آخر الأخبار

السيادة العلمية الإفريقية وإنهاء التبعية التعليمية

شارك المقال على:

لماذا حان الوقت ليتوقف الأفارقة عن السفر لتعلم الدين واللغة العربية؟

من حق الأمم أن تتساءل بعد عقود طويلة من الاستثمار في التعليم: ماذا حققنا؟ وما الذي يجب أن يتغير؟ وما الذي يجب أن يستمر؟

وهذا السؤال أصبح اليوم أكثر إلحاحاً في إفريقيا فيما يتعلق بملف تعليم العلوم الشرعية واللغة العربية.

فمنذ أكثر من قرن، بل منذ قرون في بعض المناطق، ظل عشرات الآلاف من الطلاب الأفارقة يشدون الرحال إلى الدول العربية والإسلامية من أجل تعلم الدين واللغة العربية. وقد كان هذا الخيار في زمانه مبرراً ومفهوماً، لأن إفريقيا لم تكن تمتلك العدد الكافي من المؤسسات العلمية ولا من الكفاءات المؤهلة لتولي هذه المهمة.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بشجاعة اليوم هو: هل ما زلنا نعيش الظروف نفسها؟ وهل من المنطقي أن تستمر السياسات التعليمية الإفريقية وكأن شيئاً لم يتغير خلال مائة عام؟

الجواب الواضح هو: لا.

إن استمرار هذا النموذج بالشكل نفسه لم يعد يعبر عن حاجة علمية بقدر ما يعكس نوعاً من التبعية التعليمية التي لم يجرؤ كثيرون على مراجعتها بعمق.

أزمة الثقة في الذات الإفريقية

المشكلة الحقيقية ليست في نقص العلماء الأفارقة، بل في ضعف الثقة في العلماء الأفارقة.

ففي معظم الدول الإفريقية يوجد اليوم آلاف الحاصلين على درجات الدكتوراه في الشريعة واللغة العربية والعلوم الإسلامية. ويوجد مئات المعاهد والكليات والجامعات الإسلامية التي يديرها أفارقة ويُدرّس فيها أفارقة.

ومع ذلك ما زالت العقلية السائدة لدى بعض المؤسسات تعتبر أن الجودة العلمية لا تتحقق إلا إذا جاءت من الخارج.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:

إذا كان العلماء الأفارقة الذين عادوا من الجامعات العربية غير مؤهلين لتعليم أبناء إفريقيا، فلماذا أُرسِلوا أصلاً؟

وإذا كانوا مؤهلين بالفعل، فلماذا تستمر الحاجة إلى إرسال الأعداد نفسها جيلاً بعد جيل؟

إن هذا التناقض يكشف أن المشكلة لم تعد علمية، بل أصبحت نفسية ومؤسسية وحضارية.

لا نهضة لأمة تعتمد على الخارج في تكوين نخبتها الدينية

من أخطر مظاهر التبعية أن تبقى الأمة غير قادرة على إنتاج معلميها ومفكريها وقادتها الدينيين بنفسها.

إن الدول التي تحترم نفسها لا تستورد بصورة دائمة معلمي هويتها وثقافتها وقيمها.

فكما أن أوروبا لا ترسل أبناءها إلى الخارج لتعلم لغاتها الوطنية، وكما أن آسيا لا تعتمد على الخارج لتكوين معلمي ثقافتها، فإن من حق إفريقيا أن تمتلك مؤسساتها المرجعية في تعليم الإسلام واللغة العربية.

إن استمرار الاعتماد المفرط على الخارج في هذا المجال يرسل رسالة سلبية للأجيال الجديدة مفادها أن المعرفة الشرعية الحقيقية لا تُنتج في إفريقيا، وأن العلماء الأفارقة مجرد وسطاء بين المعرفة ومجتمعاتهم.

وهذا تصور خطير يجب تفكيكه ومراجعته.

الأولوية الضائعة

في الوقت الذي تستمر فيه برامج الابتعاث الشرعي واللغوي على نطاق واسع، تواجه إفريقيا نقصاً حاداً في الأطباء والمهندسين والعلماء والخبراء في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والصناعات الحديثة.

إن القارة لا تعاني اليوم من قلة الخطباء بقدر ما تعاني من قلة مراكز الأبحاث.

