زواج المسلمة من غير المسلم بين الاستدلال والتعليل

بواسطة : معتز الخطيب

زواج المسلمة من غير المسلم بين الاستدلال والتعليل

بقلم: معتز الخطيب (عضو الاتحاد)

 

ثار الجدل منذ أسبوعين حول مسألة تحريم زواج المسلمة بغير المسلم (وخاصة لو كان كتابيا: يهوديا أو نصرانيا)، وكان د. حسن الترابي -رحمه الله- قد أثار المسألة نفسها سنة 2006؛ بل حكى د. يوسف القرضاوي عنه أنه سمعها منه في منتصف السبعينيات. والمسألة هنا تنقسم إلى شقين: ابتداء عقد الزواج، والاستمرار فيه فيما لو أسلمت الزوجة وبقي الزوج على دينه، وقد كان الرأي السائد في الأمرين معا المنع ابتداء واستمرارا؛ لكن المجلس الأوروبي للإفتاء تجاوز الشق الثاني (الاستمرار فيه)، فأجاز سنة 2001 للمرأة المتزوجة التي تُسلم البقاءَ مع زوجها، الذي بقي على دينه، وإن لم يُسلم معها، وبقي الجدل حول الشق الأول من المسألة، وهو ابتداء العقد.

يثير هذا الجدل أسئلة متعددة تتصل بمنهجية الاستنباط الفقهي وتسويغات الحُكم (العِلل والحِكَم)، ومدارها على 3 نقاط:

(1) مصادر الحكم وهل ثبت بالنص أم بالاجتهاد؟ (2) تأويل النص القرآني وهل يمكن للإجماع على فهم معين أن يجعل من دلالة النص قطعية لا تحتمل معنى آخر؟. (3) البحث في علة الحُكم والحِكم والأسرار الكامنة وراءه؛ حتى يصير معقول المعنى، ويتوفر له الاتساق والإقناع.

وهذه النقطة الثالثة تتجدد باستمرار في العصر الحاضر، الذي لا يفتأ يثير تساؤلات نقدية أو مساءلات للأحكام المستقرة بحيث يُعاد فتح النقاش فيها ومساءلتها والبحث عن مغزاها ومعقوليتها أو لامعقوليتها، وهو أحد تجليات العقلنة التي تتخذ نمطا خاصا في كل عصر. وإذا كانت العلة مسألة منضبطة في التصور الفقهي، فإن الحكمة مسألة مرنة، وتعكس -في تقديري- محاولات البحث عن معقولية الحكم بغرض الإقناع وحل الإشكال المطروح في زمن ما، ومن ثم فإن رحلة البحث عن أسرار حُكم ما تعكس نمطا من أنماط العقلنة، بحسب روح كل عصر والمعارف السائدة فيه والأعراف والقيم المستقرة، وهذه المعقوليات تصوغ نمط الحياة الذي يحدده الناس لأنفسهم (تسويغات الأحكام التقويمية).

ففيما يخص النقطة الأولى، وهي مصادر الحكم بتحريم زواج المسلمة من غير المسلم، ثمة مسلك معاصر في الاستدلال يريد أن يحصر الأدلة كلها في النص القرآني، فإذا ما أراد التحلل من حكم ما، قال إنه لم يرد في القرآن، وجميع دارسي الفقه وأصوله يعرفون أن مصادر الحكم متعددة، بعضها نصي وبعضها غير نصي (عقلي أو عرفي)، وهذا ما يميز طبيعة "الإسلامي" عن "الديني"، الذي هو بمعنى اللاهوتي المسيحي وكمقابل للعلماني. وقد سبق للترابي أن سلك هذا المسلك في الاستدلال حين نفى وجود آية أو حديث لنفي الإلزام والخروج على الحكم المستقر فقها؛ لكن كتب الفقه عامة تواردت على الاستدلال لهذا الحكم بآيتين (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) [البقرة: 221] و(فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّوْنَ لَهنَّ) [الممتحنة: 10]، وبحديث "الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه".

