لعبادة الصوم آثار في تهذيب الأخلاق وحمل النفس على المكارم، وله عمله الأساس في تربية الإرادة الإنسانية، والضمير الحي اليقظ الذي يتعامل على أساس من رقابة الله تعالى له واطلاعه عليه.
ففي الصوم تقوية للإرادة، وتربية على الصبر، فالصائم يجوع وأمامه شهي الغذاء، ويعطش وبين يديه بارد الماء، ويعف وبجانبه زوجته، لا رقيب عليه في ذلك إلاّ ربه، ولا سلطان إلاّ ضميره، ولا يسنده إلاّ إرادته القوية الواعية، يتكرر ذلك نحو خمس عشرة ساعة أو أكثر في كل يوم، وتسعة وعشرين يوما أو ثلاثين في كل عام، فأي مدرسة تقوم بتربية الإرادة الإنسانية وتعليم الصبر الجميل، كمدرسة الصيام التي يفتحها الإسلام إجباريا للمسلمين في رمضان، وتطوعا في غير رمضان؟!
فالمقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به عافية حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وثورتها، وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه وتلجم بلجامه فهو لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار والمقربين(1).
لقد كتب عالم نفساني ألماني بحثا عن تقوية الإرادة اثبت فيه أن أعظم وسيلة لذلك هي الصوم، أما الإسلام فقد سبق علماء النفس كما سبق من قبل أطباء الجسم، وحسبك أن تسمع نداء الرسول صلى الله عليه وسلم للشباب: (يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فانه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء))2).
ففي الصيام ضبط للنفس وإطفاء لشهواتها فإنها إذا شبعت تمردت وسعت وراء شهواتها وإذا جاعت خضعت وامتنعت عما تهوى، وأنه يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العنت والفاحشة فكان الصوم ذريعة إلى كف النفس عن المعاصي.
ولان رمضان يعلم الصبر نسبه الرسول صلى الله عليه وسلم إليه فقال: (صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، يذهبن وحر الصدر)(3) وروي عنه في حديث آخر: (لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم، والصوم نصف الصبر)(4).
والصوم ضبط للنفس والتعود على جميل الأخلاق، فعن أَبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصّائم أَطيب عند اللهِ تعالى من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أَجلِي الصيَام لي وَأَنا أَجزي بِهِ والحسنة بعَشر أَمثَالهَا)(5).
إن الصيام وسيلة إلى إصلاح النفوس وتهذيبها إنه يربي في الإنسان فضيلة الصدق والوفاء والإخلاص والأمانة والصبر عند الشدائد لأن النفس إذا انقادت للامتناع عن الحلال من الغذاء الذي لا غنى لها عنه طلبا لمرضاة الله وخوفا من أليم عذابه فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام الغنية عنه فلا يكذب الصائم ولا يغدر ولا ينقض عهدا ولا يخلف وعدا ولا يكون مرائيا ولا خائنا فكان الصوم سببا في اتقاء المحارم وقوة العزيمة والتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل وإلى هذا كله أشار تعالى بقوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183).
وفي معنى (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) قيل بالمحافظة عليها أي بامتثال أمر الله تتقون عقابه ، وقيل : تتقون المعاصي بسبب هذه العبادة لأنها تكسر الشهوة وتضعف دواعي المعاصي)(6)، والمعنى الثاني هو الأقوى والأشمل ففيه بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع فهو في قوة المفعول لأجله لكتب، و(لعل) إما استعارة لمعنى كي استعارة تبعية ، وإما تمثيلية بتشبيه شأن الله في إرادته من تشريع الصوم التقوى بحال المترجي من غيره فعلا ما، والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، لأن المعاصي قسمان: قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصب ، فتركه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير ، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب والشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر فجعل الصيام وسيلة لاتقائها)(7).
فينبغي للصائم أن يصونه مما يفسده وينقص ثوابه (فلا يرفث) أَي الصّائم، والمراد بالرفث هنا الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا وعلى الجماع وعلى مقدماته وعلى ذكره مع النساء أو مطلقاً، ويحتمل أَن يكون لما هو أَعم منها. (وَلا يجهَل) أَي لا يفعَل شيئاً من أَفعال أَهل الجهل كالصيَاح والسفه ونحو ذلك. ولسعيد بن منصور من طريق سهَيل بن أَبي صالح عن أَبيه (فلا يرفث وَلا يجادل) قال القرطبي: (لا يفهَم من هذا أَن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أَن المنع من ذلك يتأكد بالصوم).
وفائدة قوله: (إِنِّي صَائِم) أَنه يمكن أَن يَكف عنه بذلك، فإن أَصر دفعه بالأخف فالأخف كالصائل، هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله: (قاتله) شاتمه فالمراد من الحَديث أَنه لا يعامله بمثل عَمَله، بَل يقتصر على قوله إني صائم(8).
وفي رواية أخرى عَن أَبي هريرة رضي الله عنه قال أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ: (إِذا أصبح أَحدكم يوما صائماً فلا يرفث وَلا يجهل فإِن امرؤ شاتمَه أو قاتله فليَقل إِني صَائم إِني صائم)(9).
