فقه الأولويات
عند الإمام القرضاوي.. القره داغي يستعرض معالم مدرسة علمية أسست لفقه الموازنات
وصناعة القرار
ضمن اللقاءات العلمية الشهرية
التي تُعقد في مجلس الإمام العلامة الشيخ يوسف القرضاوي -رحمه الله، برعاية
أبنائه الكرام حفظهم الله، شارك سماحة الأستاذ الدكتور علي محيي الدين القره
داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في الندوة العلمية التي
خُصصت لبحث موضوع «فقه الأولويات عند الشيخ يوسف القرضاوي -رحمه الله»،
وذلك بحضور نخبة من العلماء والأكاديميين والوجهاء والمهتمين بالفكر الإسلامي.
وفي كلمته، أكد الشيخ القره
داغي أن تأصيل فقه الأولويات وتقعيده وتنظيمه يُعد من أبرز الإبداعات العلمية
والفكرية التي تميز بها الإمام القرضاوي رحمه الله، مبينًا أن هذا الفقه يمثل
جزءًا أصيلًا من فقه التخطيط الدقيق والتنظيم العميق، ويهدف إلى توجيه العقل المسلم
نحو تقديم الأهم فالمهم، والأصلح فالأنفع، وفق منهج علمي منضبط يستند إلى الوحي
ومقاصد الشريعة وفقه الواقع والمآلات.
منهج علمي متكامل
وأوضح أن فقه الأولويات يقوم
على منظومة معرفية متدرجة تبدأ بدراسة القضية أو النازلة دراسةً دقيقة من حيث
حقيقتها وخصائصها وملابساتها، ثم التمييز بين ما تنطوي عليه من مصالح ومفاسد، وخير
وشر، وحق وباطل، مع تقدير قوة كل جانب ووزنه الحقيقي، وصولًا إلى ترجيح ما ينبغي
تقديمه وفق الموازين الشرعية.
وأضاف أن هذا المنهج لا يكتفي
بالموازنة بين المتقابلات، بل يتجاوز ذلك إلى المفاضلة داخل الدائرة الواحدة؛
لتمييز خير الخيرين وأرجح المصلحتين، وشر الشرين وأشد المفسدتين، مع دراسة المآلات
والنتائج المتوقعة دراسةً تحليلية عميقة، ثم تنزيل الأحكام على الواقع والمستجدات
وفق فهم دقيق للظروف والتحديات.
جذور قرآنية ونبوية
وبيّن رئيس الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين أن فقه الأولويات يستمد أصوله من القرآن الكريم والسنة النبوية
المطهرة، مستشهدًا بعدد من الآيات التي أرست قواعد التمييز بين المراتب والدرجات
والموازنات الشرعية، ومنها قوله تعالى: ﴿وما يستوي
الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور﴾، وقوله سبحانه: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله
واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله﴾، إضافة إلى قوله تعالى في شأن الخمر
والميسر: ﴿فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر
من نفعهما﴾، باعتبارها نموذجًا قرآنيًا رفيعًا للموازنة بين المصالح
والمفاسد.
كما استشهد بالحديث النبوي
الشريف: «الإيمان بضع وسبعون شعبة…»، وما يتضمنه من بيان لتفاوت مراتب الأعمال
ودرجاتها.
الأولويات في ميزان الحقوق
وتناول الشيخ القره داغي جانبًا
مهمًا من فقه الأولويات يتمثل في ترتيب الحقوق وتقديمها، موضحًا أن حقوق العباد
تحتل مكانة عظيمة في ميزان الشريعة بعد تحقيق الإيمان والتوحيد، مستشهدًا بالحديث
النبوي الذي بيّن أن كثرة النوافل لا تجبر أذى الناس وظلمهم، وأن حسن التعامل مع
الخلق من أعظم أسباب الفوز برضوان الله تعالى.
شروط الفقيه الناجح
وأكد أن النجاح في تطبيق فقه
الأولويات يتطلب جملة من الشروط العلمية والمنهجية، في مقدمتها: التمكن من الكتاب
والسنة، والإحاطة بفقه الواقع، وفهم المآلات والنتائج، ومراعاة اختلاف أحوال
الأفراد والمجتمعات، وتحري الدقة في المعلومات والمعطيات، إضافة إلى الإلمام بفقه
الميزان الذي يمثل أحد أهم أدوات الترجيح والتقديم.
أولويات المرحلة
وفي سياق حديثه عن واقع الأمة،
دعا الشيخ القره داغي إلى إعطاء الأولوية للوعي والعلم، وتصحيح العقيدة، وتقديم
المصالح العامة على المصالح الخاصة، ومراعاة قاعدة التدرج في الإصلاح، والعناية
بمقاصد الشريعة ومراتبها، إلى جانب الاهتمام بالأولويات الأسرية والاقتصادية
باعتبارها من ركائز الاستقرار والتنمية.
وأشار إلى أن الالتزام بفقه
الأولويات يسهم في تنظيم الفكر والعمل، وترشيد القرارات، وتعزيز التخطيط والإتقان
والإبداع، بينما يؤدي إهماله إلى اضطراب الأحكام والنتائج، وإهدار الطاقات
والأوقات، وتعطيل مسارات التقدم والإصلاح على مستوى الأفراد والمؤسسات والأمة.
معيار قرآني في ترتيب
الاهتمامات
ونقل الشيخ القره داغي عن
الإمام القرضاوي رحمه الله قوله إن من أهم المعايير في تحديد ما هو أولى بالعناية
والتقديم: أن يُعطى كل موضوع من الاهتمام بقدر ما أولاه القرآن الكريم من عناية
وتكرار وتأكيد، موضحًا أن هذا المنهج يكشف عن طبيعة القضايا الكبرى التي ينبغي أن
تتصدر اهتمامات الأمة وفكرها وبرامجها العملية.
وأكد في ختام كلمته أن فقه
الأولويات، وإن كان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفقه الميزان ومقاصد الشريعة، إلا أنه
يتميز بوظيفته العملية في توجيه العقل المسلم نحو اختيار الأحسن والأجدر بالتقديم،
بعيدًا عن الانشغال بالجزئيات والصراعات الهامشية، مستلهمًا قول الله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾، باعتباره المعيار الأعلى
في صناعة الأولويات وترتيب الأعمال.
واختُتمت الندوة بعدد من
المداخلات والتعقيبات العلمية التي قدّمها عدد من العلماء والوجهاء المشاركين، حيث
أثْرَت النقاش حول أهمية فقه الأولويات ودوره في معالجة قضايا العصر وتوجيه مسارات
العمل الإسلامي والفكري، في أجواء علمية اتسمت بالعمق والحوار البنّاء.
(المصدر: الاتحاد)