ولا تعاني من نقص الوعاظ بقدر ما تعاني من نقص العلماء القادرين على تصنيع الدواء وإنتاج التكنولوجيا وإدارة الاقتصاد.

إن السؤال الاستراتيجي الذي يجب أن يُطرح هو:

هل تحتاج إفريقيا في العقد القادم إلى ألف داعية إضافي أم إلى ألف مهندس وخبير في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والطاقات المتجددة؟

إن الجواب لا يحتاج إلى كثير من الجدل.

التعليم الشرعي يجب أن يصبح صناعة إفريقية

لقد آن الأوان للانتقال من استيراد التعليم الشرعي إلى صناعة التعليم الشرعي. ومن استهلاك المعرفة إلى إنتاج المعرفة. ومن التلقي إلى المبادرة. ومن الاعتماد إلى السيادة.

فالقارة الإفريقية ليست فقيرة في العقول، بل فقيرة أحياناً في الثقة بعقولها.

وإذا كانت إفريقيا قادرة على تأسيس جامعات وطنية في الطب والهندسة والاقتصاد، فهي قادرة كذلك على تأسيس جامعات مرجعية عالمية في الشريعة واللغة العربية والدراسات الإسلامية.

بل إن وجود علماء أفارقة يفهمون الواقع الإفريقي ولغاته وثقافاته ومشكلاته يجعلهم في كثير من الأحيان أكثر قدرة على تقديم خطاب ديني متوازن وواقعي من غيرهم.

شراكة لا تبعية

إن الدعوة إلى السيادة العلمية الإفريقية لا تعني الانعزال عن العالم العربي والإسلامي.

فالعلاقات العلمية ستظل ضرورة حضارية واستراتيجية.

لكن الفرق كبير بين الشراكة والتبعية.

الشراكة تعني تبادل الخبرات والمعرفة بين مؤسسات متكافئة.

أما التبعية فتعني بقاء طرف منتجاً دائماً للمعرفة وطرف آخر مستهلكاً دائماً لها.

وما تحتاجه إفريقيا اليوم هو الانتقال من الموقع الثاني إلى الموقع الأول.

نحو مشروع إفريقي جديد

إن المطلوب ليس إغلاق أبواب الابتعاث، وإنما إعادة توجيهها.

ينبغي أن يصبح الأصل في تعليم الدين واللغة العربية داخل إفريقيا، وأن يصبح الابتعاث الخارجي استثناءً للتخصصات الدقيقة والبحوث المتقدمة.

أما الجزء الأكبر من المنح والموارد فيجب أن يُوجَّه نحو الطب والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الحديثة.

فالأمة التي تكتفي بحفظ تراثها دون امتلاك أدوات المستقبل محكومة بالبقاء على هامش التاريخ.

خاتمة

إن أكبر خطر يواجه إفريقيا ليس الفقر المادي، بل استمرار بعض أشكال الفقر الفكري المتمثلة في الاعتقاد بأن الحلول والمعرفة لا تأتي إلا من الخارج.

لقد حان الوقت لكي تعلن إفريقيا ثقتها بعلمائها ومؤسساتها وقدراتها.

وحان الوقت لكي تنتقل من مرحلة الاستفادة من الآخرين إلى مرحلة الإسهام في صناعة المعرفة الإنسانية.

إن السيادة العلمية ليست شعاراً سياسياً، بل شرطاً من شروط النهضة.

وإذا كانت إفريقيا قد نجحت خلال قرن كامل في تكوين آلاف العلماء في الشريعة واللغة العربية، فإن النجاح الحقيقي للقرن القادم هو أن تُعلِّم أبناءها دينهم ولغتهم بنفسها، وأن تُرسلهم إلى العالم لا ليتعلموا ما تملكه بالفعل، بل ليكتسبوا ما تحتاجه لبناء قوتها وتنميتها ومستقبلها.

كوني بمان
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

الصلاة… معراج الروح إلى الله

الصلاة ليست عبادةً تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم فقط، وإنما هي

العقل الصريح كما يريده الوحي: فك الشفرة بين حقيقة المفهوم وضوابط الشريعة

تتردد في التراث الإسلامي قواعد عظيمة شكلت أحد الأصول الكبرى

الاتحاد يعزي في وفاة العلّامة الشيخ سلمان الحسيني الندوي

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً

آخر المقالات

100%