قراءة فكرية في مستقبل التعليم الشرعي والعربي في إفريقيا
شهدت إفريقيا منذ قرون طويلة حركة علمية نشطة نحو المراكز العلمية العربية والإسلامية، حيث توافد آلاف الطلاب الأفارقة إلى الحجاز ومصر والمغرب والسودان والشام وغيرها من البلدان الإسلامية من أجل تعلم العلوم الشرعية واللغة العربية. وقد أدت هذه الرحلات العلمية دوراً مهماً في نشر الإسلام وتعزيز الثقافة العربية الإسلامية في القارة الإفريقية، وأسهمت في تكوين نخبة من العلماء والدعاة والقضاة والمربين الذين كان لهم أثر كبير في مجتمعاتهم.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بعد مرور عقود طويلة، بل وقرون في بعض المناطق، هو: ما الذي حققته هذه الجهود التعليمية؟ وهل ما زالت إفريقيا في حاجة إلى إرسال أعداد كبيرة من أبنائها لدراسة الدين واللغة العربية في الخارج؟ أم أن الوقت قد حان للانتقال إلى مرحلة جديدة من الاستقلال العلمي والمؤسسي؟
أولاً: الاعتراف بفضل المرحلة التاريخية السابقة
لا يمكن إنكار الدور التاريخي الذي قامت به الجامعات والمعاهد الإسلامية في العالم العربي والإسلامي في تكوين الكفاءات الإفريقية. فقد كانت تلك المؤسسات في فترات سابقة تمثل المصدر الرئيسي للمعرفة الشرعية واللغوية، خاصة في ظل ضعف البنية التعليمية المحلية وندرة المؤسسات الأكاديمية المتخصصة داخل القارة.
لقد عاد آلاف الخريجين إلى بلدانهم وأسهموا في تأسيس المدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية، وترجمة الكتب، وإعداد المناهج، وتكوين الأجيال الجديدة من العلماء والدعاة.
ومن الإنصاف القول إن إفريقيا مدينة لهذه المرحلة العلمية التي أسهمت في ترسيخ الهوية الإسلامية والثقافة العربية لدى ملايين المسلمين الأفارقة.
ثانياً: هل ما زالت الظروف كما كانت؟
الجواب الموضوعي هو: لا.
فالقارة الإفريقية اليوم تختلف كثيراً عما كانت عليه قبل خمسين أو مائة عام.
فقد أصبحت فيها عشرات الجامعات الإسلامية والكليات الشرعية والمعاهد المتخصصة، كما ظهر آلاف الحاصلين على درجات الماجستير والدكتوراه في مختلف العلوم الشرعية واللغوية.
وأصبحت المكتبات الإلكترونية متاحة، والكتب متوفرة، ووسائل الاتصال الحديثة تسمح بالاستفادة من كبار العلماء دون الحاجة إلى السفر الطويل الذي كان ضرورة في الماضي.
إن استمرار التفكير بالمنطق نفسه الذي كان سائداً قبل عقود طويلة قد يؤدي إلى تعطيل تطور المؤسسات العلمية الإفريقية بدل تعزيزها.
ثالثاً: من التبعية التعليمية إلى السيادة العلمية
إن من أهم مؤشرات نضج الأمم قدرتها على تعليم أبنائها بنفسها.
فلا يمكن أن تبقى القارة الإفريقية، بعد كل هذه التضحيات والاستثمارات العلمية، معتمدة بشكل شبه كامل على الخارج في تكوين أئمتها ودعاتها ومدرسي اللغة العربية.
إن وجود آلاف الأساتذة والعلماء الأفارقة المؤهلين يفرض الانتقال من مرحلة الاستيراد العلمي إلى مرحلة الإنتاج العلمي.
فالمطلوب اليوم ليس فقط تدريس الكتب التقليدية، بل بناء مدارس فكرية إفريقية رصينة، ومراكز بحثية قادرة على معالجة قضايا القارة من منظور شرعي وعلمي متوازن.
إن العالم الذي يعيش في إفريقيا ويفهم لغاتها وثقافاتها وتحدياتها الاجتماعية والاقتصادية قد يكون أقدر في كثير من الأحيان على معالجة واقع مجتمعه من عالم يأتي من بيئة مختلفة تماماً.