كما أن الناظر في فروع الفقه الإسلامي يجد أن المنظومة -بصورتها المجموعة- يشد بعضها أزر بعض في الأحكام المرتبطة بالأسرة: الزواج والطلاق، والميراث، والولاية على الأولاد، والقوامة على النساء، ومنظومة الحقوق التي للزوج على الزوجة، وغير ذلك، وثمة أدلة مختلفة لكل مسألة من هذه المسائل مما ينبني عليها آثار قانونية ودينية ستتصل بموضوع ديانة الزوج تحديدا.

وفيما يخص النقطة الثانية، وهي تأويل النصوص والاتساق في النظر والاستدلال، فإننا نجد هنا بعض الإشكالات، سواء لدى السابقين أم المعاصرين. فالإشكال الأول: أن الاستدلال بآية (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) ينطوي على إشكالات.

أولها: لفظ المشركين هنا لفظ عام، ويحتمل احتمالات، منها أن يشمل جميع غير المسلمين، أو أن يشمل المشركين الوثنيين فقط، أو أن تكون (ال) للعهد، فيشمل فئة مشركي مكة تحديدا، وربما ساند السياق القرآني هذا المعنى الأخير أصالة، ويبقى النقاش فيما بعد حول إمكان تعميمه أو عدمه ولماذا؟، فالقرآن في مواضع عدة ميز بين المشركين وأهل الكتاب، فلفظ المشركين في القرآن -بإطلاقه- لا يتناول أهل الكتاب؛ بدليل قوله تعالى (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ) [البينة: 1]، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ) [البينة: 6]، وقوله (لتجدنّ أشد الناس عداوةً للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا) [المائدة: 82]، وقوله (ما يَوَدُّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين) [البقرة: 105]، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) [الحج: 17]، وسائر آي القرآن تَفصل بينهما؛ لأنه لم تجر العادة في اليهود والنصارى أنهم يسمون مشركين. ورغم أن الخطاب القرآني يشير في مواضع أخرى إلى وجود معنى الشرك لدى من يعتقدون من أهل الكتاب بأن لله تعالى ولدا، فعبدة الأوثان مشركون بقولهم (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [الزمر: 3]، ومن النصارى من هم مشركون بقولهم (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ)، ومن اليهود من هم مشركون بقولهم (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ). وقد تنبه إلى هذا الإشكال بعض الفقهاء السابقين، منهم اللخمي المالكي (478 للهجرة)، وزين الدين التنوخي الحنبلي (695 للهجرة)، وعلى هذا المعنى يكون أهل الكتاب غير داخلين في عموم المشركين بالمعنى الاصطلاحي القرآني؛ لكن الكاساني الحنفي (587 للهجرة) سيقول لنا إن النص وإن ورد في المشركين "لكن العلة، وهي الدعاء إلى النار يعم الكفرة أجمع، فيتعمم الحكم بعموم العلة"؛ أي إنه تجاوز مسألة المصطلح إلى العلة التي تَعم مشمولات المصطلح وغيرها؛ بقوله تعالى (أولئك يدعون إلى النار).

والإشكال الثاني: أن (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ) قابلها في الآية نفسها (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِات)، وعززها آية أخرى (ولا تُمْسكوا بعِصَم الكوافر) [الممتحنة: 10]، ومع ذلك فقد أجاز الفقهاء للمسلم أن ينكح كتابية، فالمفترض أن المشركين والمشركات -على تأويلهم- يشمل أهل الكتاب في الحالتين: الزوج والزوجة. وهنا إجابتان:

الأولى: ما رُوي عن ابن عباس من أن قوله (ولا تَنكحوا المشركات) [البقرة: 221] نُسخ بآية المائدة التي تبيح المحصنات من أهل الكتاب، فإن حملنا النسخ هنا على المعنى الاصطلاحي، فثمة إشكال في نسخ جزء من آية والإبقاء على جزئها الآخر محكما، مع أن الخطاب فيها واحد والآية واحدة.

والثانية: أن يكون النسخ بمعنى الاستثناء، وأن هذه عمومات تشمل الجميع من غير المسلمين؛ لكننا إنما استثنينا نكاح الكتابية المحصنة من عموم التحريم؛ لوجود دليل آخر من القرآن حيث استثنى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي حِل لكم، فعلم من هذا أنهن مشمولات في أصل الخطاب؛ لكن تم استثناؤهم من العموم، لورود دليل خاص أخرجهن من العموم.

