ضياع الأمانة في
طلب الإمارة.. مراحل الانحدار
بقلم: د. عبدالغني
حسين محمد
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
المقدمة:
الحمد لله والصلاة والسلام على
رسول الله.
السعي إلى إصلاح الأمة بالطرق
المشروعة مهمة الأنبياء والصالحين، وهي وظيفة شرف بقدر ما هي مسؤولية صعبة.
والوظيفة التي بهذا القدر تحتاج ولا بدّ من توفر شروط وتحقق قيم في الشخص الذي
يقوم لهذه المهمة علماً وقصداً، ومهما كان الشخص على العلم الذي يعينه على أداء
واجباته، عارفًا مسؤوليته تجاه الأمة والدين، مستقيماً في أخلاقه وسلوكه ومتورعاً
عن حقوق الناس وعن الأموال العامة، حريصاً على الوفاء كان عمله ناجحاً وسعياً
مقبولاً.
ومن طرق إصلاح المجتمعات إصلاحهم
من خلال السلطة والدولة: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، ولكن مع الأسف
جل من ركب هذه الموجة سقط في الطريق، فبدل أن يصلح فسد هو وأفسده غيره، بل شوّه
نقاءَ هذا المسلك وجدارته، أعني اصلاح الناس من خلال السلطة!
ولعلّ سبب ذلك أن النفس البشرية
طمّاعة بطبعها، لا يكبح جماحها إلا الإيمان والتقوى، أو النظام والقانون الضابط.
ومن أخطر الشهوات التي رُكّبت في النفس: حب الملك والبقاء. وقد كان هذا الحب هو
الدافع الأول إلى أول خطيئة ارتكبها الجنس البشري، حين أغوى الشيطان أبانا آدم
وأمنا حواء بأكل الشجرة التي نُهيا عنها، طمعاً في المُلك والخلود.
يتناول هذا المقال تحليل هذه
الآفة العميقة من خلال نصوص الوحيين، وتتبّع أسباب تشبّع الإنسان بالمنصب بعد
نيله، ومراحل الانحدار الأخلاقي التي يعيشها الحريص على السلطة، ليخلص إلى بيان
خطر ذلك على العلماء وحملة العلم خاصة، ويقدم جملة من التوصيات العملية للخلاص من
هذا الداء العضال.
أولاً: آفة حب الملك والبقاء
قال الله تعالى في سورة الأعراف:
{فَوَسْوَسَ لَهُمَا
الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ
مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا
مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ – وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا
لَمِنَ النَّاصِحِينَ – فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ
بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ
الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا
الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ}
(الأعراف: 20-22).
يتأمل القارئ في هذه الآيات فيجد
أن مكيدة إبليس لم تكن مباشرة، فهو لم يأمرهما بالمعصية صراحة، بل بدأ بنبش البذر
المدفون فيهما وهي بذرة حب الرئاسة (المُلك) وحب البقاء (الخلود) في قلوبهما.
فطبيعة النفس تتوق إلى السيادة والخلود، وهذان المطلبان إذا لم يُقيّدا بإيمان
راسخ ومراقبة إلهية صارا بوابة كل انحراف.
ثانياً: خطورة الحرص على المال والشرف.
في صحيح السنة حذرّ نبوي بليغ
يبيّن أثر هذا الحرص على الدين. روى كعب بن مالك – رضي الله عنه – أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
«ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من
حرص المرء على المال والشرف لدينه»
(رواه الترمذي، وحسّنه الألباني، رقم: 2376،
ومسند الإمام أحمد: 15794).
إنه تشبيه محكم: فساد حرص الإنسان
على المال والمنصب أسرع وأعمّ من فساد الذئاب الجائعة إذا أُرسلت في قطيع غنم.
فالذئاب تفسد الأجساد، أما هذا الحرص فيُفسد القلوب والدين.
وقد طبّق الصحابة هذا التوجيه
عملياً؛ فعن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: “دخلت على النبي صلى الله
عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: يا رسول الله، أمِّرْنا على
بعض ما ولاّك الله عز وجل، وقال الآخر مثل ذلك”. فقال -صلى الله عليه وسلم-: “إنا
والله لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه” (رواه البخاري:
7149، ومسلم: 1733).
الحديث لا ينهى فقط عن سؤال
الإمارة، بل يؤسس لمبدأ عظيم: طالب المنصب لا يُؤمَن على دينه، وبالتالي لا يُؤتمن
على مصالح المسلمين.