رابعاً: التكلفة الإنسانية والاقتصادية للابتعاث التقليدي
يواجه كثير من الطلاب الأفارقة أثناء الدراسة في الخارج تحديات كبيرة، من بينها:
- صعوبات التأشيرات والإقامة.
- الأعباء المالية المرتفعة.
- البعد عن الأسرة والمجتمع.
- اختلاف البيئات الثقافية والاجتماعية.
- مشكلات معادلة الشهادات أحياناً.
وفي المقابل، فإن توجيه جزء من هذه الموارد المالية إلى تطوير الجامعات والمعاهد الإفريقية يمكن أن يحقق نتائج أكبر وأكثر استدامة.
فبدلاً من إرسال ألف طالب إلى الخارج، يمكن استثمار الأموال نفسها في إنشاء مختبرات ومكتبات ومراكز بحث ومنح دراسية داخل القارة تخدم عشرات الآلاف من الطلاب.
خامساً: الأولوية الجديدة لإفريقيا
إذا كانت إفريقيا قد قطعت شوطاً كبيراً في مجال التعليم الشرعي واللغوي، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجهها اليوم يتمثل في مجالات أخرى أكثر إلحاحاً، مثل:
- الطب والعلوم الصحية.
- الهندسة بمختلف تخصصاتها.
- التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
- الأمن السيبراني.
- الطاقة المتجددة.
- الصناعات المتقدمة.
- الزراعة الحديثة.
- الاقتصاد وإدارة الأعمال.
إن نهضة الأمم في العصر الحديث لا تتحقق بالوعظ وحده، وإنما بالتكامل بين القيم الدينية والعلمية والتقنية.
فالمجتمع يحتاج إلى الإمام كما يحتاج إلى الطبيب، ويحتاج إلى الفقيه كما يحتاج إلى المهندس، ويحتاج إلى الداعية كما يحتاج إلى الباحث والمبتكر.
سادساً: نحو شراكة علمية جديدة مع العالم العربي والإسلامي
إن الدعوة إلى تعزيز التعليم الشرعي والعربي داخل إفريقيا لا تعني قطع العلاقات العلمية مع العالم العربي والإسلامي.
بل المطلوب هو الانتقال من علاقة التلقي الأحادي إلى علاقة الشراكة والتكامل.
فيمكن للجامعات العربية والإسلامية أن تسهم في:
- تدريب الأساتذة الأفارقة.
- دعم البحث العلمي المشترك.
- تبادل الخبرات الأكاديمية.
- إنشاء فروع ومراكز بحث داخل إفريقيا.
- دعم التخصصات العلمية والتكنولوجية الحديثة.
وبذلك تتحول العلاقة إلى تعاون بين مؤسسات متكافئة لا إلى اعتماد دائم من طرف واحد على الآخر.
خاتمة
لقد أدت مرحلة الابتعاث الشرعي واللغوي إلى الخارج دورها التاريخي الكبير، وأسهمت في تكوين أجيال من العلماء الذين نشروا الإسلام واللغة العربية في إفريقيا. غير أن الوفاء لهذه المسيرة لا يكون بتكرار النموذج نفسه إلى ما لا نهاية، بل بتطويره والانتقال به إلى مستوى أعلى من النضج والاستقلال.
إن إفريقيا اليوم تمتلك من العلماء والخبرات والمؤسسات ما يؤهلها لتعليم الدين واللغة العربية لأبنائها داخل القارة بكفاءة واقتدار. أما الأولوية الاستراتيجية للابتعاث الخارجي فينبغي أن تتجه بصورة متزايدة نحو العلوم والتكنولوجيا والطب والهندسة وسائر مجالات المعرفة التي تصنع القوة والتنمية والنهضة.
فالأمة التي تستطيع أن تربي علماء دينها بنفسها، وتستورد في الوقت نفسه علوم العصر وتقنياته، هي الأمة الأقرب إلى تحقيق الاستقلال الحضاري والتنمية المستدامة، وإلى بناء مستقبل يليق بأجيال إفريقيا القادمة.