بقلم: أحمد شوقي عفيفي
تعيش الأمة الإسلامية في هذا العصر مرحلة دقيقة من تاريخها، تتشابك فيها التحديات الفكرية والحضارية والسياسية والاقتصادية، وتتسارع خلالها التحولات العالمية بوتيرة غير مسبوقة حتى غدت تؤثر في منظومة القيم وأنماط الحياة ومسارات الوعي والتفكير. وفي خضم هذه المتغيرات المتلاحقة برزت الحاجة إلى مؤسسات علمية راسخة تستلهم هدي الشريعة، وتستوعب معطيات الواقع، وتنهض بمهمة توجيه الأمة نحو سبل الإصلاح والتجديد والنهوض الحضاري.
ومن هنا تبرز أهمية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بوصفه إحدى أبرز المؤسسات العلمية الإسلامية المعاصرة، التي سعت إلى جمع طاقات العلماء وتوحيد جهودهم، وربط الأمة بمرجعيتها الشرعية، والإسهام في معالجة قضاياها الكبرى برؤية تجمع بين أصالة النصوص الشرعية ووعي الواقع الإنساني. وقد استطاع الاتحاد خلال مسيرته أن يحتل مكانة مرموقة في الوجدان الإسلامي المعاصر، وأن يغدو منبرا علميا عالميا يعبر عن تطلعات الأمة وآمالها في النهوض واستعادة دورها الحضاري.
نشأة الاتحاد ورسالته:
جاء تأسيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين استجابة لحاجة ملحة إلى إطار علمي عالمي يجمع العلماء والدعاة والمفكرين من مختلف الأقطار الإسلامية، ويوحد جهودهم في خدمة الإسلام والمسلمين، ويعزز روح التعاون والتكامل بين أبناء الأمة على اختلاف مدارسهم واجتهاداتهم. ولم يكن الهدف من إنشائه إقامة كيان تنظيمي جديد فحسب، بل تأسيس مرجعية علمية مستقلة تحمل هم الأمة، وتسعى إلى توجيه مسيرتها في ضوء مقاصد الشريعة وقيمها الخالدة.
وقد حمل الاتحاد منذ نشأته رسالة سامية تقوم على نشر العلم الشرعي الرصين، وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، وتعزيز ثقافة الحوار والتعايش، وربط المسلمين بعلمائهم، والمساهمة في معالجة النوازل والقضايا المعاصرة من خلال الاجتهاد الجماعي المنضبط بأصول الشريعة ومقاصدها.
ولم يقتصر دور الاتحاد على إصدار الفتاوى والبيانات أو عقد المؤتمرات والندوات العلمية، بل سعى إلى أن يكون مؤسسة فاعلة في مشروع الإصلاح الحضاري للأمة، وحاضرا في مختلف ميادين الفكر والثقافة والتربية والعمل الاجتماعي والإنساني. كما عمل على تقديم نموذج رائد للاجتهاد المؤسسي الذي يجمع بين عمق التأصيل الشرعي وسعة الإدراك لمتغيرات العصر بما يمكنه من الإسهام في بناء وعي إسلامي متجدد قادر على مواجهة التحديات واستشراف آفاق المستقبل. ومن خلال هذه الرسالة الشاملة أصبح الاتحاد أحد أبرز روافد النهضة الإسلامية المعاصرة، ومنبرا يجسد طموح العلماء في الإسهام الفاعل في نهضة الأمة واستعادة مكانتها بين الأمم انطلاقا من هويتها الإسلامية ورسالتها الحضارية الخالدة.
النهضة الإسلامية المعاصرة: المفهوم والأبعاد:
تمثل النهضة الإسلامية المعاصرة مشروعا حضاريا متكاملا يستهدف إعادة بناء الأمة على هدي الإسلام وقيمه الخالدة ومبادئه الراسخة بما يحقق التوازن المنشود بين أصالة المرجعية الشرعية ومتطلبات العصر المتجددة. وهي ليست دعوة إلى الانغلاق على الماضي أو القطيعة مع الحاضر، وإنما سعي واع إلى استلهام تراث الأمة ومقوماتها الروحية والفكرية مع الإفادة من منجزات الحضارة الإنسانية وخبراتها النافعة في مختلف المجالات.
ومن ثم فإن النهضة الإسلامية لا تقتصر على إصلاح الجانب الديني فحسب، بل تمتد لتشمل ميادين الفكر والتربية والتعليم والاقتصاد والسياسة والثقافة والأخلاق والتنمية الاجتماعية في إطار رؤية شاملة تجعل الإنسان محور البناء وغاية الإصلاح. فالنهضة الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان المؤمن بربه، المعتز بهويته، الواعي برسالته، القادر على الجمع بين العلم والإيمان، وبين العمل والإبداع، وبين الوفاء للأصول والانفتاح الرشيد على العصر حتى تستعيد الأمة مكانتها الحضارية ودورها الريادي في الإسهام في خير الإنسانية ورقيها.