ثالثاً: لماذا يتشبّث الحريص بالمنصب إذا ناله؟
عُلِمَ بالتتبع والاستقراء أن من
بالغ في حرصه على المناصب، إذا نالها صار حرصه على المحافظة عليها أشدّ من حرصه
الأول على طلبها. ويعود ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية:
أولاً:
الجهد المبذول – إنه بذل جهداً كبيراً للحصول على المنصب، ربما مالاً، أو وجاهة،
أو شفاعة، أو غير ذلك، ولا يرضى أن يضحي بذلك الجهد سُدى.
ثانياً:
لذة السلطة – السلطة تمنح صاحبها إحساساً بالهيمنة والقدرة على تحقيق الرغبات. ومن
ذاق هذه اللذة افتتن بها، واشتد تعلقه بها أضعاف ما كان قبلها.
ثالثاً:
تغيّر الميزان الأخلاقي – صاحب السلطة يتعرض لمغريات وفتن لم تكن في حياته قبل
المنصب، فيصبح تدريجياً لا يتورع عن أشياء كان يتورع عنها سابقاً.
ولهذا يسلك الحريص كل مسلك لتحقيق
مرامه، حتى لو ضحّى بتديّنه. فيترك لأجل المنصب السنن والنوافل أولاً، ثم قد يتساهل
في أمر الفرائض والواجبات، ويأتي المكروهات، بل قد يرتكب المحرمات ويستحلّها،
متذرعاً بأنه مضطر، وأن ما يفعله من باب ارتكاب أخف الضررين. والضرر الذي يزعمه
ليس إلا للمحافظة على المنصب، أو إرضاءً لرئيس، أو أتباع، أو خوفاً من أن يُسلب
بعض الميزات. والله المستعان.
رابعاً: مراحل الانحدار – من الاضطرار إلى الانسلاخ
يمر الإنسان بهذا التدرج
الانحداري وفق التسلسل التالي:
الاضطرار (ادعاء الضرورة لتبرير
المخالفات) ← الاستحلال (تبرير
المحرمات تدريجياً) ←
الانسلاخ التام (فقدان الهوية الدينية والأخلاقية).
وهو النموذج الذي رسمه القرآن
الكريم في قصة العالم الذي آتاه الله آياته ثم انسلخ منها:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ
نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ
الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ – وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا
وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ
الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ۚ ذَّٰلِكَ
مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الأعراف: 175-176).
هذا العالم – وهو بلعم بن باعوراء
كما جاء في أكثر التفاسير – لم يسقط فجأة، بل بدأ بـ الإخلاد إلى الأرض (التعلق
بالدنيا والمنصب والمال)، ثم اتباع الهوى، ثم الانسلاخ من الآيات تدريجياً، حتى
صار مثله كمثل الكلب الذي لا يستقر على حال.
خامساً: خطر هذا المسلك على العلماء:
حب الرئاسة وعلو المنزلة وثناء
الناس من أخطر الشهوات التي حُفّت بالنار، وأخطر من وقع فيها هم العلماء وحملة
القرآن، لأن فسادهم أعظم وفتنتهم أشد، وعلى هذا كانت عقوبتهم أشد.
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن
النبي صلى الله عليه وسلم: قال: (إنَّ اللهَ تبارك وتعالى إذا كان يومُ القيامةِ،
ينزلُ إلى العبادِ، ليقضيَ بينهم، وكلُّ أمةٍ جاثيةٌ، فأولُ من يُدعى به رجلٌ جمع
القرآنَ، ورجلٌ قُتِلَ في سبيلِ اللهِ، ورجلٌ كثيرِ المالِ، فيقولُ اللهُ عزَّ
وجلَّ للقاريءِ: ألم أُعلِّمْك ما أَنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فما
عملتَ فيما علمتَ؟ قال: كنتُ أقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، فيقولُ اللهُ
عزَّ وجلَّ له: كذبتَ، وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ اللهُ تبارك وتعالى: بل
أردتَ أن يقالَ: فلان قاريءٌ، وقد قيل ذلك. ويُؤتى بصاحبِ المالِ، فيقولُ اللهُ
عزَّ وجلَّ: ألم أُوَسِّعْ عليك حتى لم أدعْك تحتاجُ إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ؛
قال: فماذا عملتَ فيما آتيتُك؟ قال: كنتُ أَصِلُ الرَّحِمَ، أتصدَّقُ. فيقولُ
اللهُ له: كذبتَ، وتقولُ الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ اللهُ تبارك وتعالى: بل أردتَ
أن يُقالَ: فلانٌ جوَادٌ، وقد قيل ذلك. ويؤتَى بالذي قُتِلَ في سبيلِ اللهِ،
فيقولُ اللهُ له: فبماذا قُتِلْتَ؟ فيقولُ: أيْ ربِّ! أُمرتُ بالجهادِ في سبيلِك،
فقاتلتُ حتى قُتِلتُ، فيقولُ اللهُ له: كذبتَ، وتقولُ الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ
اللهُ: بل أردتَ أن يُقالَ: فلانٌ جريءٌ، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسولُ اللهِ على
رُكبتي فقال: يا أبا هريرةَ أولئك الثلاثةُ أولُ خلقِ اللهِ تُسَعَّرُ بهم النارُ
يومَ القيامةِ) (رواه الترمذي والنسائي في الكبرى وابن حبان، وصححه الألباني في
صحيح ابن خزيمة: 2482).
