمام السيوطي. 35/619
.

[3]

يُنظر: القاموس المحيط، للفيروزآيادي. الصفحة: 183
.

[4]

فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني، ج: 3، ص:
139. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني، ج: 3 / ص: 139
.

[5]

رواه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الأضاحي، باب: “نهي من دخل عليه
عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئا”، حديث رقم:
39-1977.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102