لقد هاجر نبي الله موسى لطلب علمٍ يوجد عند غيره، وليكتشف ما به من نقص في ذلك، بعدما كان يعتقد أنه أعلم الناس…، ولكن عدم صبره كان سببًا في منعه من الاستزادة في التعلم، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر لرأى من صاحبه العجب“[1]، ومع ذلك فقد تعلم من الرجل الصالح ما لم ينتبه إلى أهميته، من بون شاسع بين ما هو مطلق وما هو نسبي؛ حيث لم ينتبه إلى الغايات التي لأجلها فعل الرجل الصالح فعله، وإنما نظر إلى ظواهر الأشياء التي لا تعبر بالضرورة عن حقائق الأمور. ولعل هذه اللفتة أشار إليها القرآن في السورة التي نزلت بمكة في بداية الدعوة، وتعد من أهم ما يمكن أن يتسلح به المؤمن بالرسالة الخاتمة، وهو الانتباه إلى الفرق بين المطلق المتضمن في إرادة الله وقدره ومشيئته، وبين ما توصل الإنسان إلى الكشف عنه وفهمه في هذا الوجود.
وما فعله الرجل الصالح، من ثقب السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار ولم يأخذ عليه أجرًا، ظاهرُه مخالفٌ لطبائع الأشياء، بحسب نسبية ما فهمه الإنسان في هذا الوجود، ولكن لما ذكر الرجل الصالح تعليل ذلك وفق مراد الله وقدره ومشيئته، تفهم موسى الأمر. ولم ينتبه موسى إلى أن هذه الوقائع الثلاث، التي أنكرها على الرجل الصالح، قد مرت معه هو نفسه؛ عندما ألقته أمه في اليم فلم يغرق: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7]، وقتله الرجل الذي ليس من شيعته: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: 15]، وسقيه لبنتي شعيب ولم يأخذ عليهما أجرًا: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 24 – 25]
ولو استحضر موسى هذه المشاهد الثلاثة، لما أنكر على الرجل الصالح أفعاله، ولكن حكمة الله اقتضت أن يكتشف هذا السر المتعلق بفروق جوهرية بين ما بين يدي الله، وما بالإنسان من نقص، والذي سيكون بوصلة العبادة التي أمر الله بها عباده، إيمانًا بالغيب، وبالله واليوم الآخر، وعمارةً للأرض: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77].
لقد جاء هذا التوجيه في الرسالة الخاتمة في المراحل الأولى بمكة، تزامنًا مع التأسيس للبناء المعرفي، انطلاقًا بالأمر بالقراءة، واستدعاء تجارب الأقوام السابقة، والحديث عن المبدأ والمصير، وقد كان ذلك في مراحل مكة من نشأة الأمة الإسلامية.
ذلك ما تم لموسى عليه السلام بفضل توجيه الله له، حيث انتقل إلى مجمع البحرين مهاجرًا في سبيل الالتقاء بالرجل الصالح الذي سيتعلم منه ما لم يكن يعلم.
وما تعلمه موسى في هذه المشاهد الثلاثة اصطلح على تسميته بـ”لعلم اللدني”.
وما يشاع عن هذا “العلم اللدني” من أن له مميزات وخصائص ليست لغيره من العلم، ولأهل هذا العلم من الفضائل والمكانة ما ليس لغيرهم من الناس، مما يوحي بأن هناك علمًا يمكن أن يختص الله به بعض الناس دون غيرهم، وربما لم يكونوا من الأنبياء، كما يُفهم من أن الرجل الصالح كان أفضل من موسى وأعلم؛ لأنه امتلك علمًا خفي على موسى، فجاءه موسى فتعلمه منه…، رغم أن الرجل الصالح نفى عن نفسه هذه المكانة فقال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82]. أما قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65]، فلا دلالة فيه على وجود علم خاص يكتسب به الإنسان فضلًا، وإنما قد يكون من الإلهام الذي يمكّن الله منه من يشاء من الناس، دون تمييزهم عن غيرهم بسبب ذلك، وذلك كثير في التاريخ. أما العلم فله آلياته التي يُطلب بها، ورجاله المستميتون في طلبه.
ومن ثم فإن ما يُدعى من أن هناك «علمًا لدنيًا» يخص الله به بعض الناس فيكتسبون فضلًا زائدًا وقربى إلى الله، في تقديري غير صحيح، وما تعلمه موسى من الرجل الصالح هنا لا يختلف عن غيره من العلوم التي يتعلمها الناس، فلا خصوصية له، كما ليست له ميزة خاصة، فهو علم وكفى؛ لأن العلم الذي يكتسبه الإنسان في حياته كله علم من لدن الله، أي بلغة القوم «علم لدني». ومن ثم فليس هناك شريحة من العلماء والصالحين لهم خاصية «العلم اللدني»، كما هو رائج بين الناس، المتمثل فيما نسب للرجل الصالح.
وكل ما يمكن فهمه من هذه التجربة التي أراد الرجل الصالح الإيحاء بها إلى موسى عليه السلام، أن العلم بالأشياء الذي يتوصل إليه الناس ويتناقلونه لا يمثل الحقائق المطلقة، وإنما يمثل قدرًا ونسبةً من هذا المطلق الذي تضمنه القدر الإلهي ومشيئته، بحسب الزمان والمكان والحال؛ لأن المطلق بين يدي الله، يظهره على أيدي الناس بمقادير معينة، ووفق سنن معينة، وبحسب مبررات وأوضاع معينة أيضًا. بل إن الله نص في كتابه على قلة ومحدودية ما يتوصل إليه الإنسان مقارنة بما عند الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]، و﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾[يوسف: 76].
والعلم يُطلب لهذا، وليس لمعرفة الأسرار، وكشف الألغاز، والاطلاع على الغيبيات، وتحقيق المعجزات، وإنما للتوصل إلى قواعد وضوابط تُكشف بها سنن الله في الوجود. أما ما يخص الله به بعض البشر أحيانًا على غير عادة العلم، فيما يعرف بـ«الصدفة» أو «التلقائية» أو «العفوية»، فكل ذلك من فعل الله وحكمته التي قد لا نعلم عنها شيئًا. فالتفاحة التي سقطت على رأس نيوتن سقطت على رؤوس ملايين البشر، ولكن لا أحد انتبه إلى الجاذبية إلا نيوتن، فهل يعني ذلك أن نيوتن يمتلك «علمًا لدنيًا» يكسبه قربى من الله؟
والهجرة في طلب العلم من الأمور المرغب فيها، كما جاء في الحديث: جاء رجل إلى أبي الدرداء، فقال له: «إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما جئت لحاجة». قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر“[2]
وإذا كان مجرد طلب العلم بهذا المستوى من القدر والفضل عند الله، فإن الهجرة في سبيله، بلا شك ولا ريب، مرغب فيها أيضًا؛ لأن العلم هو المدخل الأساس في جميع الأمور، فلا توحيد إلا بالعلم، ولا عبادة إلا بالعلم، ولا عمل مثمر وجاد إلا بالعلم، وكما قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
[1]– أخرجه الترمذي وأبو داود، عن أبي بن كعب، جامع الأصول رقم 955
[2]– أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء، جامع الأصول رقم 5825