دور الاتحاد في ترسيخ الفكر الوسطي:
أدرك الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين منذ نشأته أن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن يكتب له النجاح ما لم يقم على أساس الوسطية والاعتدال بعيدا عن مزالق الغلو والتشدد من جهة، ومهاوي الانحلال والتفريط من جهة أخرى. لذلك جعل من ترسيخ الفكر الوسطي أحد أهم مرتكزاته العلمية والدعوية انطلاقا من إيمانه بأن الإسلام دين التوازن والرحمة والعدل، وأن رسالته الخالدة قائمة على الجمع بين الثبات في المبادئ والمرونة في الوسائل.
وقد بذل الاتحاد جهودا كبيرة في بيان الصورة الحقيقية للإسلام، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي علقت بأذهان بعض الناس، سواء تلك التي نشأت عن سوء الفهم الداخلي أو تلك التي روجتها حملات التشويه الخارجية. ومن خلال مؤتمراته الدولية وندواته العلمية وبياناته الفكرية أسهم في نشر ثقافة الحوار والتفاهم، وتعزيز روح التعايش والتعاون، وترسيخ منهج الاعتدال الذي يجمع بين الالتزام بأحكام الشريعة واستيعاب متغيرات الواقع ومتطلباته.
الاجتهاد الجماعي وخدمة القضايا المعاصرة:
يعد الاجتهاد الجماعي من أبرز الخصائص التي تميز الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومن أهم أدواته في التعامل مع قضايا العصر ومستجداته. فالاتحاد لا ينظر إلى النوازل المعاصرة بوصفها قضايا فردية معزولة، بل يعالجها من خلال تضافر جهود العلماء والخبراء والمتخصصين بما يتيح رؤية أكثر شمولا وعمقا واتزانا.
وقد أسهم هذا المنهج في تقديم معالجات شرعية رصينة للعديد من القضايا المعاصرة في مجالات الاقتصاد الإسلامي، والأسرة، والطب، والتقنيات الحديثة، والعلاقات الدولية، وغيرها من الميادين التي تتطلب اجتهادا واعيا يجمع بين فقه النصوص وفقه الواقع. ومن هنا أصبح الاجتهاد الجماعي أحد الركائز الأساسية لمشروع النهضة الإسلامية، لما يوفره من حلول عملية تستند إلى مقاصد الشريعة وتستجيب في الوقت ذاته لتحديات العصر وإشكالاته المتجددة.
دعم قضايا الأمة والدفاع عن حقوقها:
لم يقتصر دور الاتحاد على الجانب العلمي والفكري، بل امتد ليكون صوتا معبرا عن آمال الأمة وآلامها، وحاضرا في مختلف القضايا التي تمس حاضر المسلمين ومستقبلهم. فقد وقف إلى جانب الشعوب المظلومة، ودافع عن الحقوق المشروعة، ودعا إلى الحرية والكرامة والعدالة انطلاقا من مسؤوليته الشرعية والأخلاقية تجاه قضايا الأمة الكبرى. وأسهم هذا الحضور الفاعل في تعزيز مكانة الاتحاد في الوجدان الإسلامي المعاصر بوصفه مؤسسة علمية تحمل هموم المسلمين، وتسعى إلى توجيه طاقاتهم نحو البناء والإصلاح والتنمية بعيدا عن الصراعات العبثية والانقسامات المدمرة.
بناء الوعي الحضاري:
يعد بناء الوعي الحضاري من أهم المجالات التي أولى لها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عناية خاصة إيمانا منه بأن النهضة لا تتحقق بالشعارات المجردة ولا بالأماني الحالمة، وإنما تتحقق بوعي عميق بالهوية والرسالة والتاريخ والواقع. فالأمم التي تدرك ذاتها وتستوعب رسالتها الحضارية هي الأقدر على صناعة مستقبلها وتجاوز أزماتها. ومن هذا المنطلق عمل الاتحاد على نشر الثقافة الإسلامية الرصينة، وتشجيع البحث العلمي، ورعاية الحوار الفكري، وتعزيز التواصل بين العلماء والمفكرين والمؤسسات العلمية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. كما سعى إلى إبراز عالمية الإسلام ورسالته الإنسانية، وإظهار قدرته على الإسهام في معالجة المشكلات الحضارية المعاصرة مؤكدا أن الأمة الإسلامية تملك من المقومات الروحية والفكرية ما يؤهلها للمشاركة الفاعلة في بناء مستقبل أكثر عدلا وتوازنا للإنسانية جمعاء.
لقد أسهم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إسهاما بارزا في مشروع النهضة الإسلامية المعاصرة من خلال نشر الفكر الوسطي، وتعزيز الاجتهاد الجماعي، وخدمة قضايا الأمة، وبناء الوعي الحضاري. ومع تعاظم التحديات التي تواجه العالم الإسلامي، تبقى الحاجة ماسة إلى مؤسسات علمية رائدة تجمع بين أصالة المرجعية وروح التجديد، وتسهم في توجيه الأمة نحو النهوض واستعادة دورها الحضاري.
المراجع:
- الدكتور يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف.
- الدكتور يوسف القرضاوي، فقه الأولويات: دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة.
- الدكتور يوسف القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام.
- الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.
- الدكتور علي محيي الدين القره داغي، بحوث في فقه المعاملات المالية المعاصرة.
- موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
