آخر الأخبار

فضل صيام يوم عاشوراء والعبر والعظات منها

شارك المقال على :

ــ فضل الإكثار من صيام التطوع في شهر المحرم:

قال الله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ). (التوبة: ٣٦).

إن هذا النص القرآني يرد معيار الزمن، وتحديد دورانه إلى طبيعة الكون التي فطره الله عليها. وإلى أصل الخلقة. خلقة السماوات والأرض. ويشير إلى أن هناك دورة زمنية ثابتة، مقسمة إلى اثني عشر شهراً. يستدل على ثباتها بثبات عدة الأشهر؛ فلا تزيد في دورة وتنقص في دورة. وأن ذلك في كتاب الله – أي في ناموسه الذي أقام عليه نظام هذا الكون. فهي ثابتة على نظامها، لا تتخلف ولا تتعرض للنقص والزيادة. لأنها تتم وفق قانون ثابت، هو ذلك الناموس الكوني الذي أراده الله يوم خلق السماوات والأرض.. وهذه الإشارة إلى ثبات الناموس يقدم بها السياق لتحريم الأشهر الحرم وتحديدها، ليقول: إن هذا التحديد والتحريم جزء من نواميس الله كثباتها، لا يجوز تحريفه بالهوى، ولا يجوز تحريكه تقديماً وتأخيراً، لأنه يشبه دورة الزمن التي تتم بتقدير ثابت، وفق ناموس لا يتخلف.

(ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ).. فهذا الدين مطابق للناموس الأصيل، الذي تقوم به السماوات والأرض، منذ أن خلق الله السماوات والأرض… وهكذا يتضمن ذلك النص القصير سلسلة طويلة من المدولات العجيبة.. يتبع بعضها بعضاً، ويمهد بعضها لبعض، ويقوي بعضها بعضاً. (في ظلال القرآن: 4/27).

ــ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ. وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلاةُ اللَّيْلِ). (صحيح مسلم، 1163).

فمما يسن صيامه شهر المحرم، وهو الذي يلي شهر ذي الحجة، وهو الذي جعله الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول شهور السنة، وصومه أفضل الصيام بعد رمضان. والظاهر أن المراد جميع شهر المحرم. (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: 4/467). ولكن حيث ورد أنه صلى الله عليه وسلم لم يصم شهرا كاملا إلا رمضان، للحديث التالي:

ــ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرًا كُلَّهُ؟ قَالَتْ: (مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلا رَمَضَانَ، وَلا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ صلى الله عليه وسلم). (صحيح مسلم، 1156).

فيُحمل الحديث على الترغيب في الإكثار من الصيام في شهر المحرم. وقوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم) تصريح بأنه أفضل الشهور للصوم. وأضاف الشهر إلى الله تعظيما. (تحفة الأحوذي: 3/164). فإن قلت: قد ثبت إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم في شعبان، وهذا الحديث يدل على أن أفضل الصيام بعد صيام رمضان هو صيام المحرم. فكيف أكثر النبي صلى الله عليه وسلم منه في شعبان دون المحرم؟ ففيه جوابين: أحدهما: لعله إنما علم فضله في آخر حياته، والثاني: لعله كان يعرض فيه أعذار، من سفر أو مرض أو غيرهما. (شرح صحيح مسلم: 4/312). وقد ورد في الحض على صيام التطوع مطلقا:

ــ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلّا بَاعَدَ اللَّهُ، بِذَلِكَ الْيَوْمِ، وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا). رواه مسلم.

ــ وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا، كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَاْلأرْضِ). رواه الترمذي.

ــ وعَنْه رضي الله عنه أيضا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مُرْنِي بِعَمَلٍ. قَالَ: (عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ َلا عَدْلَ لَهُ). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مُرْنِي بِعَمَلٍ. قَالَ: (عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ َلا عِدْلَ لَهُ). رواه النسائي.

ــ فضل صيام يوم عاشوراء:

ــ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلّا هَذَا الْيَوْمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ، يَعْنِي: شَهْرَ رَمَضَانَ. رواه البخاري. ومعنى “يتحرى” أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه. (فتح الباري: 4/292).

من فهم حقيقة يوم عاشوراء صَغُرَ في عينه كل هم وغم وحزن مهما عَظم واشتد…!

