الحلقة (6): مقاصد الدعوة في السنة

بواسطة : الدكتور نجوغو امباكي صمب

الحلقة (6): مقاصد الدعوة في السنة

بقلم الدكتور نجوغو امباكي صمب (عضو الاتحاد)

 

في السنة النبوية حديث مستفيض وذكر كثير لمقاصد الدعوة وأسرار الأمر والنهي، وفيما يلي بعض من تلك المقاصد في المطالب التالية:

1- بيان بعض مقاصد بعثته صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعض مقاصد بعثته وحكم رسالته ومآثر دعوته في أحاديث كثيرة ، ومن ذلك على سبيل المثال ، قوله صلى الله عليه وسلم (( إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة))[1] ، وقوله ((ولكني بعثت بالحنيفية)) ))أي: الملة المائلة عن السبل الزائغة إلى طريق التوحيد وسبيل الاستقامة ، ((السمحة)): أي: السهلة ليس فيها حرج ومشقة زائدة، ومنفعتها إلى الغير متعدية )) [2] .

وقوله صلى الله عليه وسلم ((نما بعثت لأتمم صالح الأخلاق))[3] ، قال ابن عبد البر رحمه الله ((ويدخل في هذا المعنى الصلاح والخير كله والدين والفضل والمروءة والإحسان والعدل ، فبذلك بعث ليتممه صلى الله عليه وسلم ))[4] .

وقوله صلى الله عليه وسلم ((إن الله لم يبعثني معنتا، ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا)) [5] ، وقوله ((ولكن بعثني معلما)): بكسر اللام أي للأمة أحكام الشريعة ((ميسرا)): من اليسر وهو حصول الشيء عفوا بلا كلفة على المتعلم مع ذكر ما يألفه لقبول الموعظة والتعليم)) [6] .

وقوله صلى الله غليه وسلم ((إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ))[7] ، وفي رواية ((إنما بعثت رحمة مهداة))[8]، فبعثته صلى الله عليه وسلم رحمة من الله تعالى للعالمين جميعا ، وخالصة للمؤمنين المصدقين به المتبعين له  ، فهو نبي الرحمة ، قال الطيبي : ((إنما أنا رحمة مهداة)) : أي ما أنا إلا رحمة للعالمين أهداها الله إليهم، فمن قبل هديته أفلح ونجا )) [9] .

2- تحديد نطاق دعوته ورسالته صلى الله عليه وسلم .

حيث بين النبي في سنته نطاق دعوته ورسالته , وأنه مبعوث إلى الناس أجمعين، قال صلى الله عليه وسلم ((بعثت إلى كل أحمر وأسود، فليس من أحمر ولا أسود يدخل في أمتي إلا كان منهم))[10] ، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي خصها الله بها من بين الأنبياء والمرسلين ، وكان لابد من بيانه وتوضيحه في دعوته وتبليغه رسالة ربه ، لأن أهل الكتاب كانوا يزعمون أنه رسول إلى الأميين فقط ، وليسوا معنيين برسالته وشريعته ، فأبطل زعمهم ببيان هذا المقصد الجليل من بعثته ، فقال صلى الله عليه وسلم (( والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة : يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار))[11] .

 

3- بيان هديه وسبيله صلى الله عليه وسلم في الدعوة والإرشاد

والسنة النبوية حافلة بالإرشادات والتوجيهات المتعلقة ببيان هديه وسبيله صلى الله عليه وسلم في الدعوة والإرشاد ، ففي وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن نرى ترتيبا للأولويات وتحديدا للمهام ، ((إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس ))[12] .

وفي وصية أخرى لمعاذ ورفيقه أبي موسى رضي الله عنهما يعلمهما صلى الله عليه وسلم فيها بمقصدين مهمين من مقاصد الدعوة وهما (التيسير والبشارة) فيقول لهما ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا)) [13]

بل كان الأمر بالبشارة والتيسير منهجا عاما في دعوته وإرشاده ، ويأمر بهما أصحابه في كل مهام يقومون بها ، فعن أبي موسى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره، قال: (( بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا )) [14].

4- الدعوة إلى تجريد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

وتعد الدعوة إلى تجريد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم  والاستنان بسنته المطهرة وعدم الرغبة عنها من أهم مقاصد الدعوة في السنة النبوية ن وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الصحابة رضي الله عنهم ، بهذا المقصد الجليل ويؤطرهم عليه أطرا ، كلما جنحوا إلى مخالفة أمره أو مجانبة هديه وطريقته ، قال صلى الله عليه وسلم (( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))[15] .

وقال صلى الله عليه وسلم ((فمن رغب عن سنتي فليس مني)) [16] ، قال النووي رحمه الله ((وأما قوله صلى الله عليه وسلم فمن رغب عن سنتي فليس مني فمعناه من رغب عنها إعراضا عنها غير معتقد على ما هي والله أعلم))[17].

ومما يؤكد على هذا المقصد في السنة النبوية كثرة ذكرها وتكرارها في مناسبة مختلفة كثرة تدل على العموم والشمول والاطراد ، فإن الرغبة عن سنة النبي والاعراض عنها ، سواء تمثلت في الإحداث في العبادات ، أو الإعراض عن هديه في المعاملات ، أو في الجنوح إلى الظلمة والفجار ومداهنتهم ، فكل ذلك يدل على عدم الصدق في الانتماء الى النبي والاكتفاء بهديه والاتباع لسنته صلى الله عليه وسلم ، قال ابن حجر رحمه الله ((قوله فمن رغب عن سنتي فليس مني المراد بالسنة الطريقة التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره ، والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني))[18] .

يتبع ...

 


[1] مسند أحمد ، 36 / 624 ، برقم ( 22291 ) ، والمعجم الكبير للطبراني ، 8 /216 ، برقم ( 7868 ) ، وأورد الأباني في الصحيحة  6/ 1022 ، برقم ( 2924 )

[2] مرقاة المفاتيح ومشكاة المصابيح ، 6/ 2491

[3] مسند أحمد، 14 /513 ، برقم ( 8952 ) ، وقال محققوه : صحيح .

[4] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ، 24 /334

[5] صحيح مسلم ، 2/ 1104 ، برقم ( 1478 )

[6] السراج المنير شرح الجامع الصغير في حديث البشير النذير ، 1 / 382

[7] سنن الدارمي ، 1/166 ، برقم ( 15 )

[8] المعجم الأوسط للطبراني ، 3/223 ، برقم ( 2981 )

[9] مشكاة المصابيح للطيبي ، 12 /3700

[10] مسند أحمد ، 4/ 119 ، وحسنه محققوه .

[11] صحيح مسلم ، 1/134 ، برقم ( 153 )

[12] صحيح البخاري ، 2 / 119 ، برقم ( 1458 )

[13] صحيح البخاري ، 4/65 ، برقم ( 3038 )

[14] صحيح مسلم 3/ 1358 ، برقم ( 1732 )

[15] سنن أبي داود ، 4/300 ، برقم ( 4607 )

[16] صحيح البخاري ، 7/2 ، برقم ( 5063 )

[17] شرح صحيح مسلم للنووي ، 9 / 174

[18] فتج الباري ، 9/105


اترك تعليق