يقول الإمام النووي: الحديث فيه نهي الصَّائم عن الرفث، وهو السّخف وفاحش الكلام، والجهل قريب من الرفث، وهوَ خلاف الحكمة وخلاف الصَّوَاب، من القول وَالفعل. وقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن امرُؤ شاتمه أو قاتله) معناه شتمه متعرضا لمشاتمته، ومعنى قاتله: نازعه ودافعه.
وَقوله صلى الله عليه وسلم: (فليقل: إني صائم. إنِي صائم) هكذا هو مرتين، واختلفوا في معناه، فقيل: يقوله بلسانه جهراً يسمعه الشاِتم والمقاتل فينزجر غالباً، وقيل: لا يقوله بلسانه، بل يحدث بهِ نفسه، ليمنعها من مشاتمته ومقاتلته ومقابلته ويحرص صومَه عن المكدِرات، ولو جمع بين الأَمرين كان حسناً.
وَاعلم أَن نهيَ الصّائم عن الرفث والجهل والمخاصمة والمشاتمة ليسَ مختصاً به، بل كل أَحد مثله في أَصل النهي عن ذلك لكن الصائم آكد. والله أعلم(10).
والصوم يدعو إلى شكر النعمة إذ هو كف للنفس عن الطعام والشراب ومباشرة النساء وكل هذا من جلائل نعم الله عز وجل على خلقه والامتناع عن هذه النعم من أول اليوم إلى آخره يعرف الإنسان قدرها إذ لا يعرف فضل النعمة إلا بعد فقدها فيعينه ذلك على القيام بشكرها، وشكر النعمة واجب وإلى هذا أشار جل وعلا بقوله: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). (البقرة: 185).
عَن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل بهِ والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)(11)، وفي رواية: (من لم يدع الخنا والكذب)(12).
فهذه النصوص توضح لنا مدى اهتمام الإسلام بتهذيب النفس المؤمنة وتخليصها من أدرانها، خلال قيامها بالشعائر التعبدية، ومن ثم توجيه السلوك ضمن هذه القيم. والمراد بقول الزور: الكذب، والجهل: السّفه، والعمل بِهِ أَي بمقتضاه.
(فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) قال ابن بطال: ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه. وأَما قوله: (فليس لله حاجة) فلا مفهومَ له، فإنَ اللهَ لا يحتاج إلى شيء وإِنما معناه فليس لله إرادة في صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة(13).
قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الشراب والطعام. فإذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.
والصيام يبعث في الإنسان فضيلة الرحمة بالفقراء والعطف على البائسين فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات تذكر الفقير الجائع في كل الأوقات فيسارع إلى رحمته والإحسان إليه، كما أنه يعود على البدن بالصحة ويكون سببا في شفاء كثير من الأمراض إذ فيه راحة للمعدة من عناء الهضم وتخليص للجسم من فضلاته الضارة.
كما أن الصيام ينمي في المسلم أو المسلمة أعظم أخلاق الإسلام وهو الحياء لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن للكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء)(14)، والصيام من العبادات الخاصة التي لا يطلع عليها إلاّ الله تعالى فبوسع أي إنسان أن يخلو بنفسه فيفعل ما يشاء، فهو يشعر بالجوع وبين يديه شهي الطعام، ويشعر بالعطش وبين يديه أعذب الماء، ولكن المسلم يمنعه من ذلك ما يملك في ضميره الوازع الديني وشعوره بمراقبة الله عليه فيستحي من الله حق الحياء، فإذا ما صار الحياء له خلقا فلن يأتي إلاّ بكل خير.
وهذا هو الصيام لم يشرعه الله تعالى تعذيبا للبشر ولا انتقاما منهم وإنما شرعه إيقاظا لأرواحهم وتصحيحا لأجسامهم وتقوية لإرادتهم وتعويدا لهم على الصبر وتعريفا لهم بالنعمة وتربية لمشاعر الرحمة فيهم وتدريبا لهم على كمال التسليم لله رب العالمين.
الهوامش
(1) انظر : زاد المعاد في هدي خير العباد ص 201 باختصار يسير
(2) رواه البخاري (1905) في الصوم، ومسلم (1400) في النكاح.
(3) رواه الإمام أحمد، رقم (23120)، وابن أبى شيبة، رقم (36635)، والبيهقى، رقم (3858).
(4) رواه ابن ماجة: 1/555، رقم (1745) بَاب فِي الصَّوْمِ زَكَاةُ الْجَسَدِ، والبيهقى في شعب الإيمان: 3/292.
(5) رواه البخاري في الصوم باب فضل الصوم (1894)، ومسلم في الصيام (1151) وغيرهما.
(6) انظر: القولين في فتح القدير للشوكاني ج1 ص197.
(7) التحرير والتنوير لابن عاشور ج2 ص 158 .
(8) الفتح (4/125) باختصار.
(9) رواه مسلم في الصيام باب حفظ اللسان للصائم (1151).
(10) شرح صحيح مسلم: 8/29.
(11) رواه أحمد (8529)، والبخاري في الأدب (6057)، وابن ماجة في الصيام (1679).
(12) رواه الطبراني في الصغير: 1/287 رقم (472) باب من اسمه سعيد.
(13) فتح الباري: 4/140.
(14) رواه الإمام مالك (1743)، وابن ماجة: (4171) باب الحياء.