(السنة النبوية تنوعت بين أحاديث قولية وممارسات عملية مكية ومدنية، ثم أعقبها عمل من الصحابة والتابعين، ثم نشأت مدارس فقهية وفق أسس ومنهجيات متشعبة. وهذا يُظهر مدى السطحية الكامنة في مقولة: إنه لا دليل في القرآن على كذا؛ لأن ما نسميه الشريعة هو نتاج مركب ثلاثي: النص (بما هو خطاب وليس مجرد آية أو بعض آية)، والتأويل ومنهجياته، والعمل المتوارث (ويشمل السنة النبوية وعمل الصحابة والتابعين)

وهذا الجواب الأخير يحقق الاتساق في مسألة تحريم زواج المسلمة من الكتابي، وإباحة زواج المسلم من الكتابية؛ لكنه لا يتسق مع عموم الخطاب القرآني الذي ميز بين المشركين وأهل الكتاب كما سبق، كما أنه سيخلق لنا إشكالات أخرى في كيفية تعليل هذا الاستثناء، ولماذا وقع استثناء الكتابيات؛ رغم أنهن مشركات بحسب هذا القول، رغم أن الخطاب في المشركين والمشركات واحد والوصف -وهو الشرك- واحد، بل إن الخطاب يبدأ بالنهي عن نكاح المشركات قبل النهي عن إنكاح المشركين لذات العلة، وهي (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّه يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). ثم إن آية المائدة التي تحدثت عن إباحة طعام أهل الكتاب، وإباحة نكاح المحصنات من أهل الكتاب سكتت عن إنكاح المحصنين من أهل الكتاب، وهذا السكوت يمكن أن يؤول تأويلات عدة، وليس هو في قوة التصريح المباشر على أي حال، والعموم أقوى منه في تقديري.

فالاقتصار على البحث عن الدليل النصي فقط محفوف بهذه الإشكالات كما ترى، وهي تدور على الموازنة بين قوة العام والخاص وأيهما أقوى؟، والموازنة بين التصريح والسكوت، وعلى فهم لغة القرآن (كمصطلح المشركين مثلا)، ولذلك لا يكاد يوجد دليل واحد لحكم من الأحكام الفقهية؛ لأن خطاب الشارع ثري ومتشعب وتم على مدار 23 سنة، والسنة النبوية تنوعت بين أحاديث قولية وممارسات عملية مكية ومدنية، ثم أعقبها عمل من الصحابة والتابعين، ثم نشأت مدارس فقهية وفق أسس ومنهجيات متشعبة. وهذا يُظهر مدى السطحية الكامنة في مقولة: إنه لا دليل في القرآن على كذا؛ لأن ما نسميه الشريعة هو نتاج مركب ثلاثي: النص (بما هو خطاب وليس مجرد آية أو بعض آية)، والتأويل ومنهجياته، والعمل المتوارث (ويشمل السنة النبوية وعمل الصحابة والتابعين).

ويمكن -بحسب التراث- للعمل المتوارث أن يخصص عام القرآن، أو أن يعين فهما محددا لآية تحتمل أكثر من معنى، فتتحول دلالتها إلى دلالة قطعية بسبب الإجماع المتأيد بالعمل، وقد عبر الشافعي عن نحو هذا المعنى، فقال "فالحجة عليه بما وصفنا من كتاب الله عز وجل، الذي اجتمع على ثبوت معناه أكثر أهل العلم؛ فاجتماعهم أولى أن يكون ناسخا، وذلك قول الله عز وجل (فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) [الممتحنة: 10] وقوله عز وجل (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) [البقرة: 221]، فقد قيل إن هاتين الآيتين في مشركات أهل الأوثان، وقد قيل في المشركات عامة، ثم رخص منهن في حرائر أهل الكتاب"، فهنا قد استقر الفهم والعمل تاريخيا على إباحة زواج المسلم من الكتابية، وتحريم زواج الكتابي من المسلمة، ولا دليل في ذلك سوى هذا الإجماع الذي جرى التسليم به تاريخيا.

