بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
من رحمة الله جل وعلا بعباده أن جعل لهم أياما وأوقاتا يُضاعف لهم الأجر والثواب، ويدعوهم فيها إلى الاستكثار من عمل الخيرات والصالحات ليغفر لهم الذنوب ويكفر عنهم السيئات، ومن تلك الأيام يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر محرم الحرام، وقد ارتبط في الذاكرة الإسلامية بفضيلة هي الصوم، ونجاة هي نجاة أكرم الله بها نبيه موسى عليه السلام، وشهادة نالها سبط الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم الحسين رضوان الله عليه، شهادة كانت مسك ختام لمسيرة حافلة بمقاومة الظلم والظالمين.
1.الصيام والمعنى الإيماني في عاشوراء
إن الأصل في صيام عاشوراء أحاديث صحيحة رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
- منها ما رواه أبو قتادة رضي اللَّه عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” صيام يوم عاشوراء، أحتسب على اللَّه أن يكفر السنة التي قبله” [1].
- ما روي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه سئل عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال: ” ما علمت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صام يوماً يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهراً إلا هذا الشهر – يعني رمضان ” ، وفي لفظ: ” ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم: يوم عاشوراء[2].”
وقد أشكل على الكثيرين ترتيب تكفير الذنوب جميعِها على صيامه، إذ رأوا في الأمر توسُّعا يؤدي إلى الاغترار والاتكال، وهو ما تنبه له العلماء الراسخون، ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله: ” وتكفير الطهارة والصلاة وصيام رمضان وعرفة وعاشوراء للصغائر فقط” [3]، ويؤيده ما ورد في “صحيح مسلم” عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: ” الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر”[4].
ومثلما تم التحذير من آفة الاغترار ، وقع التحذير من آفة أخرى تُضعف المقاصد التربوية للصيام، وهي “سلطان العادة” أي عندما تختلط العبادة بالعادات الاجتماعية حتى تكاد تطغى عليها، والمعروف هو أنه كلما تضخمت المظاهر على حساب المقاصد ضعفت التربية وانطوت الرسالة، ويمكن للأسرة، مثلاً، أن تجعل يوم عاشوراء فرصة هادئة لتعليم الأطفال معنى الصيام الحقيقي الذي يربي النفس على الصبر، ويعوّدها مجاهدة الشهوة، ويربط المسلم بمعنى النجاة الإلهية ونصرة الحق.، ومن هنا يتحول اليوم من ذكرى خارجية إلى تزكية داخلية. .
2. عاشوراء وسبل النجاة من الحاكم المتأله
لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد عادة صيام عاشوراء راسخة في التقليد الديني اليهودي، فرغب في أن يعرف السبب، عن عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ” قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، نجّى اللَّه فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه، فقال: أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه”، وفي رواية: ” فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه” ، وفي رواية أخرى: ” فنحن نصومه تعظيماً له” [5]، فظهر بذلك أن الصحبة النافعة تُبنى على الاستحقاق لا على الادعاء، لذلك كان سيدنا محمد أحق بموسى منهم، إذ جسد قيمه ونهجه وكمَّله وجمَّله، أما هم (بنو إسرائيل) لم يؤدوا حقوق صحبة موسى، وذكر القرآن الكريم كبير معاناته عليه السلام معهم، والعنت الذي لقيه منهم تحقيرا واستهزاء، وعصيانا وانحرافا، وتكبرا وعنادا، وحذر المسلمين من أي يحذوا حذوهم (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى).
لقد خلد يوم عاشوراء مقاومة الاستبداد وتأله الحاكم ، وفيه نجى الله موسى عليه السلام من فرعون، فماذا نستفيد من الذكرى لحاضرنا ومستقبلنا:
1. إن فرعون لم يكن مجرد حاكم ظالم؛ بل كان نموذجاً للحاكم الذي يجعل نفسه مصدر الحقيقة والقانون ، إذ قال كما حكى عنه الباري جل وعلا (أنا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) ، فكان فرعون يطلب من الناس أن يلغوا ضمائرهم باسم الطاعة، وكل جماعة أو مؤسسة أو زعامة تطلب في حاضرنا مثل تلك الطاعة فإنها تسير في طريق فرعوني ولو رفعت شعارات دينية أو وطنية، ولا يجوز للمسلم أن يطيعها فإنما الطاعة في المعروف.