وأعظم منّة قد يعيشها المؤمن في يوم عاشوراء مع فضل صيامه، هي أن الله خلّص قلوب العباد من الشرك في هذا اليوم العظيم.. ولنحمد الله على إعادة التوحيد..

ــ وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ). رواه مسلم.

ــ وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ: يَوْمُ الْعَاشِرِ. رواه الترمذي.

ــ وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: (فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ)، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. رواه البخاري. وقد أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس زيادة في سبب صيام اليهود له، وحاصلها أن السفينة استوت على الجودي فيه، فصامه نوح وموسى شكرا. (فتح الباري: 4/291).

وفي هذا الحديث دليل على أن التوقيت كان في الأمم السابقة بالأهلة، وليس بالشهور الإفرنجية. (الشرح الممتع: 6/471). وهذا الحديث أفاد تعيين الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء، وقد كان أول قدومه المدينة. ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية.

ــ وعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَعُدُّهُ الْيَهُودُ عِيدًا. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: فَصُومُوهُ أَنْتُمْ. رواه البخاري.

وظاهر هذا أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه، لأن يوم العيد لا يصام. (فتح الباري: 4/292). وهذا يدل على النهي عن اتخاذه عيدا. (لطائف المعارف: 124).

قال الله تعالى: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ).. وليس العجب من قول موسى عليه السلام: (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) بل نعجب من قوله: (كَلَّا).. وهذا من عظيم يقين موسى بأن له رب يربيه بالرغم من أن كل المؤشرات الحسية تقول أنهم هالكون لا محالة فالعدو من خلفهم والبحر من أمامهم..!

لقد بلغ الكرب مداه، وإن هي إلا دقائق تمر ثم يهجم الموت ولا مناص ولا معين!

ولكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه، لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه، واليقين بعونه، والتأكد من النجاة، وإن كان لا يدري كيف تكون. (في ظلال القرآن: 5/349).

كلما زاد شعور تربية الله لك في كل موقف تمر به، كلما زاد إيمانك ويقينك بالله..

من عظيم نعم الله على بني اسرائيل أنه أهلك فرعون أمامهم بل أهلك أيضا ملكه، وهذا من رحمة الله ببني إسرائيل حتى يشفي غليلهم وغيض قلوبهم ممن أضعفهم وبرد قلوبهم من أن يروا ملك فرعون فيغتاظوا..

في يوم عاشوراء أهلك الله فرعون ونجى بنى اسرائيل، فأخرج من قلوبهم كل معظم غير الله.. فلنخرج من قلوبنا كل عظيم..

عليك يوم عاشوراء أن تخرج من قلبك كل معظم غير الله، من هم وحزن وكرب وشدة جميعها اخرجها وكن واثقًا بالله متيقنًا أنه لن يخلصك منها إلّا هو فأجمع يقينك به وتوكل…!

ــ استحباب صيام اليوم التاسع مع عاشوراء:

ــ عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ). قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم.

قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعا; لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام العاشر، ونوى صيام التاسع… قال بعض العلماء: ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر ألا يتشبه باليهود في إفراد العاشر. وفي الحديث إشارة إلى هذا. (شرح صحيح مسلم: 4/267-268).

وآكد صيام شهر المحرم، اليوم العاشر منه يليه التاسع… فإن قال قائل: ما السبب في كون يوم العاشر آكد أيام شهر المحرم؟ أُجيب: إن السبب في ذلك أنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه، وأهلك فرعون وقومه… وقال بعض العلماء: إنه لا يكره إفراد اليوم العاشر بالصيام، ولكنه لا يحصل على الأجر التام إذا أفرده. (الشرح الممتع: 6/469-471).

وقال بعض أهل العلم: قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم ” لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع ” يحتمل أمرين، أحدهما أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع، والثاني أراد أن يضيفه إليه في الصوم، فلما توفي صلى الله عليه وسلم قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين. (فتح الباري: 4/289).

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المخالفة تقع بصيام يوم قبله ويوم بعده، واستدلوا بما رُوي عن رسول الله: (صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يوما، وبعده يوما).

والحكمة من صيامه، أن يوم عاشوراء هو اليوم الذي نجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنوده، فصامه موسى شكراً لله تعالى، خاصة وأن نبينا صلى الله عليه وسلم قد صامه وأمر بصيامه.

