آخر الأخبار

عيد الأضحى المبارك: غزة بين مشاعر حاضرة، وشعائر غائبة

Picture of محمد دمان ذبيح

محمد دمان ذبيح

شارك المقال على :

عيد الأضحى المبارك: غزة بين مشاعر حاضرة، وشعائر غائبة 

بقلم: أ.د/ محمد دمان ذبيح

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد 

      إن عيد الأضحى المبارك أفضل أيام الدنيا، وأعظمها
شرفا، وفضلا، قال عليه الصلاة والسلام
: إنَّ أفضلَ الأيَّامِ عندَ اللَّهِ يومُ
النَّحرِ ثمَّ يومُ القَرّ
[1]. “[2]
        وهذا اليوم العظيم، يحمل الكثير من
المعاني الربانية
، وعلى رأسها معاني
الأخوة
، والجسد الواحد، والتي تتجلى في العديد
من النصوص القرآنية
، والنبوية، كقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ
وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ
إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ
الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ
فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ
مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ
[الحج: 78]، وكقوله صلى الله عليه
وسلم : ”
مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ،
وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ . مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ
سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى “.[3]
    
ولا شك أنها المعاني التي نريد أن تتجسد وبصدق مع إخواننا في غزة الصامدة
، غزة المرابطة، غزة المجاهدة عن هذه الأمة، وتاريخها، وشرفها.
       إن غزة، وكعادتها تستقبل عيد الأضحى بلا أضاح، وبلا شعيرة
الذبح
،
فغاب العيد
،
وغابت معه هذه الآية القرآنية:
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ
فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ
جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ
سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[الحج 36]، وهذا كله في ظل حصار
قاتل
، وتضييق مميت، لا يخفى على القاصي، والداني معا.

    يقول
محمد السوسي (45 عاما)، أحد سكان القطاع الذي قرر عدم شراء أضحية بسبب ارتفاع
الأسعار: “للعام الثالث على التوالي لا أذبح الأضحية، فما هو معروض في السوق
قليل، ومرتفع الثمن”.

   ويضيف: “ما يحدث يمثل مسا متعمدا
بالمشاعر، والشعائر الدينية، فنحن نذبح تقربا إلى الله، لكننا اليوم عاجزون عن ذلك”.

    ويتابع: “نشعر بالألم لأن عيدا يحمل اسم
الأضحى يأتي من دون أضحية، بعدما اعتدنا أن نُفرح الأطفال، ونطعم الكبار، والفقراء،
والعائلات المستورة
“.[4]

       ويتساءل عبيد السالم (56 عاما): “كيف يمكن أن نفرح
بالعيد ونحن عاجزون عن أداء شعيرة الذبح الحلال؟ لذلك لن تكون هناك فرحة حقيقية في
ظل الظروف الكارثية التي نعيشها بعد حرب لم تنتهِ بعد
“.[5]   

   إن مثل
هذه الشهادات من غزة الجريحة، تعبر بشكل عام عن:

أولا: حجم المعاناة، والآلام، التي يعيشها إخواننا يوميا، وعلى مدار السنة -في
العيد
، وفي غيره-.

ثانيا: عدم الاستقرار على مستوى جميع الأصعدة.

ثالثا: غياب أمة، تمزقت أوصالها، وتشتت أجزاؤها، حتى أضحت كبيت العنكبوت، الذي لا يحمي أبناءه، ولا يستر أهله، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ

[العنكبوت 41].

إن غزة اليوم، وحتى لا ننسى تنتظر منا عيدا بمعنى الكلمة، عيدا تتحد فيه
المشاعر
، والشعائر معا، أو بتعبير
آخر تجتمع فيه الأرواح
، والأجساد في
دائرة من الإخاء
، والترابط، والنصرة بالمال والنفس، وبكل عزيز، وغالي.

   وإنها
المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق كل واحد منا
، في دائرة مسؤوليته، وفي مجال اختصاصه، والتي يجب أن نستشعرها قلبا، وقالبا، قولا، وعملا، حتى نعيد لغزة
عيدها
، وشموخها، وفرحتها، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
[يونس: 58].

       وإنني أرى هذه
المسؤولية تتجسد في القيام بالواجبات التالية:

·    
الدعاء لإخواننا خاصة في هذه الأيام الفاضلة.

·    
الدعم المادي، والمعنوي، وذلك من خلال
استغلال كل الوسائل المتاحة
، وهذا من أجل تثبيتهم، وتشجيعهم على مواصلة المقاومة حتى النصر.

·    
المقاطعة الاقتصادية، فهي من أهم الوسائل الفعالة لوضح حد لهذا الكيان، خاصة في واقعنا
اليوم.

·    
كشف مؤامرات العدو، وحقده الشديد على الإسلام، والمسلمين، وهذا حتى يدرك
العالم أجمع حقيقة هذا الكيان الغاصب.

·    
توعية المجتمعات الإسلامية بخطورة القضية، وأن خيانتها خيانة
لله تعالى
، ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-.

·    
الحرص على طلب العلم، وفي كل المجالات، والاختصاصات، وهذا حتى تعرف
الأمة كيف تدافع عن بيتها
، وحتى لا يتجرأ عليها العدو بأي شكل من الأشكال.

·    
العمل على تربية أبنائنا على هم هذه الأمة بشكل عام، وفلسطين، وغزة بشكل خاص، وصدق رائد النهضة الجزائرية “عبد الحميد بن باديس ” رحمة
الله تعالى عليه عندما قال:

                          يا نشء أنت رجاؤنا * *
* وبك الصباح قد اقترب

                        خذ
للحياة سلاحها * * * وخض الخطوب ولا تهب

وأخيرا، وصفوة القول فإن عيد الأضحى ليس
مجرد مناسبة دينية عابرة في أيام فاضلة
، بل هو فرصة لإعادة مجد الأمة، وترابطها، وتماسكها، والوقوف على همومها في
مشارق الأرض
، ومغاربها، ولعل هذا المعنى يتجلى أكثر ما يتجلى في مسؤولية عنوانها “غزة
، بمشاعرها المتعددة، وشعائرها المختلفة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** الهوامش



[1]وهو ثاني يوم النحر ، وسمي بذلك لأن الحجيج يقرون فيه بمنى بعدما أدوا أعمالهم، وليس لهم أن يغادروا منى في هذا اليوم.

[2] أخرجه
أبو داود برقم 1765.

[3] رواه
البخاري برقم 6011.

[4]  المملكة، غزة تستقبل عيد الأضحى بلا أضاح للعام الثالث
على التوالي
، تاريخ التصفح : 23/ 05/ 2026, https://www.almamlakatv.com/news

[5] المرجع
السابق.

محمد دمان ذبيح
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102