تعد قضية الأقليات المسلمة من أبرز القضايا التي تواجه الأمة الإسلامية في العصر الحديث في ظل ما يتعرض له ملايين المسلمين حول العالم من تحديات تمس هويتهم الدينية، وحقوقهم الأساسية، وحريتهم في ممارسة شعائرهم فضلا عن مظاهر التمييز والاضطهاد التي تعانيها بعض الأقليات.
وفي مواجهة هذه التحديات برز الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بوصفه مرجعية علمية عالمية جعلت من الدفاع عن الأقليات المسلمة أحد محاور رسالتها، منطلقا من مسؤوليتها الشرعية والإنسانية، وساعيا إلى الجمع بين التأصيل الفقهي، والدفاع الحقوقي، والعمل الإنساني، حفاظا على هوية المسلمين وصونا لكرامتهم حيثما كانوا.
الأقليات المسلمة مسؤولية شرعية وأمانة أخلاقية:
ينطلق الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في اهتمامه بالأقليات المسلمة من أصل شرعي راسخ يتمثل في وحدة الأمة الإسلامية، التي تتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات العرقية واللغوية، مصداقا لقوله تعالى: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾. كما يستند إلى ما قررته الشريعة من وجوب نصرة المظلوم، وإغاثة المكروب، والدفاع عن الحقوق، وإقامة العدل بين الناس، وهي مبادئ لا تعرف حدودا سياسية، ولا تقف عند اعتبارات الجنسية أو الانتماء الإقليمي.
ومن هذا المنظور، لا يتعامل الاتحاد مع الأقليات المسلمة بوصفها جماعات متفرقة تعيش على هامش العالم الإسلامي، بل ينظر إليها باعتبارها امتدادا حيا للأمة، وجزءا أصيلا من بنيانها الحضاري، يستحق الرعاية العلمية، والتأهيل الفكري، والدعم المعنوي، والدفاع الحقوقي حتى تبقى تلك المجتمعات محافظة على هويتها، واثقة بدينها، وقادرة على الإسهام الإيجابي في أوطانها مع التزامها بقيم الإسلام في العدل، والتعايش، والإحسان إلى الناس جميعا.
بناء فقه معاصر للأقليات المسلمة:
ومن أبرز الإسهامات العلمية التي اضطلع بها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عنايته بتأصيل فقه الأقليات المسلمة بوصفه أحد أهم مجالات الاجتهاد الجماعي في العصر الحديث. فقد أدرك الاتحاد أن المسلمين المقيمين في المجتمعات غير الإسلامية يعيشون واقعا مغايرا تفرضه ظروف قانونية واجتماعية وثقافية متباينة، الأمر الذي يستدعي اجتهادا فقهيا رصينا يجمع بين أصالة النصوص الشرعية وفقه الواقع، ويراعي مقاصد الشريعة ومتغيرات العصر دون إخلال بالثوابت أو تفريط في الهوية.
ومن هذا المنطلق، أسهم الاتحاد في معالجة جملة من القضايا التي تمس الحياة اليومية للأقليات المسلمة، وفي مقدمتها أحكام المواطنة والانتماء الوطني، والمشاركة السياسية والمدنية، وسبل المحافظة على الهوية الإسلامية، وقواعد التعايش الإيجابي مع أتباع الديانات والثقافات المختلفة، إضافة إلى قضايا الأسرة، والتربية، والتعليم، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، والتعامل مع الأنظمة والقوانين المحلية في ضوء الضوابط الشرعية ومقاصد الإسلام الكبرى.
ولم يقتصر هذا الجهد على الطرح النظري، بل تجسد في مؤتمرات علمية متخصصة، وندوات فكرية، واجتماعات لمجامع العلماء، أثمرت بحوثا علمية، وقرارات، وفتاوى جماعية، أصبحت مرجعا معتبرا لكثير من المسلمين في الغرب، وأسهمت في ترسيخ منهج فقهي يقوم على الوسطية، ويربط بين ثبات المبادئ ومرونة التطبيق بما يمكن الأقليات المسلمة من الحفاظ على دينها، والاندماج الإيجابي في مجتمعاتها، والإسهام في نهضتها واستقرارها.
الدفاع عن الحقوق والحريات الدينية:
ولم تنحصر رسالة الاتحاد في الإطار الفقهي وحده، بل امتدت إلى ميدان الدفاع عن الحقوق والحريات الدينية للمسلمين في مختلف أنحاء العالم انطلاقا من إيمانه بأن صيانة كرامة الإنسان، وحماية حرية الاعتقاد، واحترام الخصوصية الدينية، مبادئ أصيلة تقرها الشريعة الإسلامية، وتؤكدها المواثيق الدولية. وفي هذا السياق، جعل الاتحاد من الدفاع عن حق المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية، وحماية مساجدهم ومؤسساتهم الإسلامية، وصيانة حقهم في التعليم الديني، واحترام مقدساتهم ورموزهم، ومواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا، والتصدي لخطابات الكراهية والتحريض والتمييز الديني والعنصري جزءا ثابتا من رسالته العلمية والحقوقية.
وقد عبر الاتحاد عن هذه المواقف عبر بياناته ونداءاته ومشاركاته في المحافل العلمية والحقوقية مؤكدا أن هذه الحقوق ليست امتيازات تمنح لفئة دون أخرى، وإنما هي حقوق إنسانية أصيلة، تكفلها الشرائع السماوية، وتقرها القوانين والاتفاقيات الدولية، وأن احترامها يمثل أساسا لبناء مجتمعات يسودها العدل، ويترسخ فيها التعايش، وتصان فيها كرامة الإنسان بصرف النظر عن دينه أو عرقه أو انتمائه.