وقد ‏كان الصحابة يحرِصون على صوم يوم عاشوراء، ففي الصحيحين: أنهم كانوا يصوِّمون صبيانهم عاشوراء، فإذا تعبوا أعطوهم اللُعَبَ يلهون بها إلى الإفطار.

ــ يوم عاشوراء… يوم سقوط الطاغية فرعون.

يوم أن كتبت الأقدار نهاية وغرق فرعون بعد أن تكبر وطغى وزعم أنه إله من دون الله تعالى.

أغرقه الله عز وجل وسط الأمواج العاتية ليلقى نهاية مأساوية، لم يستطع فرعون أن يدافع عن نفسه ومات حقيرا ذليلا ليكون لمن خلفه آية.

فأي إله هذا الذى عجز أن ينجو بنفسه..؟ أي إله هذا الذى يصرخ بين أمواج البحر العاتية يبحث عن قشة يمسك بها لتنقذه من موت وغرق محقق..؟

بل إن شئت فقل: أي شعوب تلك التي تصدق فرعون وتؤمن برسالته..؟

أي شعوب تلك التى تركع وتسجد في قبلة فرعون طواعية..؟

إنها فقط الشعوب المستذلة الضعيفة التي لا تملك من أمرها شيئا حين تصدق أن هناك إلها يمشى على الأرض من جنس البشر..!.

(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ).. هلك فرعون ليترك وراءه فراعنة صغارا ساروا على نهجه واتبعوا منهجه واقتدوا بأثره، ولكنهم لم يتعلموا من نهايته، ولم يتعظوا من غرقه، وهذا شأن كل صغار الفراعنة أنهم لا يتعظون إلا ساعة الهلاك من باب الاضطرار وليس من باب الاقتناع.

ولن ينتصر باطل على حق وأهله متمسكون به أبدا.

ولن يطول ليل الاستعباد مادام المستضعفون المطاردون مستيقظين لم يتخلوا عن حريتهم.

واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه؛ فهم يعزلون الجماهير أولاً عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها؛ ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة. ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين! ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يمسكون بحبل الله، ولا يزنون بميزان الإيمان. فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح. ومن هنا يعلل القرآن استجابة الجماهير لفرعون فيقول: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ.. إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) (في ظلال القرآن: 6/380).

يوم عاشوراء هو يوم رد الله فيه كيد فرعون وجنوده وماتوا شر ميته.. تتقاذفهم الأمواج كريشة حقيرة لا وزن لها ولا قيمة، أو كجثث عفنة تأكلها وحوش البحر.

وتلك نهاية الظالمين الذين ظنوا أنهم قادرون على الأرض وأهلها، فأتاهم أمر الله بياتا وهم نائمون أو ضحى وهم يلعبون.

يوم عاشوراء يخبرنا ويعلمنا أن الباطل مهما انتفخ وانتفش وتجبر وتغطرس، وظن أنه لا يمكن لأحد أن ينازعه أو يواجهه، أو يرد كيده وباطله، أو يهزم جنده وجحافله وأتباعه، فإن مصيره إلى الهلاك والدمار، وعاقبته هي الذلة والهوان والصغار. وإن غدا لناظره قريب.

إغراق العدو أو إهلاكه نعمة، وكونه ينظر إلى عدوه -وهو يغرق- نعمة أخرى؛ لأنه يشفي صدره؛ وعند عجز الناس لا يبقى إلا فعل الله تعالى؛ ولهذا في غزوة الأحزاب نُصروا بالريح التي أرسلها الله تعالى.

تقاصرت بصائر بني إسرائيل فأراهم المعجزات عيانًا، ونفذت بصائر هذه الأمة فكاشفهم بآياته سرًا، وبذلك جرت سُنَّتُه سبحانه، وكل من كان أشحذَ بصيرةً كان الأمر عليه أغمض، والإشارات معه أوفر.