أما النقطة الثالثة، وهي البحث في علة الحكم وحكمه وأسراره، فثمة فارق بين العلة والحكمة، ويمكن التعبير عن ذلك بأن العلة مسلك مولد للأحكام؛ فمن خلال تحديد العلة يمكن تعدية الحكم إلى غير المسألة التي ورد النص فيها، أما الحكمة فتظهر حين لا تبدو علة الحكم التي تمكننا من تعديته إلى غيره؛ لكن يقتصر دورها على إضفاء معقولية على الحكم، وذلك إما لتضييق مساحة التعبدي (أي غير معقول المعنى)، أو للرد على شبهة أو استشكال وتوفير المعقولية، التي تعين المكلف على مزيد من الرضا بالحكم والتسليم به والاطمئنان إليه (تنطوي على معنى دعوي ومعنى معزز للممارسة والامتثال)، ولا أريد الخوض هنا في مسألة جواز التعليل بالحكمة من عدمه.

ويمكن الوقوف في كتب الفقه على بعض التعليلات للحكم محل البحث هنا؛ لكنها تدور -بحسب فهمي لكلامهم- على تصور مركب من رفعة الإسلام ومن رفعة مكانة الزوج، ومن هنا وجدنا السرخسي (490 للهجرة) يستدل بحديث "الإسلام يعلو ولا يُعلى"، وهو استدلال ينطوي على نوع من التعليل؛ لكنْ للكاساني الحنفي كلام يمكن أن يفسر معنى العلو هنا، وذلك أن في إنكاح المؤمنة الكافر "خوف وقوع المؤمنة في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى دينه، والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال، ويقلدونهم في الدين… فكان نكاح الكافر المسلمة سببا داعيا إلى الحرام فكان حراما"، كما أن "الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) [النساء: 141] فلو جاز إنكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل، وهذا لا يجوز".

ويبقى أن العلو والسبيل هنا معنى عام، كما أن الخوف على المسلمة يقابله الخوف على المسلم أيضا سواء بسواء، وفكرة تبعية المرأة للرجل مسألة ثقافية، ويمكن أن تتغير بتغير الأعراف والمجتمعات والتشريعات القانونية كما هو الحال اليوم، كما أن ثمة مسافة تفصل بين الإسلام دينا وبين المرأة المسلمة زوجة، فالإسلام لا يتشخص فيها في هذه الحالة حتى يُطلب علوه في مثل هذا الزواج، كما أن الزوج لا يمثل ديانته أيا كانت، فالعلاقة هنا بين شخصين وليست بين ديانتين، وإن كانت هذه العلاقة من التعقيد بحيث إنها ستشمل نمط الحياة وتفاصيلها، وستعكس نمط ما يسمى اليوم "اللاهوت العملي"؛ أي إنها ستعيدنا إلى حقل ممارسة المعتقدات التي يعتقدها كل من الزوجين وستنعكس لاحقا على الأولاد أيضا ومختلف الخيارات الحياتية، والتي من شأنها أن يقع فيها التصادم والاختلاف.

أما التعليلات المعاصرة فقد تنوعت، فالشيخ محمد بن صالح العثيمين عللها بكون الزوج سيدا، والمسلمة لا تكون تحت زوج كافر، وهذا تفريع على مسألة الولاية في الفقه، والشيخ يوسف القرضاوي رأى أن الحكمة هي أن "الرجل هو رَبُّ البيت، والقوام على المرأة، والمسؤول عنها، والإسلام قد ضمن للزوجة الكتابية في ظل الزوج المسلم حرية عقيدتها، وصان لها -بتشريعاته وإرشاداته- حقوقها وحرمتها"، وذلك على خلاف أي دين آخر "لم يضمن للزوجة المخالفة في الدين أي حرية، ولم يصُن لها حقها"، وأن المسألة تقوم على اعتراف الإسلام بأصل عقائد أهل الكتاب دون العكس، ومن ثم فالزوج الكتابي لا يعترف بشرعية عقيدة الزوجة المسلمة في هذه الحالة؛ مما سيخل بأساس حسن العشرة بينهما والمودة.

