آخر الأخبار

وفاة شيخنا السيد سلمان الحسيني الندوي رحمه الله تعالى

شارك المقال على:

بقلم: الدكتور محمد أكرم الندوي
أوكسفورد
29/6/2026

ما أثقل بعض الأيام على القلوب! فما أكثر ما تستقبل الأمة يومًا من أيامها وهي تودِّع فيه علمًا من أعلامها، فيخبو نورٌ كان يضيء طريق السائرين، ويغيب صوتٌ طالما أيقظ الهمم، ويطوى فصلٌ من فصول العلم لا يتكرر إلا نادرًا.
وفي يوم الرابع عشر من شهر المحرم الحرام سنة ثمانٍ وأربعين وأربعمائة وألف للهجرة، نُعي إلينا شيخنا العلّامة الشريف سلمان الحسيني الندوي، رحمه الله تعالى، فأصاب قلوب تلامذته ومحبيه من الحزن ما لا تُحيط به الكلمات. ولم يكن فقده خسارةً لأهله أو لتلامذته وحدهم، بل كان رزءًا أصاب الأسرة العلمية كلها؛ إذ غاب رجلٌ عاش للعلم، وجعل حياته وقفًا على خدمة السنة النبوية، وتعليم طلابها، والتأليف فيها، والدعوة إلى الله بالحكمة والخلق الكريم.
وُلد الشيخ بمدينة لكنؤ سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف، ونشأ في بيت علمٍ وشرف، فحفظ القرآن الكريم صغيرًا، ثم التحق بدار العلوم لندوة العلماء، حيث تلقى علوم العربية والفقه والحديث على نخبةٍ من كبار علمائها، وفي مقدمتهم الشريف محمد الرابع الحسني الندوي، والشيخ ناصر علي الندوي، والشيخ برهان الدين السنبهلي، وغيرهم من الأعلام. ثم اتصلت أسانيده بكبار المحدثين في الهند، فقرأ عليهم دواوين الإسلام، وأخذ عنهم الرواية والدراية، حتى أصبح واحدًا من أبرز المشتغلين بالحديث الشريف في عصره.
ثم رحل إلى الرياض، فالتحق بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتخصص في الحديث النبوي الشريف، ولازم الإمام الحافظ عبد الفتاح أبو غدة، فانتفع بعلمه وأدبه، وأجازه غير مرة، كما صحب عددًا من العلماء والمربين الذين تركوا أثرًا ظاهرًا في شخصيته العلمية والتربوية.
,عاد إلى ندوة العلماء مدرسًا بكلية الشريعة وأصول الدين، فقضى عشرات السنين في تدريس الحديث وعلومه، والإشراف على البحوث، وتربية أجيالٍ من طلاب العلم، حتى غدا أحد أبرز شيوخ الندوة في هذا العصر. ولم يكن تدريسه تلقينًا للمعلومات، بل كان غرسًا للمنهج، وتربيةً للذوق العلمي، وربطًا للطالب بتراث الأمة وسلفها.
وخلّف الشيخ تراثًا علميًا نافعًا، فكتب في الحديث الشريف وعلومه، والتشريع الإسلامي، وتاريخ الأئمة، وحقق عددًا من الكتب، وترجم )الفوز الكبير( للإمام الدهلوي إلى العربية، كما وضع ترجمةً بليغة لمعاني القرآن الكريم باللغة الأردية، وشرحًا على «مشكاة المصابيح»، وذكرياتٍ علميةً وأدبيةً تمثل سجلًا حيًا لعصرٍ كامل من عصور ندوة العلماء.
وقد كان لي من فضل الله أن أتتلمذ عليه، فقرأت عليه بعض )مقدمة ابن الصلاح(، و)بستان المحدثين(، وسمعت منه دروسًا في تاريخ الأديان والمذاهب، والمفاهيم الدينية، وتاريخ الدعوة الإسلامية، ثم صحبتُه في الحضر والسفر، فما زادتني الأيام إلا معرفةً بفضله، وإعجابًا بعلمه، ومحبةً لشخصه الكريم. وكان واسع الصدر، كريم الخلق، هادئ الطبع، لا يتكلف الهيبة، ولكنها كانت تحيط به كما يحيط النور بالسراج، فإذا جلس للتدريس أحس الطالب أنه أمام رجلٍ عاش العلم حتى صار جزءًا من طبعه وسجيته.
وكان رحمه الله قد أجازني بجميع مروياته، وهي من أجلِّ ما أعتز به، لا لأنها إذنٌ بالرواية فحسب، بل لأنها صلةٌ روحية وعلمية تربطني بشيخي، وتصلني بسلسلة العلماء الذين حملوا ميراث النبوة جيلًا بعد جيل.
وإذا كان الموت قد غيَّب شخصه، فإن العلم لا يموت بموت أهله. فما دام كتابٌ من كتبه يُقرأ، أو طالبٌ يروي عنه حديثًا، أو باحثٌ ينتفع بتحقيقٍ من تحقيقاته، فإن أثره باقٍ، وكأن صوته لا يزال يتردد في قاعات الدرس، وكأن مجلسه لم ينفض بعد. وهكذا يعيش العلماء بعد رحيلهم؛ لا بأجسادهم، ولكن بما بثوه في العقول، وغرسوه في القلوب، وخلّفوه من آثارٍ صالحةٍ لا يطويها الزمان.
رحم الله شيخنا العلّامة الشريف سلمان الحسيني الندوي رحمةً واسعة، وأعلى منزلته في عليين، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وجعل علمه وتعليمه، وتأليفه وتربيته، في ميزان حسناته، وألحقنا به على خير، في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

محمد أكرم الندوي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

تجارب تطبيقية للأبعاد الحضرية للهجرة النبوية – الحلقة الثالثة

لقد هاجر نبي الله موسى لطلب علمٍ يوجد عند غيره،

آخر المقالات

100%