آخر الأخبار

كيف نحفظ برّ الوالدين دون إلغاء للذات؟

Picture of الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين

شارك المقال على :

كيف نحفظ برّ الوالدين دون إلغاء للذات؟

بقلم: أ. رولا أديب السيد

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

من أكثر
الأسئلة إرباكًا في الحياة الأسرية: كيف أكون بارًّا بوالديّ، وفي الوقت نفسه
أحافظ على نفسي وتوازني النفسي؟

ينشأ هذا
الإرباك عندما نتصور أن أمامنا خيارين لا ثالث لهما: إما البرّ الكامل ولو على
حساب الذات، وإما حماية النفس مع الشعور بالذنب والتقصير. لكن المنهج الإسلامي لا
يضع الإنسان أمام هذا التعارض الحاد، بل يعلّمه طريقًا يجمع بين الإحسان والوعي،
وبين الرحمة والحدود.

كثير من
الأبناء والبنات يحملون في داخلهم ألمًا صامتًا؛ فهم يريدون رضا الله ببرّ
والديهم، لكنهم في الوقت نفسه يشعرون بأن بعض الممارسات أو الضغوط أو التدخلات
تستنزفهم نفسيًا وتُضعف قدرتهم على الاستمرار. ومع تكرار هذا الصراع قد يظنون أن
حماية النفس تتعارض مع البر، وأن وضع الحدود نوع من العقوق.

والحقيقة
أن البرّ عبادة عظيمة، أما إلغاء الذات فليس عبادة.

البرّ عبادة.. لا ذوبان

جعل الله
للوالدين منزلة عظيمة، وقرن برّهما بتوحيده في مواضع كثيرة من القرآن، لكن البر
الذي أمر الله به هو الإحسان والرحمة وحسن المعاملة، وليس إلغاء الشخصية أو تعطيل
الحقوق أو قبول كل ما يسبب الضرر.

ولهذا
جاءت الآية العظيمة: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن
تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي
الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
.

إنها آية
تؤسس لقاعدة تربوية دقيقة؛ فقد جمعت بين عدم الطاعة في الخطأ، والاستمرار في
المعاملة بالمعروف. وكأن القرآن يقرر أن الإنسان ليس مطالبًا بالتنازل عن الحق
ليكون بارًّا، بل مطالب بأن يجمع بين الثبات والإحسان.

من السيرة: ثبات مع بقاء البر

عندما
أسلم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، غضبت أمه غضبًا شديدًا، وأعلنت أنها ستمتنع عن
الطعام والشراب حتى يترك الإسلام.

كان
الموقف بالغ القسوة من الناحية العاطفية، لكنه لم يتراجع عن الحق، ولم يسمح للضغط
النفسي أن يسلبه قراره. وفي الوقت نفسه لم يتحول إلى ابن عاق أو قاسٍ على أمه.

لقد بقي
بارًّا بها، مع محافظته على حدوده ومبدئه.

إنها
رسالة تربوية مهمة: يمكن للإنسان أن يقول “لا” لما لا يرضي الله، دون أن
يقول “لا” للبر والإحسان.

من السيرة: الاختلاف لا يلغي الصلة

ومن أجمل
النماذج ما وقع لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، حين جاءت أمها إليها وهي لا
تزال على الشرك، فسألت النبي ﷺ إن كانت تصلها وتحسن إليها، فأجابها: «صلي أمك».

لم يمنع
اختلاف العقيدة من استمرار البر، ولم يطلب منها أن تتنازل عن دينها لإرضاء أمها.

فالرسالة
النبوية هنا واضحة: حافظي على هويتك وقناعاتك، لكن لا تتخلي عن الرحمة والإحسان.

من القرآن: إبراهيم عليه السلام وأبوه

ولعل من
أروع النماذج التربوية موقف إبراهيم عليه السلام مع أبيه .. فقد رفض أبوه دعوته
إلى الله، وهدده بالطرد والإيذاء، ومع ذلك لم يقابله إبراهيم بالقسوة أو الجفاء،
بل قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ
رَبِّي﴾
.