المفارقة المؤلمة أن هؤلاء
الثلاثة كانوا يمارسون أعمالاً صالحة ظاهراً، لكن باطنهم كان متعلقاً بحب المدح
والرئاسة والسمعة. فالخطر لا يكمن في العمل الصالح بذاته، بل في النية التي تختلط
بالحرص على المنزلة عند الناس.
وردت قصة ظريفة وعميقة أوردها ابن
أبي الدنيا في “مكائد الشيطان” (ص: 30)، وابن الجوزي في “تلبيس إبليس” (ص: 31)، عن
عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: لما ركب نوح – عليه الصلاة والسلام – في
السفينة رأى فيها شيخاً لم يعرفه، قال له نوح: ما أدخلك؟ قال: دخلت لأصيب قلوب
أصحابك فتكون قلوبهم معي، وأبدانهم معك. فقال له نوح: أخرج يا عدو الله. فقال
إبليس: خمس أهلكت بهن الناس، وسأحدثك منهن بثلاث، ولا أحدثك اثنتين. فأوحى الله
إلى نوح: أنه لا حاجة لك إلى الثلاث، مُرْهُ يُحدثك بالاثنتين. فقال: بهما أهلكت
الناس وهما لا يكذبان: الحسد والحرص، فبالحسد لعنت وجعلت شيطاناً رجيماً، وبالحرص
أبيحت لآدم عليه السلام الجنة كلها، فأصبت حاجتي منه، فأخرج من الجنة.
إن إبليس نفسه يقر أن أعظم سلاحين
أهلك بهما بني آدم هما الحسد والحرص. والحرص – الذي هو مدار مقالنا – هو الذي أخرج
أبانا آدم من الجنة. فما بالنا بمن يقع في ذات الداء اليوم، في عصر تضخمت فيه
المناصب وتشعبت فيه المغريات؟
ورد في صحيح مسلم عن أنس بن مالك:
(لما صوّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر
ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خُلق خلقًا لا يتمالك)، يعني أنه محتاج، وأنه خُلق
خلقًا “لا يتمالك”، أي لا يتقوى بعضه ببعض، ولا قوة له ولا ثبات، بل
يكون متزلزل الأمر متغير الحال متعرضًا للآفات. والتمالُك: التماسك، وقيل: لا يملك
نفسه في كفّها عن الشهوات.
فإبليس عرف نقطة الضعف في الخلق
الجديد، فعرف كيف يتعامل معه ويستحوذ عليه.
لكن الله رحيم بعباده لطيف بهم،
لم يخلقهم للنار، بل خلقهم لرحمته: {ولذلك خلقهم}. ومن رحمته أن زوّدهم بالإيمان
والتقوى، وأن شرع لهم من التزكية والمراقبة ما يقوّيهم على مقاومة الشيطان وهوى
النفس. فلا يهلك إلا من كُتبت عليه الشقاوة، واختار اتباع هواه بدل الصبر على مرّ
الطاعة وتحمل التضحية في سبيل الدعوة والثبات عليها.
وأخيراً نوصي بما
يلي:
1.
استدامة
مراجعة النوايا قبل طلب أي منصب أو قبوله، والتأكد من أن الدافع هو خدمة الدين
والناس، لا حب الرئاسة أو السمعة.
2.
الابتعاد
عن التزاحم على المناصب وعدم السعي إليها بالوسائل المشبوهة، والاقتداء بهدْي
الصحابة الذين كانوا يفرون من الإمارة ولا يسألونها.
3.
محاسبة
النفس بصرامة على الدرجات الخفية من الرياء والحرص، خاصة للعلماء والدعاة ومن
نُصّبوا في مواقع القيادة.
4.
تذكير
النفس بعاقبة الحرص من خلال قصص القرآن (كقصة بلعم بن باعوراء) والأحاديث (كحديث
أول ثلاثة تُسعّر بهم النار).
5.
الدعاء
بالثبات والسلامة من شرور النفس، واللجوء إلى الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه
الكريم، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
والله الموفق والهادي إلى سواء
السبيل، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه إنيب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)