آخر الأخبار

العشر الأوائل من ذي الحجة وبناء القلوب المؤهلة للفيض الإلهي

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

يارب… هيَّأنا قلوبنا لتجلِّياتك

العشر الأوائل من ذي الحجة وبناء القلوب
المؤهلة للفيض الإلهي

بقلم: الشيخ نشوان عادل البدراني

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

ليست العشر الأوائل من ذي الحجة مجرد أيام تتكرر في
التقويم الهجري، ولا موسما عابرا لزيادة الأعمال فحسب، بل هي لحظة إيمانية كبرى
يُعاد فيها تشكيل القلب، واستنهاض الروح، وتجديد العهد مع الله تعالى، إنها أيامٌ
أقسم الله تعالى بها في كتابه فقال: ﴿وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:
1-2]، وما أقسم الله بشيء إلا لعظيم منزلته، وعميق أثره في بناء الإنسان.

وقد أخبر النبي ﷺ عن عظمة هذه الأيام بقوله: «ما من أيام
العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» (رواه صحيح البخاري)

غير أن المعنى الأعمق الذي ينبغي أن يستوقف المؤمن ليس
كثرة العمل وحدها، بل حقيقة القلب الذي يدخل به هذه الأيام؛ لأن المواسم الإيمانية
ليست ميدانا لاستعراض الأعمال، وإنما ساحاتٌ لتهيئة الأرواح لاستقبال الفيض
الرباني.

ولهذا كان السؤال الحقيقي الذي يطرحه العارفون في مواسم
الطاعة ليس: كم عملنا؟ بل: بأي قلب أقبلنا؟ وهل هيّأنا أوعية القلوب لتجليات
الرحمة والهداية والقرب؟

ومن هنا يخرج الدعاء الصادق من أعماق النفس المؤمنة:
يارب … هيّأنا قلوبنا لتجلِّياتك.

التجلي الإلهي … حين يفيض الله على القلوب
نورا وهداية.

التجلي في معناه الإيماني ليس مفهوما غامضا منفلتا من
ضوابط الوحي، ولا دعوى ذوقية تُبنى على الأوهام، وإنما هو ما يفتحه الله تعالى على
عباده من أنوار الهداية، وانشراح الصدر، وحضور القلب، وحلاوة الطاعة، وسكينة
الإقبال عليه.

قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[النور:35]، وقال سبحانه: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ
عَلَىٰ نُورٍ مِن رَّبِّهِ﴾
[الزمر:22]، فالنور الحقيقي ليس نور البصر، بل
نور البصيرة، وليس أعظم حرمانا من قلب يعيش مواسم الفضل ولا يتغير، وتأتيه نفحات
الرحمة فلا يتحرك.

وقد كان السلف الصالح يدركون أن لله تعالى في مواسم
الطاعات نفحاتٍ لا ينالها إلا من أقبل بقلب حاضر؛ ولهذا قال الامام ابن عطاء الله
السكندري (رحمه الله) في حكمه العطائية: “ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك
باب القبول”؛ لأن القضية ليست في صورة العمل، بل في مقدار ما أحدثه في القلب
من قرب وخشية وإنابة.

ومن هنا فإن العشر الأوائل من ذي الحجة ليست مجرد موسم
للأعمال الظاهرة، بل موسم لتجديد النور الداخلي الذي يبعث القلب بعد موات الغفلة.

القلب السليم هو الوعاء الذي يتنزل فيه
الفيض.

إذا كانت هذه الأيام مواسم للرحمة والهداية، فإن السؤال
الأهم: أيُّ القلوب أقدر على استقبال هذا الفيض؟

لقد كشف القرآن والسنة أن أعظم ما يحجب العبد عن الله
سبحانه ليس قلة العمل فقط، بل فساد القلب وامتلاؤه بما يقطع صلته بالله تعالى، قال
سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ *
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[الشعراء: 88-89]، وقال النبي
ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»
(رواه صحيح مسلم).

والقلب السليم ليس قلبا خاليا من الضعف البشري، وإنما هو
القلب الذي سلم من الشرك، والكبر، والحقد، والتعلق المرضي بالدنيا، وسلمت وجهته
لله تعالى، ولهذا فإن من أعظم ما يحتاجه المؤمن في هذه الأيام أن يراجع قلبه قبل
أن يراجع برنامجه التعبدي؛ لأن الأعمال مهما كثرت لا تُثمر ما لم تجد قلبا صالحا
يحملها.

وقد قال الامام ابن القيم الجوزية: “في القلب شعث
لا يلمه إلا الإقبال على الله” [مدارج السالكين/155]، فالقلب الموزع بين
الأهواء لا يستطيع أن يتلقى أنوار القرب، ولو أكثر من الأعمال الظاهرة.

تهيئة القلب قبل طلب الفيض.