2. لقد كان موسى عليه السلام مع المستضعفين في مقابل دولة فرعونية تملك الجيش والمال والدعاية، فواجهها وحيدا لأن الحق لا يُقاس بعدد أتباعه، ولأن الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك.
3. لقد نجا جسد موسى ونجت رسالته كذلك، وغرق فرعون وغرق معه نهجه، فالله ينصر المستضعفين إذا أخذوا بأسباب الإيمان والصبر والتحرر من العبودية.
4. إن مقاومة الاستبداد تحتاج إيماناً ووعياً لا مجرد غضب.، فمن موسى عليه السلام نتعلم الصبر الطويل، وبناء الوعي في بني إسرائيل، ومواجهة الطاغية بالحجة قبل المواجهة النهائية، والثقة في وعد الله عند لحظة الخوف : (كلا إن معي ربي سيهديني).
5أن أخطر ما يصنع الاستبداد هو جمهور الخوف.، ففرعون لم يكن وحده؛ بل كان معه ملأ وجنود وسحرة ودعاية وجمهور خائف أو مستفيد ، ففرعون (استخف قومه فأطاعوه) بعد أن (جعل أهلها شيعا)، ولا رجاء في حكم إسلامي راشد إذا لم يتم تحرير مفهوم الطاعة، . فالطاعة في الإسلام ليست عبودية عمياء، بل طاعة في المعروف، مقيدة بالعدل، ومشروطة بعدم معصية الله.
3. عاشوراء واستشهاد الحسين وكربلاء.
مما تكاد تجمع عليه المصادر التاريخية للسنة والشيعة استشهاد الحسين رضوان الله عليه في العاشر من محرم بالعراق، مما يمثل ثابتا تاريخيا لم يعد مجرد واقعة سياسية عابرة في القرن الأول الهجري، بل صار جرحاً عميقاً في الذاكرة الإسلامية، يكشف خطورة تحول الحكم من أمانة وعدل وشورى إلى تغلب وقهر وغلبة وتصفية لصوت الاعتراض السياسي، كما صار صفحة مشرقة في تاريخ مقاومة الظلم والاستبداد.
وكما تمت الإحالة على أحاديث نبوية في فضيلة صيام يوم عاشوراء، وفي التذكير بنعمة الله يوم نجى موسى وفرعون، كذلك سيقت أحاديث أخرى أنبأت باستشهاد الحسين رضوان الله عليه، لا سيما في صحيح ابن حبان ومسند الإمام أحمد، ونكتفي بذكر رواية ابن حبان.
- روى ابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: استأذن مَلَكُ القَطْرِ ربه أن يزور النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له، فكان في يوم أم سلمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “احْفَظِي علينا البابَ لا يَدْخُلُ علينا أحَدٌ”، فبينا هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي، رضي الله عنهما، فظفر فاقتحم ففتح الباب فدخل فجعل يتوثب على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل النبي يتلثَّمه ويقبِّله، فقال له المَلَك: أتحبه؟ قال: “نعم”، قال: أما إن أمتك ستقتله، إن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، قال: “نعم”. فقبض قبضة من المكان الذي يقتل فيه فأراه إياه فجاءه بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها، قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء[6]، وهذا صححه ابن حبان، وقال عنه الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث حسن.
واختلف المسلمون حول الموقف من مقتل الحسين، وقسم ابن تيمية المختلفين إلى ثلاثة أصناف فقال “وصار الناس في قتل الحسين – رضي الله عنه- ثلاثة أصناف: طرفين ووسطا، أحد الطرفين يقول: إنه مات بحق، فإنه أراد أن يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم، والطرف الآخر قالوا: بل كان هو الإمام الحق طاعته، الذي لا ينعقد أمر من أمور الإيمان إلا به (…) وأما الوسط فهم أهل السنة الذين لا يقولون هذا ولا هذا، بل يقولون: قتل مظلوما شهيدا “[7].
