قال الله تعالى في محكم التنزيل:( وإن يريدوا أن يخدعوك فإنّ حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز
حكيم)[الأنفال:62-63].
لقد ألف الله سبحانه وتعالى بين قلوب عباده المؤمنين بالإسلام الدّين الحق، وجعلهم أمةً واحدة لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى، وهو القائل في محكم كتابه الكريم:( .. إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)[الحجرات:13].
ومن اللحظة الأولى التي بُعث فيها الرسول الأكرم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم الاستعداد عَمل من أجل توحيد القلوب على الهدف الواحد والغاية الواحدة، فكانت قبلة المسلمين واحدة، وعبادتهم واحدة، يصّلون جميعاً في وقتٍ واحد، ويصومون في
شهرٍ واحد من السنة، ويؤدون فريضة الحج في مكان واحد وفي زمان واحد، هدف الإسلام دائماً وأبدًا أن يجتمع المسلمون على الخير والصلاح ووحدانية الله تعالى.
لا يُعرف في الإسلام سبيل للتفرقة، لأنه دين أقام على قول رسول الله ومنهجه السليم في الدّعوة إلى توحيد الله عزّ وجلّ ، وإظهار الحقيقة الكبرى أمام الملأ أجمع بأنّ النّاس سواسية لا فرق بينهم ولا تفاضل إلا بالتقوى حينما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: ( أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب…..)[ جزء من خطبة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع].
ولقد عَمل الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم الاستعداد،على تثبيت هذه الحقيقة في أذهان عامة المسلمين،فهو يقرب إليه الصحابي الجليل سلمان الفارسي ( رضي الله عنه) ويقول عنه
(سلمان منّا أهل البيت)[ دلائل النبوة للبيهقي، والمستدرك للحاكم].
وعندما أسلم سلمان الفارسي، قال بعض السلف(إن سلمان أول ثمار الفرس).
ولقد جعل الرسول الأذان من اختصاص الصحابي بلال بن رباح ( رضي الله عنه) العبد الأسود الحبشي، فهو يعلو الكعبة ليؤذن، والمسلمون بقبائلهم وعشائرهم المختلفة جلوس بجوار الكعبة يسعون إلى داعي السماء، وهو يدعوهم إلى الصلاة والفلاح، ولم يشعروا بالغضاضة لذلك لأن الإسلام علمهم بالآية القرآنية الكريمة:( إنما المؤمنون أخوة)[ الحجرات؛10].
وعلمهم الرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة وأتم الاستعداد،بقوله:(مَن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)[صحيح الجامع الصغير] ولبلال سابقة في الإسلام فهو أفضل من كثير من أشراف قريش، ولم يصل بلال بن رباح ( رضي الله عنه) إلى ما وصل إليه من مكانة بين المسلمين إلّا بإخلاصه لهذا الدين وكفايته في الذود عنه، وتحمله الأذى في سبيل أن يبقى على عقيدته التي آمن بها
والتي تنكر الأصنام والطواغيت والمُثل الجاهلية الزائفة. ومن هذا المنطلق عرف المسلمون معنى العزة والكرامة
لأنهم ثابوا إلى إلٓه واحد تعنو له جباه النّاس كل النّاس، فهو القاهر فوق عباده وله الأمر، ومن هذا المنطلق عَلموا أنّ الأمر لله وأنهم أخوة بكلمة الله يتفاضلون بالتقوى وبالعمل الصالح لا بالأنساب النبيلة والأصول
الرفيعة.
ولقد كان محمد عليه أفضل الصلاة وأتم الاستعداد من قريش، وكان يرى امتيازات قريش على سائر العرب، فهم
يفرضون لأنفسهم حقوقوقًا وتقاليد ليست لسائر العرب،فالحجيج جميعاً يقفون بعرفات، وقريش تقف في الحج بالمزدلة، وهم يصطفون لأنفسهم منافع على سائر الحجيج فيحتمون عليهم ألّا يطوفوا بالبيت إلّا في ملابس يشترونها من قريش وإلّا طافوا
عراة.
فلما جاء الإسلام قضى على هذه الإمتيازات لأن البيت بيت الله تعالى، والكعبة كعبته، والجميع يقصدون وجه الله ويرجون غفرانه، وأنهم يقفون في عرفات لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم، رئيسهم ومرؤسهم لأنهم يتعبدون إلى إلٓه واحد متآخون بكلمة الله ( ..لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم)[ الأنفال:63].
وتنزل الآية وتقول لقريش خاصةّ:( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ان الله غفور رحيم)[البقرة:199].
فلا امتياز في العبادة، ولا وقوف لقريش وحدها في المزدلفة ولسائر النّاس في عرفات، لا بل أنّ الأمر مبني على التساوي، ولابد من إفاضة واحدة حتى يتحقق معنى الإخاء عملياً ويشعر النّاس أنّ التقوى هي السبيل إلى التفاضل، وانّ العمل الصالح هو
الطريق المُثلى إلى الرقي والسمو.
إنّ بيوت الله ومساجده في جميع بقاع الأرض تقوم على هذا المعنى، فالمسلمون يقفون صفوفّا متراصة وراء إمام واحد، وليس هناك في بيوت الله أماكن خاصةٍ لأصحاب المناصب والرتب والجاهة، وإنما الأماكن الأمامية للسابقين بالحضور إلى
المسجد.
إنّ النّاس بخير ما تآخوا وتعاونوا على البِر والتقوى، وأنّ حضارة المسلمين منذ لحظة انبثاقها وتأسيس نواتها الأولى كان أساسها المؤاخاة، وأنّ الإسلام وقف بكل صمود في وجه أعدائه، لأنّه قضى على العصبيات والعنصريات، وقد مزج الجميع
مزجًا واحداً على أساس هذا الدين القويم الذي لم يعطي امتيازًا لأحد بسبب لونه أو جنسه أو عرقه أو موطنه.