(رغم أن الحديث النبوي قد استعمل أيضا "كلمة الله"، في "اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله"، فإنه لم يقع -في حدود علمي- أن استعمل المفسرون والفقهاء السابقون مثل هذه النصوص لإثبات إلهية الزواج، فالميثاق الغليظ في القرآن يرد في سياقات أخرى، والميثاق عامة هو تعاقد بين طرفين، وغلظته قائمة على أهمية هذا التعاقد وتغليظ خيانته أو الإخلال به، بمعنى أنه يقع ضمن فئة العقود الأعلى مكانة والأكثر أهمية، فهو لا شك أعلى مقاما من عقود البيع والشراء، وكلمة الله في الحديث ترجع إلى إباحة النكاح والتزويج التي نص عليها القرآن بقوله (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء)

لا تبدو هذه الإطلاقات مقنعة لجهة أن مجرد ديانة الزوج أو الزوجة لا تشكل -وحدها-  ضمانات كافية لوقوع الممارسة على وفقها، فما أكثر الإساءات الواقعة بين الزوجين المسلمين، كما أن قيم التعددية واحترام المعتقدات والخيارات الشخصية ليست مسألة دينية بحتة، ولا يحتكرها دين معين بدون غيره، ومن ثم فلا يبدو أن هذه التعليلات تستجيب للإشكال الحديث بالرغم من أنها تحاول ذلك؛ لأن النقد الحديث للحكم يستند إلى غياب الدليل النصي من جهة، وإلى دور ومكانة المرأة وفكرة المساواة من جهة أخرى، الأمر الذي سيبطل مفاهيم السيادة والولاية والتبعية. كما أن الزواج هو علاقة بين طرفين لا بين ديانتين حتى يتم تحويلها إلى نقاش في مقارنة الأديان وأفضلية أحدهما على الآخر، فضلا عن أن مسائل الزواج لا يتم ضبطها بمعتقدات أو توجيهات دينية فقط؛ بل ينظمها قوانين وأعراف اجتماعية وقيم أخلاقية تسود مجتمعات اليوم، ومن ثم فإن مثل هذه التعليلات الخطابية لا توفر المعقولية المطلوبة.

وقد استخدم شيخ الأزهر أحمد الطيب هذه الحجة الأخيرة (اعتراف الإسلام بالمسيحية واليهودية) مسوغا لتعليل الحكم في محاولة لإقناع مخاطبيه في ألمانيا سنة 2016؛ لكن مما يلفت النظر أنه وصف الزواج بأنه رباط ديني أو مشروع ديني في المقام الأول، وهو المعنى الذي كررته دار الإفتاء المصرية في ظل الجدل المثار حاليا، حين رأت أن "هذا الحكم الشرعي قطعي، ويشكل جزءا من هوية الإسلام"، وأن "الأصل في الزواج أنه أمر إلهي وسرّ مقدس، وصفه ربنا تبارك وتعالى؛ فقال (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)".

ورغم أن الحديث النبوي قد استعمل أيضا "كلمة الله"، في "اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله"، فإنه لم يقع -في حدود علمي- أن استعمل المفسرون والفقهاء السابقون مثل هذه النصوص لإثبات إلهية الزواج، فالميثاق الغليظ في القرآن يرد في سياقات أخرى، والميثاق عامة هو تعاقد بين طرفين، وغلظته قائمة على أهمية هذا التعاقد وتغليظ خيانته أو الإخلال به، بمعنى أنه يقع ضمن فئة العقود الأعلى مكانة والأكثر أهمية، فهو لا شك أعلى مقاما من عقود البيع والشراء، وكلمة الله في الحديث ترجع إلى إباحة النكاح والتزويج التي نص عليها القرآن بقوله (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء) كما قال البيهقي والنووي، وعزاه البيهقي للشافعية عامة.

فمثل هذه التعليلات بأن الزواج عقد إلهي أو ديني، هي تعبيرات غامضة، وغير قادرة على تسويغ حكم زواج المسلمة من غير المسلم؛ بل تبدو شديدة التأثر بالتصورات المسيحية الكاثوليكية للزواج، على خلاف التصورات الفقهية نفسها.

