آخر الأخبار

بمناسبة مرور 31 عاما على مذبحة سريبرينيتسا – هولوكوستٌ في نهاية القرن العشرين

شارك المقال على:

إنّ العدوان الصربية على البوسنة والهرسك (1992-1996) يُعدّ، بلا شك، واحدًا من أكبر المآسي في تاريخ البشرية. فقد ارتُكبت خلال هذا العدوان جريمة إبادة جماعية بحقّ أكبر قومية في البوسنة والهرسك من حيث العدد، وهم البوشناق. وقد نُفّذت هذه الإبادة الجماعية بموافقة بعض الحكومات الغربية، وبانتهاك ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948. وكانت هذه الإبادة مدفوعة ومُبرَّرة إلى حدّ كبير بالقومية الدينية المتطرفة، التي حظيت بدعم مالي وعسكري من صربيا وكرواتيا. وكان ضحايا هذه الإبادة، قبل كل شيء، البوشناق، الذين اختيروا للتدمير بسبب انتمائهم الديني.

إنّ الذين سعوا إلى تدمير البوسنة والهرسك لم يعملوا فقط على تخريب مستقبل هذا البلد من خلال ارتكاب الإبادة الجماعية بحقّ أكثر شعوبه عددًا، بل عملوا أيضًا بصورة منهجية على طمس ماضيه وتدمير ذاكرته التاريخية. فقد أُحرقت المكتبة الوطنية والجامعية في سراييفو في حريق هائل اندلع بسبب القذائف الحارقة التي أُطلقت من المواقع الصربية فوق سراييفو في 25 أغسطس/آب 1992. وخلال الأيام التالية، وفي واحدة من أكبر عمليات إحراق الكتب في التاريخ الإنساني المعاصر، التهمت النيران أكثر من مليون كتاب، وأكثر من مئة ألف مخطوط ومقتنى نادر، إضافة إلى قرون من السجلات التاريخية الخاصة بالبوسنة والهرسك. وظلّ لعدة أيام سحاب أسود كثيف من الرماد معلّقًا فوق المدينة، وكان السكان يجدون في شعرهم وملابسهم قطعًا من الورق المتفحّم أو رماد الكتب والمخطوطات المحترقة…

لم يكن تدمير المكتبة الوطنية سوى عنصر واحد من عناصر حملة منهجية للإبادة الثقافية. فقبل ذلك بثلاثة أشهر، وفي 17 مايو/أيار 1992، وجّه الجيش الصربي مدافعه نحو المعهد الشرقي في سراييفو، حيث كانت محفوظة أكبر مجموعة من المخطوطات الإسلامية في منطقة البلقان. وقد أُحرقت أكثر من خمسة آلاف مخطوط مكتوب بالعبرية والفارسية والعربية والتركية العثمانية وبالأبجدية العربية البوسنية (اللغة البوسنية المكتوبة بالحروف العربية). ثم حوّل الجيش الصربي نيرانه إلى المتحف الوطني، فأصابه مرات عديدة ودمّر جزءًا كبيرًا من مقتنياته…

كان قصف تلك المؤسسات الثقافية متعمّدًا ومدروسًا. فقد جرى اختيارها بعناية لتكون أهدافًا للتدمير، وقُصفت بدقة بالغة،  بينما بقيت المناطق المحيطة بها سليمة إلى حدّ كبير. وخلال إحدى عمليات القصف العديدة التي استهدفت المتحف الوطني، أخطأ المدفعيون الصرب في إصابة المبنى، فأصابوا فندق هوليداي إنHoliday Inn   الواقع أمام المتحف مباشرة. وقد أجرت مراسلة هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) كيت آدي لاحقًا مقابلة مع الضابط الصربي المسؤول. وعندما سألته عن سبب استهدافه لفندق هوليداي إن، الذي كان المقرّ الرئيسي للصحفيين في سراييفو، اعتذر الضابط وشرح أنّ هدفه كان المتحف، وأن الفندق أُصيب عن طريق الخطأ.

وخلال العدوان الوحشي على البوسنة والهرسك، دُمّرت أعداد كبيرة من المساجد ومآذنها، ومن بينها بعض أجمل نماذج العمارة العثمانية من القرن السادس عشر في غرب منطقة البلقان. ولم تكن كثير من هذه المعالم العمرانية الضخمة قد أُصيبت “بالصدفة” خلال القصف المتبادل بين الأطراف المتحاربة؛ ففي مدن مثل بييلينا وبانيا لوكا لم تكن عمليات التدمير لها أي علاقة بالمعارك العسكرية، إذ جرى تفجير المساجد ليلًا بالمتفجرات، ثم تسويتها بالأرض في اليوم التالي بواسطة الجرافات.