الحضور في القضايا الإنسانية الكبرى:
لم يكن اهتمام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالأقليات المسلمة مقتصرا على الجانب التأصيلي أو الفقهي، بل تجلى حضوره بوضوح في ميادين العمل الإنساني والدفاع عن المظلومين كلما تعرضت الأقليات المسلمة لانتهاكات تمس حياتها أو حريتها أو كرامتها. فقد واكب الاتحاد كثيرا من الأزمات الإنسانية التي شهدها العالم، فرفع صوته بالحق، وأصدر البيانات والنداءات، ونظم حملات التضامن، ودعا الحكومات، والمنظمات الإقليمية والدولية، والهيئات الإنسانية إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية في وقف الانتهاكات، وحماية المدنيين، وإغاثة المتضررين، وصون الحقوق الأساسية التي كفلتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية.
ولم تكن هذه المواقف وليدة اعتبارات سياسية أو حسابات ظرفية، وإنما انطلقت من رؤية شرعية وإنسانية راسخة ترى أن الدفاع عن المظلوم واجب ديني، وأن كرامة الإنسان مصونة، وأن مقاومة الظلم والعدوان مسؤولية أخلاقية لا تتغير بتغير الأعراق أو الأوطان أو الانتماءات. ومن ثم، ظل الاتحاد يؤكد في مختلف مواقفه أن العدالة قيمة عالمية، وأن نصرة المقهورين واجب تمليه مبادئ الإسلام قبل أن تفرضه القوانين الدولية.
التواصل مع المؤسسات الدولية:
وإيمانا منه بأن الدفاع عن حقوق الأقليات المسلمة يتطلب حضورا فاعلا في الساحات الدولية، حرص الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على مد جسور التواصل مع المنظمات الدولية والحقوقية، والمشاركة في المؤتمرات والمنتديات الفكرية والحقوقية سعيا إلى إيصال صوت الأقليات المسلمة إلى دوائر صناعة القرار، والتعريف بما تتعرض له من تحديات وانتهاكات، والدعوة إلى ترسيخ مبادئ الحرية الدينية، والعدالة، والمساواة، واحترام الكرامة الإنسانية.
وقد أسهم هذا الحضور في إبراز قضايا العديد من الأقليات المسلمة التي ظلت لسنوات بعيدة عن دائرة الاهتمام الإعلامي والدولي كما ساعد على تعزيز الوعي العالمي بمعاناتها، وحشد مزيد من التأييد لحقوقها المشروعة. وفي الوقت نفسه سعى الاتحاد إلى ترسيخ خطاب يقوم على الحوار والتفاهم والتعاون مع مختلف المؤسسات الدولية انطلاقا من قناعته بأن حماية الحقوق والحريات مسؤولية إنسانية مشتركة، وأن بناء عالم أكثر عدلا وأمنا لا يتحقق إلا بتضافر الجهود، واحترام كرامة الإنسان، وصيانة حقوقه الأساسية دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الثقافة.
تعزيز الهوية وبناء الإنسان:
ومن أبرز ملامح رسالة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إدراكه أن حماية الأقليات المسلمة لا تتحقق بمجرد إصدار البيانات أو الدفاع عن الحقوق في المحافل الدولية، وإنما تبدأ من بناء الإنسان المسلم نفسه علما، وإيمانا، وخلقا، ووعيا. فالمجتمع الذي يمتلك أبناء راسخي العقيدة، راسخي العلم، معتزين بهويتهم أقدر على مواجهة تحديات الاندماج، وأكثر قدرة على المحافظة على خصوصيته الدينية والثقافية دون انغلاق أو انعزال.
وانطلاقا من هذه الرؤية، أولى الاتحاد عناية خاصة بالجانب التربوي والثقافي مؤمنا بأن بناء الإنسان هو الأساس الذي تبنى عليه المجتمعات، وأن الاستثمار في التربية والتعليم هو الضمان الحقيقي لاستمرار الهوية الإسلامية عبر الأجيال. ولذلك دعا إلى إنشاء المؤسسات التعليمية، وتعزيز دور المدارس والمراكز الإسلامية، وتأهيل الدعاة والعلماء، وإعداد القيادات الشابة القادرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة مع إيلاء الأسرة والمرأة والطفل عناية خاصة، لما لهم من دور محوري في حفظ الهوية وترسيخ القيم الإسلامية.
كما يؤكد الاتحاد أهمية بناء جسور التواصل الإيجابي مع المجتمعات التي تعيش فيها الأقليات المسلمة، وتشجيعها على المشاركة الفاعلة في خدمة أوطانها، والإسهام في نهضتها، والالتزام بالقوانين العامة التي لا تتعارض مع ثوابت الدين بما يعزز صورة الإسلام بوصفه دينا يدعو إلى التعاون على الخير، والإحسان إلى الناس، واحترام التنوع الإنساني دون تفريط في العقيدة أو ذوبان في الآخر.
أكد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عبر مسيرته العلمية والدعوية أن الدفاع عن الأقليات المسلمة رسالة شرعية وحضارية تقوم على التأصيل الفقهي، والدفاع عن الحقوق، والعمل الإنساني.
ومع استمرار التحديات التي تواجه الأقليات المسلمة، تزداد أهمية هذا الدور في حماية الهوية الإسلامية، وصيانة الحقوق، وترسيخ قيم العدل والرحمة والتعايش بما يعزز رسالة الاتحاد بوصفه مرجعية علمية عالمية تخدم قضايا الأمة أينما كان أبناؤها.
مراجع الكتب:
- الدكتور يوسف القرضاوي، في فقه الأقليات المسلمة.
- الشيخ عبد الله بن بيه، صناعة الفتوى وفقه الأقليات.
- الشيخ أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات.
- الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية.
- الموقع الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