أقر الجمهور والسواد الأعظم من المسلمين للحسين بالمظلومية والشهادة في سبيل الله والمستضعفين لنصرة الحق ومواجهة الظالمين والمستبدين، وهذا هو الجانب المشرق والمضيء من عاشوراء، لكن ذلك الجانب المشرق أستحال إلى ظلام دامس من يوم أن تحول الحزن على مقتله رضي الله عنه إلى خطاب كراهية وسب وفتنة، أو تحميل للأجيال اللاحقة أوزار صراعات تاريخية لم يشاركوا فيها، وانتشر التزييف والتحريف، واختلاق الروايات والوقائع الخيالية، ولقد قام العلامة الإيراني الشهيد مرتضى المطهري بجهد عظيم في الكشف عن التحريفات التي لحقت بواقعة كربلاء في كتابه الرائع الماتع “الملحمة الحسينية” وألقى فيه باللائمة في ترسيخ التحريف على “الأنصار والمحبين” أي الشيعة أنفسِهم فقال:” إننا وللأسف الشديد قد حرفنا حادثة عاشوراء ألف مرة ومرة أثناء عرضنا لها ونقل وقائعها، حرفناها لفظيا أي في الشكل والظاهر أثناء عرض الحادثة، مقدمات الحادثة، متن الحادثة، والحواشي المتعلقة بالحادثة، كما تناول التحريف تفسير الحادثة وتحليلها، أي أن الحادثة مع الأسف قد تعرضت للتحريف اللفظي، كما تعرضت للتحريف المعنوي”[8]، ولذلك حذر الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله “من أن تتحول الذكرى ومؤسسة المأثم الحسيني إلى إطار ضيق للتمذهب والتمايز العصبوي”[9]، وأشار إلى وجود بعض الممارسات التي “تحول كربلاء من ثورة إسلامية وإنسانية إلى حركة شيعية بالمعنى الضيق”[10]، ويقرر “أن الحسين لم يثر من أجل مشروع شخصي أو علوي عائلي، أو هاشمي عشائري، أو قرشي قبلي، أو حجازي وطني، أو قومي عربي، إن الحسين ثار من أجل مشروع إسلامي وإنساني”[11].
ولذلك أيضا، يتحتم على الإخوة المسلمين الشيعة أن يعيدوا النظر في الطريقة التي يخلدون بها ذكرى كربلاء بما لا يؤدي إلى تنزيف الجروح واشتقاق سلوك الأجيال من أكدار المأساة، والعض بالنواجد على المشترك الإسلامي وهو محبة آل البيت فهو أصل وجداني مشروع عند المسلمين جميعهم رعاية لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرهان صدق على محبته وطاعته، وهذا ما يمثل أكثر الجوانب المشرقة في عاشوراء بضميمة جوانب أخرى منها:
– ارتبط يوم عاشوراء في السنة النبوية بنجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون، ولذلك صامه النبي صلى الله عليه وسلم شكراً لله، وفي هذا المعنى تذكير بأن الاستبداد لا يدوم، وأن الله ينصر المستضعفين إذا أخذوا بأسباب الإيمان والصبر والثبات.
– عاشوراء يوم عبادة لا يوم عادة فقط، وهذا يجعل المناسبة محطة تربوية للتوبة، ومراجعة النفس، وتجديد الصلة بالله، لا مجرد يوم للطعام أو الاحتفال أو العادات الموروثة..
– في عاشوراء أيضاً درس في مقاومة الظلم، فاجتماع قصة موسى مع فرعون، ومأساة كربلاء في الذاكرة الإسلامية، يجعل اليوم واضح الدلالة في قضية العدل والاستبداد، فليس لفرعون قداسة، ولا لطاغية شرعية، ولا يجوز أن يتحول دين الله إلى غطاء للقهر.