في مأساة البوسنة الكبرى، قُتل أكثر من مئة ألف من المسلمين البوشناق، وتعرّض عشرات الآلاف منهم للتشويه والإصابات البالغة، بينما شُرّد مئات الآلاف من ديارهم. ويشير بعض الباحثين والمحللين إلى أن عدد النساء المسلمات اللواتي تعرضن للاغتصاب بلغ نحو خمسين ألف امرأة. ولم تكن الضحايا من النساء والفتيات البالغات فقط، بل شملت أيضًا مسنّات تجاوزن السبعين من العمر، وفتيات صغيرات لم يتجاوزن السادسة أو السابعة من العمر. وقد جرى اغتصاب النساء في البوسنة والهرسك على يد المعتدين الصرب (والكروات أيضًا) بصورة منهجية، ضمن خطط عسكرية عامة للعدوان، وبعلم ودعم القيادتين السياسية والعسكرية للمعتدين.

إنّ فرض المجتمع الدولي حظرًا على توريد الأسلحة حال دون تمكّن البوسنة والهرسك من الدفاع عن نفسها في مواجهة العدوان. ورغم أنّ الحظر، من الناحية الرسمية، كان يشمل جميع الأطراف المتحاربة، فإنّ الحقيقة هي أنّ البوشناق (المسلمين) وحدهم كانوا المتضررين بصورة مباشرة من هذا الحظر. فقد كان صرب البوسنة مدججين بالسلاح بفضل القدرات العسكرية للجيش الشعبي اليوغوسلافي السابق، بينما كانت الأسلحة تصل إلى الكروات من كرواتيا أو عبرها. أما البوشناق وحدهم فقد حُرموا من الإمكانات المحتملة للحصول على السلاح ووصول الإمدادات العسكرية، وتُركوا لمصيرهم أمام المخططات الدموية لاستراتيجيات أصحاب المشاريع القومية التوسعية.

ومنذ بداية العدوان، أنشأ المعتدون معسكرات اعتقال في مختلف أنحاء البوسنة والهرسك. ووفقًا لبيانات مركز البحث والتوثيق التابع لاتحاد معتقلي البوسنة والهرسك، فقد مرّ أكثر من 200 ألف معتقل (من المدنيين والنساء والأطفال والرضّع) عبر معسكرات الموت. ولم يخرج من تلك المعسكرات إلى الحرية أبدًا  38.780  معتقلًا. وتُستكمل هذه البيانات يوميًا في المركز. ومن المعروف أنّ القسم الأكبر من المعتقلين، سواء أولئك الذين سُجنوا في المعسكرات، أو الذين قُتلوا فيها أو توفوا بسبب ظروف الاعتقال، أو الذين ما زالوا في عداد المفقودين، كانوا من البوشناق.

ولا تشمل هذه الأرقام أولئك الذين قُتلوا في بيوتهم وقراهم ومدنهم قبل نقلهم إلى 615 معسكرًا تم تسجيلها حتى الآن لدى المركز. وكانت المعسكرات الواقعة تحت سيطرة القوات الصربية هي الأكثر عددًا بفارق كبير، وقد مرّ عبرها معظم المعتقلين، وكان غالبيتهم من المدنيين: رجالًا ونساءً وأطفالًا وشيوخًا. كما أنشأ الكروات أيضًا معسكرات لم تكن، من حيث وحشيتها والفظائع التي تعرّض لها البوشناق فيها، أقل قسوة من تلك التي أنشأها الصرب.

وبحسب ما صرّح به السيد أمور ماشوفيتش، رئيس اللجنة الحكومية للبحث عن المفقودين، فقد تم خلال الحرب الأخيرة الإبلاغ عن اختفاء 27.719 شخصًا. ومن بين هذا العدد يشكّل البوشناق 91%، والصرب 6%، والكروات 2%، بينما يشكّل الآخرون 1%.

وكان أكثر من 10% من المفقودين من النساء، وأكثر من 3% منهم من القاصرين الذين تقل أعمارهم عن ثمانية عشر عامًا. كما أنّ أكثر من 95% منهم، وهو أمر بالغ الدلالة، ينتمون إلى فئات يحميها القانون الدولي الإنساني واتفاقيات القانون الدولي الخاصة بالحرب، وهم: المدنيون، والعاملون في المجال الصحي، ورجال الدين، والجرحى، وحتى الأشخاص الذين كانوا يُرسلون كمبعوثين إلى الطرف الآخر لنقل نداءات وقف إطلاق النار وغير ذلك.