إن من أعظم الأخطاء في التعامل مع المواسم الإيمانية أن
ينشغل الإنسان بطلب العطاء قبل إعداد الوعاء، وبكثرة العمل قبل إصلاح القلب، وتهيئة
القلب للعشر الأوائل لا تكون بالشعارات، بل بجملة
من المعاني العملية العميقة:

1- تجديد التوحيد.

ليس المقصود بالتوحيد مجرد المعرفة الذهنية، بل تحرير
القلب من كل تعلّق ينازع تعلقه بالله تعالى، فكم من قلب يرفع شعار العبودية بينما
تستعبده شهواته أو مخاوفه أو تعلقاته الدنيوية، ولهذا كان التكبير في هذه الأيام إعلانا
متكررا أن: [الله أكبر] أكبر من الرغبات، وأكبر من المخاوف، وأكبر من كل ما يحتل
مركز السيادة في القلب.

2- تطهير القلب من الشحناء.

لا يجتمع نور القرب مع ظلمة الأحقاد؛ لأن القلب الممتلئ
بالضغائن قلب مثقل لا يصفو لاستقبال الفيض الإلهي، وقد كان سلفنا الصالح يعدّون سلامة
الصدر من أعظم القربات؛ لأن العبادة ليست علاقة رأسية مع الله تعالى فقط، بل هي أيضا
صلاح في العلاقة مع الخلق.

3- الانكسار الصادق بين يدي الله تعالى.

إن الله تعالى لا يرد قلبا منكسرا صادقا، بل إن أعظم
أبواب القرب أن يشعر العبد بفقره الحقيقي إلى الله عز وجل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾
[فاطر:15]، وكلما ازداد شعور العبد بحاجته إلى الله، ازداد قربا منه؛ لأن أبواب
السماء تُفتح للقلوب المتواضعة لا للنفوس المعجبة بأعمالها.

العشر الأوائل موسم إعادة بناء لا طقوس عابرة.

إن الخلل الكبير في التعامل مع المواسم الإيمانية أن
تتحول إلى طقوس موسمية فاقدة للأثر؛ فتكثر الأعمال بينما يبقى القلب على حاله، بينما
أراد الله عزوجل لهذه الأيام أن تكون محطة مراجعة شاملة: مراجعة العلاقة بالله، ومراجعة
العلاقة بالنفس، ومراجعة العلاقة بالناس، ومراجعة الاتجاه الذي تسير فيه الحياة
كلها، ولهذا فإن العبرة ليست بعدد الأعمال وحدها، بل بالأثر الذي تتركه في القلب
والسلوك بعد انقضاء الموسم.

وكان أئمتنا الأوائل يعدّون علامة قبول الطاعة أن تُورث
صاحبها طاعة بعدها، وخشية أعمق، وانكسارا أصدق.

إحياء العشر إيمانيا لا شكليا.

إن إحياء هذه الأيام لا يكون بالصخب التعبدي، ولا
بالتكلف الذي يفقد العبادة روحها، بل بصدق التوجه وحضور القلب، ومن أعظم ما يُحيي
هذه الأيام: قيامٌ هادئ يناجي فيه العبد ربَّه بعيدا عن التصنع، وتكبير يخرج من قلب
ممتلئ بتعظيم الله لا من لسان معتاد، ودعاء صادق يشعر فيه الإنسان بفقره الكامل
إلى الله تعالى، واستغفار يوقظ الإحساس بالتقصير لا مجرد ترداد الألفاظ، وصدقة تطهر
القلب قبل أن تخرج المال، وعزم حقيقي على إصلاح ما فسد من علاقة العبد بربه
وبالناس، فالمواسم لا تُحيى بكثرة الحركة، بل بصدق الحضور.

خاتمة:

ليست العشر الأوائل من ذي الحجة موسما للطلبات الكثيرة
بقدر ما هي موسم للسؤال الكبير: هل قلوبنا مهيأة فعلا لله؟

فمن دخل هذه الأيام بقلب صادق، منيب، متخفف من أدران
الغفلة، فتحت له أبواب القرب، وتحوّلت الطاعات في حقه إلى معارج للارتقاء، أما من
دخلها بقلب منشغل بالدنيا، مثقل بالأحقاد، غارق في الاعتياد، فقد تمرّ عليه كما
تمرّ الأيام دون أن يذوق حقيقتها.

فيا رب…

إن ضاقت أوعية قلوبنا عن حمل فيضك فوسّعها.

وإن تكدّرت أرواحنا بالغفلة فطهّرها.

وإن قصرت أعمالنا عن بلوغ رحمتك فبلّغنا بفضلك.

يارب … هيّأنا قلوبنا لتجلِّياتك فلا تحرمنا.

آمين اللهم آمين

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها،
ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* الشيخ نشوان عادل البدراني؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين. إمام وخطيب جامع التكاي/ مدينة الموصل. ومدير ادارة المجمع الفقهي
العراقي/ العراق- نينوى.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102