لقد تمسك
بالحق، لكنه لم يفقد أدبه. وحافظ على كرامته، لكنه لم يفقد احترامه لأبيه. وهذا هو
التوازن الذي نفتقده أحيانًا؛ إذ يظن بعض الناس أن حماية النفس لا تكون إلا
بالقطيعة أو العنف، بينما يعلمنا القرآن أن الإنسان يستطيع أن يحفظ حدوده ويبقى
كريم الخلق في الوقت نفسه.

التربية النبوية لم تصنع شخصيات مستسلمة

النبي ﷺ
ربّى أصحابه على الرحمة والبر والإحسان، لكنه لم يربِّهم على الذوبان في الآخرين
أو الاستسلام للضغوط النفسية.

لقد
ربّاهم على العزة مع التواضع، وعلى الرحمة مع القوة، وعلى حفظ الحقوق مع أداء
الواجبات.

ولذلك لم
يكن الصحابة يفهمون البر على أنه إلغاء للعقل أو المشاعر أو الشخصية، بل كانوا
يفهمونه ضمن ميزان العدل والحكمة.

لماذا
يخلط البعض بين البر وإلغاء الذات؟

لأن بعض
البيئات التربوية تختزل البر في الطاعة المطلقة، وتختزل الاحترام في الصمت المطلق،
وتختزل الصبر في تحمل كل أنواع الأذى.

فينشأ
الإنسان وهو يشعر بالذنب كلما عبّر عن احتياجه، أو رفض سلوكًا مؤذيًا، أو حاول وضع
حدود صحية تحميه من الاستنزاف.

ومع
الوقت يتحول البر من عبادة تبعث السكينة إلى عبء نفسي يثقل الروح.

كيف نحفظ البر دون أن نفقد أنفسنا؟

1. التفريق
بين الاحترام والطاعة:
قد لا
توافق على كل ما يُطلب منك، لكنك تستطيع أن ترفض بأدب واحترام.

فالاحترام
واجب دائم، أما الطاعة فلها حدودها الشرعية والعقلية.

2. وضع
الحدود دون عدوان:
الحدود
الصحية ليست عقوبة للوالدين، بل وسيلة لحماية العلاقة من التوتر والتراكمات
المؤذية.

فالحدود
الواضحة تمنع الانفجار، وتحفظ المودة على المدى الطويل.

3. عدم الخلط
بين الذنب والتقصير:
ليس كل
شعور بالذنب دليلًا على أنك مخطئ.

فأحيانًا
يكون الذنب مجرد أثر لتربية جعلتك تظن أن رضا الجميع أهم من سلامك النفسي.

4. المحافظة
على الإحسان مهما وُجد الخلاف:
قد
تختلف، وقد ترفض، وقد تبتعد عن بعض المواقف المؤذية، لكن لا تجعل ذلك سببًا لقطع
المعروف أو إسقاط حق الوالدين في الدعاء والاحترام والإكرام.

الخلاصة:

لا يريد
الإسلام ابنًا متمردًا يقطع البر عند أول خلاف، ولا يريد ابنًا مكسورًا يلغي نفسه
خوفًا من الشعور بالذنب.

إنما
يريد شخصية مؤمنة ناضجة، تعرف قدر والديها، وتعرف كذلك قدر النفس التي ائتمنها
الله عليها.

فالبر
الحقيقي لا يطلب منك أن تختفي، ولا أن تتخلى عن كرامتك، ولا أن تسمح للأذى أن يصبح
قدرًا دائمًا في حياتك.

بل يطلب
منك أن تجمع بين أمرين عظيمين: أن تبقى محسنًا، وأن تبقى سويًّا.

وهذا هو
الدرس الذي نراه في سعد بن أبي وقاص، وأسماء بنت أبي بكر، وإبراهيم عليه السلام؛
ثبات على الحق، ورحمة في التعامل، وبرّ لا يلغي الذات، وحدود لا تفسد الإحسان.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* أ.
رولا أديب السيد باحثة في التربية الإيمانية وبناء الإنسان. عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

الهند: حيث يصان الحيوان ويذبح الإنسان

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان، فالرحمة بالحيوان خلق

الصلاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

الصلاة تربى الإنسان خلقياً وعقلياً، فهي تربط الإنسان بالله، كما

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102 من الأيتام

برنامج «تحسين عبادة الصلاة» ينطلق في ترنقانو الماليزية بمشاركة 102