آخر الأخبار

التكبير والتهليل.. بناء الهُويَّة الإيمانية في عشر ذي الحجة

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

التكبير والتهليل.. بناء الهُويَّة
الإيمانية في عشر ذي الحجة

بقلم: الشيخ نشوان عادل البدراني

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

مقدمة

ليست الشعائر في التصور الإسلامي طقوسا معزولة عن حركة
الحياة، ولا ألفاظا تُردد خارج سياقها الحضاري والتربوي، وإنما هي أدوات لبناء
الإنسان، وصياغة وعيه، وتثبيت هُويَّته في مواجهة عوامل التآكل الداخلي والذوبان
الخارجي، ومن هنا جاءت مواسم الطاعات الكبرى لتؤدي وظيفة تتجاوز حدود التعبد
الفردي إلى إعادة تشكيل الشخصية المسلمة في بعدها الإيماني والأخلاقي والاجتماعي.

وفي هذا الإطار تبرز (أيام عشر ذي الحجة) بوصفها موسما جامعا
تتكثف فيه معاني العبودية، وتتجدد فيه الصلة بالله تعالى، ومن أبرز شعائرها التي
أكدتها النصوص الشرعية (التكبير والتهليل والذكر عموما)، قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا
اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28] وذهب جمهور المفسرين ومنهم سيدنا
عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) إلى أن “الأيام المعلومات” هي عشر ذي
الحجة، ويقول النبي ﷺ: «ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه
الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» (رواه مسند أحمد).

وهذا التوجيه النبوي لا يُفهم في إطار التعبد اللفظي
المجرد، بل في ضوء وظيفته الأعمق في بناء الهوية الإيمانية؛ إذ يتحول الذكر في هذه
الأيام من مجرد ممارسة فردية إلى إعلان متجدد لمركزية الله في حياة الإنسان، وإحياء
للانتماء العقدي في الوجدان والسلوك.

ومن هنا فإن التكبير والتهليل في عشر ذي الحجة ليسا مجرد
شعيرتين موسميتين، بل خطابا إيمانيا متكاملا يعيد تشكيل وعي المسلم بذاته، وبربه،
وبالعالم من حوله.

الذكر في عشر ذي الحجة من الفضيلة الى
تجديد الهوية الايمانية في المجال العام:

جاءت النصوص الشرعية مؤكدة مركزية الذكر في هذه الأيام،
حتى عُدّ من أبرز خصائصها التعبدية، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ
مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]، وقال سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي
أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].

وقد فهم السلف هذا المعنى على وجهه العملي، فكان سادتنا عبد
الله بن عمر، وأبو هريرة (رضي الله عنهما) يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران،
فيكبر الناس بتكبيرهما (رواه صحيح البخاري تعليقا)، وهذا المشهد يكشف أن الذكر لم
يكن ممارسة منغلقة داخل الفرد، بل حالة إيمانية عامة تُشيع حضور الله تعالى في
المجال العام، وتعيد ربط المجتمع بمنظومته العقدية والروحية، وعليه فإن التكبير في
هذه الأيام يتجاوز معناه التعبدي الفردي إلى بعد حضاري؛ إذ يرسخ في الوعي المسلم
حقيقة “الله أكبر”، أي أن الله تعالى أكبر من الشهوات، والمصالح،
والضغوط ، والهيمنات، وكل ما يحاول أن يحتل مركز السيادة في القلب والحياة.

التكبير والتهليل إعادة مركزية التوحيد وتشكيل
الوعي الإيماني.

إن التهليل “لا إله إلا الله” ليس مجرد جملة
ثوابية، بل هو أصل الدين ومحور الرسالة، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا
إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، وهو الكلمة التي قامت عليها دعوات الأنبياء جميعا:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا
إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].

وعندما يكثر المسلم من التهليل في هذه الأيام، فإنه لا
يكرر لفظا مجردا، بل يجدد عقد العبودية والانتماء، ويعيد ترتيب مراكز التعظيم في
قلبه، كما أن التكبير يحمل في بنيته العقدية معنى التحرر؛ لأن قول “الله
أكبر” يتضمن نفيَ كل سلطة متألهة تنازع الله تعالى في القلب أو السلوك أو
التصور، ولذلك، كان التكبير شعارا ملازما للمواقف الكبرى في الإسلام: في الصلاة،
والأذان، والعيد، والحج، والجهاد.