ومن بين الضحايا أطفال لم تتجاوز أعمار بعضهم خمسة أشهر، وكذلك أشخاص وُلدوا في القرن التاسع عشر. ويؤكد السيد ماشوفيتش:

“إنّ الجريمة تكتسب أبعادًا أكبر بكثير إذا علمنا أنّ المجرمين قاموا بنقل الرفات البشرية من عدد من المقابر الجماعية الكبرى، التي كانت تضم بقايا مئات الضحايا بل وآلافهم، ثم وزّعوا تلك الرفات في عدد أكبر من المقابر الصغيرة الثانوية، بهدف التقليل من فداحة الجريمة ووحشيتها.”

*       *       *

تمثل مأساة البوسنة والهرسك الكبرى جريمةَ سريبرينيتسا التي وقعت في شهر يوليو/تموز عام 1995 أمام أنظار الرأي العام العالمي بأسره. ويُعدّ الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق البوشناق في سريبرينيتسا، من حيث حجمها وأبعادها، نموذجًا مأساويًا لمعاناة البوسنة والشعب البوشناقي.

وفقًا للتعداد السكاني لعام 1991، كان يعيش في منطقة أربع بلديات من إقليم بودرينيا الوسطى 185.522 نسمة، من بينهم 115.936 بوشناقيًا، أي ما نسبته 62.5% من إجمالي سكان تلك المنطقة. أما بلدية سريبرينيتسا نفسها فكان عدد سكانها 36.666 نسمة، منهم 27.572 بوشناقيًا (75.2%)، و8.315 صربيًا (22.7%)، و741 من القوميات الأخرى (2%).

وهذه، إذن، كانت البنية القومية لسكان سريبرينيتسا والبلديات المحيطة بها قبل العدوان. ومن الواضح أن البوشناق كانوا يشكلون آنذاك أغلبية ساحقة في تلك المنطقة.

في عام 1993، وبعد أن جُرّد المدافعون البوسنيون من القليل من الأسلحة التي كانوا يمتلكونها، أُعلنت سريبرينيتسا “منطقة آمنة” تابعة للأمم المتحدة. ومنذ ذلك الحين، تولت القوات الدولية التي وصلت إلى هناك “مسؤولية حماية” أمن سريبرينيتسا وسكانها. غير أن الكتيبة الهولندية التي كانت سريبرينيتسا تقع ضمن نطاق مسؤوليتها لم تفعل شيئًا لمنع الجيش الصربي ـ الشيتنيكي الذي اقتحم “المنطقة الآمنة” في يوليو/تموز 1995.

وبينما كان أصحاب النفوذ في العالم يطلقون تصريحات غير مجدية وينظمون اجتماعات في لندن وباريس، قامت تشكيلات مليشيات راتكو ملاديتش ورادوفان كارادجيتش الشيتنيكية، بدعم من المتطوعين والجيش النظامي لجمهورية يوغوسلافيا المجاورة، وبسبب تشجيعها نتيجة عدم فعالية المجتمع الدولي، بارتكاب جريمة ذات أبعاد عالمية.

لقد قُتل وذُبح تسعة ألاف شخص بطريقة وحشية. ودُفنت جثثهم في مقابر جماعية، ثم جرى لاحقًا نقلها بشكل مخطط ومنظم إلى مواقع أخرى بهدف إخفاء حجم الجريمة. ولا تزال آلاف الجثث لم تُكتشف حتى يومنا هذا، ولم يتم التعرف إلا على عدد قليل من الضحايا.

لم يظهر طابع العدوان على البوسنة والهرسك بوضوح كما ظهر في سريبرينيتسا. فقد كان هذا العدوان خبيثًا ووحشيًا ـ وإباديًا. ولم يحدث في أي مكان آخر، كما حدث في تلك المنطقة، أن ارتُكبت إبادة جماعية بحق البوشناق علنًا، حتى بحضور جنود الأمم المتحدة.

ولم يظهر في أي مكان آخر كما في سريبرينيتسا حجم مسؤولية منظمة الأمم المتحدة، وخاصة كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين للأمم المتحدة في منطقة يوغوسلافيا السابقة، إضافة إلى مسؤولية الأمين العام للأمم المتحدة، والأمانة العامة، ومجلس الأمن.