وفي عاشوراء جوانب مظلمة تتمثل:
- أولاً في مأساة كربلاء، وهي من أظلم ما ارتبط بهذا اليوم في الذاكرة الإسلامية، فقد قُتل الحسين بن علي رضي الله عنهما سنة 61 للهجرة، وكشف دمه مبكراً خطورة تحول الحكم من أمانة وعدل وشورى إلى تغلب وقهر ، ومن هنا ليست كربلاء مجرد حادثة تاريخية، بل جرح أخلاقي وسياسي في ضمير الأمة
- ثانيا: تحويل عاشوراء إلى فتنة مذهبية، فبعض الخطابات تستعمل ذكرى الحسين لإحياء الأحقاد بين السنة والشيعة، فإذا تحولت الذكرى إلى سب ولعن وتكفير وتحريض فقدت معناها الأخلاقي وصارت أداة تمزيق للأمة، والتوازن المطلوب أن نحب الحسين وآل البيت، ونرفض قتله، ونبغض الظلم الذي وقع عليه، من غير أن نحمل الأجيال المسلمة اليوم أوزار صراعات تاريخية على وجه الانتقام والتحريض.
- ثالثا: في الغلو في الحزن أو الفرح، فلا يثبت شرعاً اتخاذ عاشوراء مأتماً تعبدياً دائماً، ولا عيداً خاصاً للفرح والزينة على وجه التعبد، والغلو يأتي من جهتين: من يجعل اليوم طقساً للحزن المؤبد واللطم وإيذاء الجسد، ومن يجعله مناسبة للفرح المبالغ فيه كأن مأساة الحسين لا تعنيه، والموقف الأقوم هو الصيام، والتذكر، والشكر، والاتعاظ، ومحبة آل البيت، ورفض الظلم، بلا غلو ولا جفاء..
خاتمة
لقد دل ما سُطِّر وذُكِر على أن عاشوراء ترتبط بثلاث ثوابت: ثابت تعبدي صوما وذكرا وشكرا، وثابت تاريخي تذكرا واعتبارا، واتعاظا واستبصارا، واقتداء واتساء بالعظماء من أنبياء الله وأوليائه الذين قاموا الظلم ونصروا المظلومين، وثابت أخلاقي صبرا ومصابرة، وتضحية وفداء ووفاء، وقياما بحق الصحبة والمحبة للصحب والآل، وإن طريقة تمثيل هذه الثوابت في الواقع وبحسب السياق هو ما يدخل في دائرة المتغيرات التي تحتاج إلى تقويم شرعي وتربوي لا إلى رفض شامل أو قبول مطلق، وتحتاج إلى إدراك الجوانب المشرقة في عاشوراء والجوانب المظلمة، فنور النبوة يظهر في صيام النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، وفي شكر الله على نجاة نبي الله موسى، وفي تربية الأمة على مقاومة الطغيان، وفي تكفير الذنوب والسيئات، وتجديد المحبة الصادقة لآل بيت رسول الله، أما الظلمة فتظهر في قتل الحسين سبط رسول الله، واستغلال المأساة لإشعال الفتن، والتمكين للغلو والخرافة، وتحويل العبادة إلى عادة، وتحويل الذاكرة إلى حقد مذهبي.
[1] أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد والبيهقي.
[2] أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد وابن خزيمة والبيهقي في “شعب الإيمان” وفي “السنن الكبرى” والطبراني
[3] ابن تيمية، الفتاوى الكبرى (4/428).
[4] مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1/209
[5] أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه والبيهقي .
[6] ابن حبان، المسند الصحيح، تحقيق: محمد علي سونمر وخالص آي دمير، دار ابن حزم، بيروت، ط1، 2012، 6/51
[7] ابن تيمية،
[8] مرتضى المطهري، الملحمة الحسينية، تعريب: محمد صادق الحسيني، بيروت، الدار الإسلامية، ط.2. 1992 م.
1/ 162.
[9] محمد مهدي شمس الدين، الروح الحسينية وحماية السلم الأهلي في لبنان”، مجلة الغدير، عدد 25- 26، صيف 1994، ص: 14.
[10] المصدر نفسه
[11] المصدر نفسه