وقد أشار الامام ابن تيمية (رحمه الله) إلى هذا المعنى
حين بين أن الذكر يورث القلب قوة وثباتا وطمأنينة، وأنه من أعظم ما يحقق عبودية
القلب لله تعالى.

الهُويَّة الإيمانية من الشعور الباطني
إلى السلوك الظاهر.

الهُويَّة في المنظور الإسلامي ليست انتماء ثقافيا مجردا،
بل هي بناء مركب من العقيدة والقيم والسلوك، ومن هنا فإن الذكر المشروع في عشر ذي
الحجة يؤدي دورا مركزيا في تثبيت هذه الهوية، فالإنسان المعاصر يعيش في عالم شديد
الضجيج، تتنازعه الخطابات المادية، وتُعاد فيه صياغة المفاهيم والقيم بصورة
مستمرة، مما يجعل الحاجة إلى تجديد الهوية الإيمانية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، وفي
هذا السياق يأتي التكبير والتهليل ليؤكدا (مركزية الله تعالى في الوعي المسلم، ووحدة
الانتماء للأمة، والارتباط بالشعائر الجامعة، ومقاومة الذوبان القيمي والثقافي)، ولذلك،
لم يكن التكبير في العيد شعيرة فردية خافتة، بل إعلانا جماعيا ظاهرا، تُرفع به الهُويَّة
الإيمانية في المجال العام.

وقد قال الامام الشاطبي (رحمه الله): إن من مقاصد
الشريعة إظهار شعائر الدين وحفظها حتى تبقى معانيها حية في الأمة؛ لأن الشعائر إذا
ضعفت في المجال العام ضعفت آثارها في النفوس تبعا لذلك.

الذكر وأثره في بناء المناعة الايمانية.

إن أخطر ما يواجه الإنسان ليس الفقر المادي وحده، بل
الفراغ الروحي، وضعف المعنى، واضطراب البوصلة الداخلية، ومن هنا فإن الذكر في
الإسلام ليس مجرد عبادة لسانية، بل تربية مستمرة على اليقظة القلبية، قال تعالى: ﴿أَلَا
بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُن
مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205].

فالذكر يحفظ القلب من التآكل البطيء الذي تصنعه الغفلة،
ويمنح الإنسان قدرة على مقاومة الانجراف وراء الماديات والشهوات والقلق الوجودي، وقد
كان الامام ابن القيم الجوزية (رحمه الله) يصف الذكر بأنه: قوت القلوب والأرواح،
وأن القلب إذا خلا منه صار كالجسد الذي فارقته الحياة.

ومن هنا فإن الإكثار من التكبير والتهليل في هذه الأيام
ليس مجرد تحصيل للثواب، بل عملية إعادة شحن إيماني تعيد للإنسان توازنه الداخلي.

من خلال ما مضى تبين ان الحاجة إلى إحياء معاني التكبير
والتهليل اليوم أشد من أي وقت مضى؛ لأن الإنسان المعاصر يعيش حالة استنزاف روحي وتشظ
داخلي غير مسبوق، ونحن بحاجة الى استثمار هذه الشعيرة ويكون عبر:

·     تحويل الذكر إلى ممارسة
واعية لا عادة صوتية

·     استحضار معاني التعظيم
والتوحيد أثناء التكبير

·     إحياء التكبير في البيوت
والمساجد والمجتمعات

·     ربط الأبناء بالشعائر
الجامعة للأمة

·     مقاومة اختزال المواسم في المظاهر
الاستهلاكية

إن التكبير الحقيقي ليس ارتفاع الصوت فحسب، بل ارتفاع
معنى العبودية في القلب، وهيمنة التوحيد على الوعي والسلوك.

خاتمة

إن التكبير والتهليل في عشر ذي الحجة ليسا مجرد شعائر
موسمية عابرة، بل هما جزء من المشروع التربوي والحضاري للإسلام في بناء الإنسان
المؤمن قلبا، وهوية، ووعيا، فحين يلهج اللسان بـ”الله أكبر”، ينبغي أن
يترجم القلب هذا المعنى يقينا، وأن يترجمه السلوك استقامة، وأن يترجمه الواقع انتماء
وثباتا.

وتلك هي الغاية التي تتحول بها الشعائر من ألفاظ تُردد
إلى معان تُبنى بها النفوس، وتُصاغ بها هوية الأمة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها،
ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* الشيخ نشوان عادل البدراني؛ ضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين، إمام وخطيب جامع التكاي/ مدينة الموصل، ومدير ادارة المجمع الفقهي
العراقي/ العراق – نينوى.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102