لو لم تقع خلال العدوان على البوسنة والهرسك أية جريمة أخرى سوى تلك التي ارتُكبت في سريبرينيتسا، لكان ذلك وحده كافيًا لإثبات أن البوسنة والهرسك شهدت أكبر جريمة حرب في القرن العشرين.

لقد ارتكب النازيون أيضًا جرائم كبرى خلال الحرب العالمية الثانية، لكن جريمة سريبرينيتسا وقعت أمام أعين العالم بأسره، وبموافقة صامتة من القوى التي كانت قادرة على منعها.

وعلى خلاف قادة النظام النازي الذين نالوا العقوبة المستحقة في محاكمات نورمبرغ مباشرة بعد انتهاء الحرب (حيث كان القضاة يصدرون أحد حكمين فقط: الإعدام أو السجن المؤبد)، فإن العديد من المنظمين والمرتكبين الصرب للجرائم في سريبرينيتسا ما زالوا أحرارًا ويتنقلون حتى اليوم، بعد مرور ثلاثين عامًا على مأساة سريبرينيتسا.

وحتى إذا حدث أن وصل أحدهم إلى المحكمة الدولية في لاهاي، فإن شيئًا جوهريًا لا يتغير؛ إذ إن محاكمات مجرمي الحرب في لاهاي صُممت بطريقة تتيح للمتهمين، ببساطة، الاستمرار في إذلال الضحايا وإيذائهم.

وكل من تابع إحدى جلسات محاكمات جرائم الحرب في البوسنة والهرسك (مثل محاكمة سلوبودان ميلوشيفيتش وغيره من المجرمين الصرب) يستطيع أن يقتنع بذلك بسهولة.

وللتوضيح، يكفي ذكر المثالين التاليين من عمل المحكمة:

 المثال الأول: وفقًا لحكم المحكمة في لاهاي، فإن المجرم دراشين إرديموفيتشDražen Erdemović ، الذي اعترف بأنه قتل بوحشية سبعين بوشناقيًا، بينهم نساء وأطفال، حُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات، مع احتساب مدة الإجراءات القضائية التي استمرت عدة سنوات ضمن العقوبة.

وقال القاضي الذي تلا الحكم على إرديموفيتش إن المتهم أظهر أثناء فترة محاكمته “تعاونًا كبيرًا وحسن سلوك”، ولذلك (ربما بسبب هذا “العمل الإيجابي”) تم تخفيض العقوبة أكثر.

وأوضح القاضي المذكور: “بعد قضاء مدة العقوبة، سيكون إرديموفيتش لا يزال شابًا بما يكفي لبدء حياة جديدة!”

المثال الثاني: كما تكشف قضية بيليانا بلاشسيتش Biljana Plavšić طبيعة العدالة التي تقدمها المحكمة الدولية في لاهاي. فمن المعروف أنها شغلت أعلى المناصب في الحياة العامة والسياسية لما يسمى بـ”جمهورية صربسكا” في الفترة التي كان فيها الجيش الصربي ـ الشيتنيكي ينفذ بشكل منهجي عملية إبادة جماعية ضد البوشناق.

ولهذا السبب، كان ينبغي أن تكون مسؤوليتها عن تلك الإبادة الجماعية موضع اهتمام المحكمة بشكل خاص.

إلا أنه بعد وصولها إلى لاهاي واعترافها بأنها “اضطهدت السكان غير الصرب ـ وأنها تأسف لذلك(!)”، قامت المحكمة بإعفائها من تهمة الإبادة الجماعية ومن العديد من التهم الأخرى، وحكمت عليها بالسجن لمدة إحدى عشرة سنة فقط.

وبعد ذلك، أقامت بلافسيتش في سجن فاخر في السويد، حيث أفادت بعض وسائل الإعلام بأن إدارة السجن كانت تقدم لها كعكة بمناسبة عيد ميلادها(!).

ولهذا السبب، فإن مقارنة لاهاي بنورمبرغ لا معنى لها، بأقل تقدير. فالفرق بينهما ليس واضحًا فحسب، بل هو أشبه بالفرق بين السماء والأرض.

د. صفوت مصطفى خليلوفيتش
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

دعوة للمشاركة في الدورة الثالثة للمنهاج الاستنباطي القرآني

بسم الله الرحمن الرحيم الإخوة والأخوات المشاركين في الدورة الأولى

القره داغي يشارك في لقاء فكري مع بلال أردوغان ونخبة من العلماء في تركيا

سماحة الشيخ علي محيي الدين القره داغي يشارك في لقاء

الاتحاد يعزي في وفاة فضيلة الشيخ الملا عزيز حافظ نوزير

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً

آخر المقالات

100%