فالزواج في الفقه الإسلامي عقد من العقود، وعامة العقود هي عقود شرعية ينطبق عليها وصف "ديني"، بمعنى أنها داخلة تحت خطاب الشارع بحكم من الأحكام التكليفية الخمسة من إباحة ووجوب وتحريم وكراهة واستحباب؛ لذلك تناول الفقه جميع أفعال المكلف في مساحات متنوعة من العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والعقوبات، كما تناول الأحكام الفردية والأحكام السلطانية، والنكاح جزء من الأحوال الشخصية. وعادة ما تصنف فروع الفقه عامة إلى عبادات (وعمادها النية) ومعاملات (وعمادها المقصد)، وهذا مسلك الحنفية خاصة، وجرى عليه الشاطبي في الموافقات؛ لكن هذا التقسيم لا يمنع من تحويل كل معاملة إلى عبادة بالمعنى العام؛ بفضل النية التي يُحدثها العبد عند إتيانه بالمعاملة، وعندها سنكون أمام مفهومين للعبادة: عبادة بالمعنى الاصطلاحي أو الخاص، وعبادة بالمعنى العام.

وقد فصَلت كتب الفقه بين العبادات والنكاح مثلا؛ لأن النكاح لا يدخل في العبادات بالمعنى الخاص، وقد اختلفت المذاهب الفقهية في موقع كتاب النكاح من كتب الفقه، فالجمهور يجعلون النكاح بعد كتب العبادات لقربه منها، في حين أن الحنابلة أخروا كتاب النكاح عن العبادات وفصل بين النكاح والعبادات عندهم عدة موضوعات أخرى. والمعنى الملحوظ هنا أن الزواج عقد يقوم أساسا على العلاقة بين البشر، ويتصل بمنظومة حقوق العباد، وهي علاقة مبنية على المُشاحة، ومع ذلك فهي تنطوي أيضا على حقوق لله؛ لكن لما كانت حقوق العباد في الزواج غالبة أخرج من العبادة بالمعنى الاصطلاحي، كما أن له جانبا قانونيا تعاقديا يتطلب إرادة حرة بين طرفين من نمط باقي العقود، وذلك بخلاف العبادات التي تقوم على العلاقة بين الله والعبد، ولا تتطلب مثل تلك التعاقدات، وتحكمها النوايا والامتثال، وهي متمحضة لحق الله تعالى ومبنية على المسامحة. يبقى أن ثمة تمييزا بين عقد النكاح وباقي العقود من حيث إن عقد الزواج أشد تقييدا لجهة المباح والمحرم منه، ولجهة الأركان الواجبة فيه من باقي العقود (كالبيع والشراء)، ولهذا صار في أعلى العقود وكان ميثاقه غليظا؛ وأقر الفقهاء قاعدة مفادها أن الأصل في الأبضاع التحريم، والأصل في المعاملات الإباحة (المعاملات بالمعنى الخاص: العقود المالية وغيرها).

وفي كتب الفقه نجد مناقشات وتعليلات عديدة حول تعريف عقد النكاح، وحول حقيقته: هل هو العقد نفسه أم الوطء؟، وحول المفاضلة بينه وبين النوافل، كما نجد مناقشات لوقائع تاريخية أسلمت فيها الزوجات وبقين مع أزواجهن المشركين (من غير أهل الكتاب)، ووقائع معاكسة أسلم فيها الأزواج وبقوا مع زوجاتهن، ثم وقع إسلام الزوجات والأزواج (أي إنه تأخر إسلام أحد الزوجين عن الآخر مدة)؛ لكن الشافعي يؤول تلك الوقائع بأن إسلام أحد الزوجين إنما وقع ضمن العِدة، وذلك لتصحيح عقد الزواج، فالنقاش كله كان يدور حول صحة العقد السابق على الإسلام، وهل ينفسخ بإسلام أحد الزوجين أو لا؟ وهل يتطلب تجديدا أو لا؟. وكل هذه المناقشات تبعد عقد الزواج عن فكرة العقد الإلهي أو السر المقدس.

لم يكن هدف هذا المقال مناقشة حكم زواج المسلمة من غير المسلم في ذاته؛ بل نقد طريقة التعاطي مع مثل هذه الأحكام من جهتين: جهة من يسائلونها بدون فهم كاف لمنطقها ومصادرها، وجهة من يدافعون عنها فيخترعون لها تعليلات غائمة أو غير مقنعة، فيقعون في مشكلات جديدة، والله أعلم.

 

اترك تعليق