وحين شاهدوا ظاهر تلك الآيات من فلق البحر وإغراق آل فرعون- دَاخَلَهُمْ ريبٌ؛ فقالوا: إنه لم يغرق حتى قذفهم البحر، فنظر بنو إسرائيل إليهم وهم مغرقون. وهذه الأمة لفظ تصديقهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوة بصائرهم أن قال واحد من أفتاء الناس: «كأني بأهل الجنة يتزاورون وكأني بأهل النار يتغاضون وكأني أنظر عرش ربي بارزًا» فشتَّان بين من يُعاين فيرتاب مع عيانه، وبين مَنْ يسمع فكالعيان حالُه من قوة إيمانه. (لطائف الإشارات: 1/89).

ينهزم جيش يمثل إحدى القوى العظمى في ذلك الزمان أمام فئة قليلة عزلاء من السلاح والعتاد، فرت بدينها وعقيدتها من بطش طاغية؛ فتلك معجزة.

وأن تتحقق الهزيمة والجيش الظالم مقبل، والفئة المؤمنة توليه ظهرها، فتلك معجزة أخرى.

وأن يفنى الجيش عن بكرة أبيه؛ فتلك معجزة قاصمة..

وأن يغرق الجيش بعد أن ينصب له البحر فخاً؛ فتلك رابعة..

أن تتوقف قوانين الأرض المادية فيصير الماء مثل جبل صلب، ويتشقق فيمر المؤمنون من بين شقيه، فتلك معجزة كبرى منّ الله بها على المؤمنين يتقدمهم نبي من أولي العزم، موسى عليه السلام.

يوم عاشوراء، يوم النجاة، طور آخر من أطوار الانتصار التي لم تعرف البشرية له مثيلاً، حقيق بأن يحظى بعناية خاصة من المؤمنين.

وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكرا.

إن هذه أمتنا، أمة واحدة، ممتدة الجذور، متحدة بعقيدتها، متفردة بمنهجها؛ فما امتن الله به على نبييه نوح وموسى عليهما السلام والمؤمنين معهما جدير بأن نوليه نحن الآن احتفاء شكر وعرفان، وشكرنا – كما شكرهم – صوم واحتساب.

يوم عاشوراء يوم من أيام الله التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكر الله فيها على نعمة انتصار رسالة الحرية والتوحيد ونجاة نبي الله موسى عليه السلام وهزيمة فرعون وهامان وجنودهما من أعوان الطواغيت.

ونبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يحتفل بهذا اليوم بعبادة الصوم لأنه يوم النصر والحرية والغلبة.

إن الحرية لا تهدى ولا توهب أبداً؛ إنما تنتزع انتزاعاً.

هكذا علمنا القرآن، وهكذا علمتنا الحياة.. إن الذي يهبك الحرية يوماً؛ سيكون بإمكانه دوماً أن ينتزعها منك متى ما شاء، وفي اللحظة التي يريد.

إن تحقق الوعد بالنصر والغلبة والتمكين، رهن باستقامتنا وتحقيقنا هدايات القرآن الكريم، وإتباع خطى النبوة والأصحاب، وتجريد مقررات التوحيد على الرغم من أهوال العاصفة.

ويعبر سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الاحتفال بعبادة الصيام.. ليربط النصر بعبادة الصوم.

عاشوراء.. هي ذكرى الأمل والثبات والثقة والهجرة، وهي معلم من معالم طريق الدعوة، والأمر بالمعروف والصبر على لأواء الطريق، وهي يوم النصر والنجاة والتمكين.

إنها بحق قدر الدعوة الربانية الغالب.. فدعونا نتأمل الاحتفال بهذا اليوم العظيم للاعتبار والتدبر والتذكر، وكلنا ثقة وأمل ووعي بشروط النصر والتمكين، وتكاليف الطريق وطوله، وحجم العقبات وكبره، والله القوي الغالب على أمره.

دحام إبراهيم الهسنياني
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

من الابتعاث لتعلّم الدين واللغة إلى بناء السيادة العلمية الإفريقية

قراءة فكرية في مستقبل التعليم الشرعي والعربي في إفريقيا شهدت

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ومشروع النهضة الإسلامية المعاصرة

بقلم: أحمد شوقي عفيفيتعيش الأمة الإسلامية في هذا العصر مرحلة

لقاء دعوي في كوردستان يؤكد دور العلماء في ترسيخ الأمل والوعي

بتاريخ الأربعاء الموافق 17/6/2026، ألقى مسؤول فرع إقليم كوردستان للاتحاد

آخر المقالات

100%