الأسس القيمية والتربوية في تأسيس الطريقة القادرية

بواسطة : د. علي محمد الصلابي

الأسس القيمية والتربوية في تأسيس الطريقة القادرية

بقلم: د. علي محمد الصلابي

تنتسب الطريقة القادرية ، إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني ، الذي يعتبر المؤسس الأوّل لها خصوصاً بشكلها الجماعي ، والمنظم ، والقائم على جميع المريدين ، وربطهم بمشايخ الطريقة ، لتأديبهم وتربيتهم ، حيث كان التصوّف في السابق يقوم على أساس  فردي ، لا أثر له للتجمع فيه ، ولم يظهر في شكل منظم تحت طريقة  واحدة ، إلا في عهد الشيخ عبد القادر الجيلاني والمتتبع لظهور الطرق الأخرى ، يرى أنها جميعها إنما ظهرت بعد الشيخ عبد القادر الجيلاني(، والمطَّلع على سيرة الشيخ عبد القادر ، يرى في توجيهاته ووصاياه ، التي وصّى بها أتباعه ؛ الحرص على التمسك بالكتاب والسنة ، والالتزام بالأخلاق الحميدة ، وفيما يلي عرض لأبرز معالم الجانب النظري لهذه الطريقة:

التأكيد على التمسك بالكتاب والسنة:

يقول رحمه الله وهو يوجِّه وصيته إلى ولده عبد الرزاق: أوصيك بتقوى الله، وطاعته، ولزوم الشرع، وحفظ حدوده، وتعلَّمْ يا ولدي ـ وفقنا الله وإياك والمسلمين ـ أن طريقتنا هذه مبنية على الكتاب والسنة، وسلامة الصدر، وسخاء اليد، وبذل الندى، وكف الجفا، وحمل الأذى، والصفح عن عثرات الإخوان. ويقول في موضع آخر: أدخل الظلمة بالمصباح، وهو كتاب الله وسنة رسوله e ؛ فإن خطر خاطر، أو جدَّ الهام، فأعرضه على الكتاب والسنة، فإن وجدت فيهما تحريم ذلك مثل أن تلهم الزنى، والرياء ومخالطة أهل الفسق والفجور، وغير ذلك من المعاصي، فادفعه عنك وأهجره ولا تقبله ولا تعمل به، واقطع بأنه من الشيطان اللعين.

ومن تركيز الشيخ الجيلاني على أهمية التمسّك بالكتاب والسنة أن جعلهما المقياس في ربط العلاقات الشخصية بالآخرين بقوله: إذا وجدت في نفسك بغض شخص، أو حبه، فاعرضه على الكتاب والسنة، ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله.

خلو طريقته من الأفكار والفلسفات التي كانت سائدة في عصره:

نتيجة ترجمة المعارف اليونانية، وتأثيرها على العقول والأفهام، حتى وقع في حبائلها كثير من المتصوفة، فاسـتخدموا ألفاظها ومصطلحاتها مثل الهيولى، والعرض، والجوهر.

تركيزه على الاهتمام بالجوانب العملية:

 وتجنب الإغراق في الأمور النظرية، والمقدمات الجدلية العقيمة، دليل ذلك ما طبقه في حياته وما ربَّى عليه أتباعه، وما وضعه من أصول لطريقته، التي تعتمد على سبعة أصول هي: المجاهدة، التوكل، حسن الخلق، الشكر، الصدق، الرضا، الصبر. وقد تحدثنا عن هذه الأصول بالتفصيل، في مبحث المقامات والأحوال.

 وضعه لمجموعة من الآداب والتعاليم:

التي يجب أن يتعامل بها المنتسب لطريقته، سواء مع النفس، أو مع الشيخ أو مع الناس، وقد تكلمنا عن ذلك.

تأكيده على وجوب تعظيم أوامر الله سبحانه وامتثالها:

والبعد عن نواهيه، واجتنابها، والرضا بأقدار الله والاستسلام لها، يقول ـ رحمه الله ـ: لا بدَّ لكل مؤمن، في سائر أحواله، من ثلاثة أشياء: أمرٌ يمتثله، ونهي يجتنبه، وقدر يرضى به، فأقل حالة المؤمن لا يخلو فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة، فينبغي أن يلزم همها قلبه، ويحدّث بها نفسه، ويؤاخذ الجوارح بها، في سائر أحواله.

وقد شرح ابن تيمية كلام الشيخ عبد القادر واستحسنه بقوله: هذا كلام شريف جامع، يحتاج إليه كل أحد، وهو تفصيل لما يحتاج إليه العبد، وهي مطابقة لقوله تعالى: {إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [يوسف: 90] ولقوله تعالى: {وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡ‍ًٔاۗ} [آل عمران: 120]. ولقوله تعالى: {وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} [عمران: 186] فإن التقوى تتضمن فعل المأمور وترك المحظور ، والصبر على المقدور ، فالثلاثة ترجع إلى هذين الأصلين  والثلاثة في الحقيقة ترجع إلى امتثال الأمر ، وهو طاعة الله   ورسوله ، وهو أن يفعل في ذلك الوقت ما أمر به في ذلك ، وطاعة الله ورسوله ؛ هي عبادته التي خلق لها الجن والإنس كما قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ} [الذاريات: 56] وقال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]. والرسل كلهم أمروا قومهم، أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئاً وقال الله تعالى: {وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36]

وقال الله تعالى: {وَسۡ‍َٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ} [الزخرف: 45] ثم مضى رحمه الله ـ في توجيه كلام الشيخ عبد القادر الجيلاني، وشرح مراده من تلك العبارات.

هذه هي أهم الأسس التي أوصى بها الشيخ عبد القادر، وأتباعه المنتسبين لطريقته. وقد أثنى ابن تيمية على الشيخ عبد القادر الجيلاني، واعتبره من ضمن أئمته فقد قال: والذي نختار قول أئمتنا.. ومن متأخريهم الشيخ الإمام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني.

 

البدعة وموقف الشيخ عبد القادر منها

 

أهمية الاعتصام بالكتاب والسنة:

مدار سعادة الإنسان في الدارين، وفوزه وفلاحه في الحياتين، يعتمد على مدى اعتصامه بكتاب الله، وسنة رسوله e ، لأنهما النوران اللذان يضيئان للإنسان طريقه، وهو يعبر دروب الحياة ومجاهيلها. والشيخ عبد القادر يقرر ذلك في قوله: لا فلاح   لك، حتى تتبع الكتاب والسنة ويقول: إذا لم تتبع الكتاب والسنة ولا الشيوخ العارفين بهما فما تفلح أبداً

ذم البدع والتحذير منها:

والشيخ عبد القادر الجيلاني يحذر دائماً من الابتداع في الدين، ويوصي بالاتباع ويقرن ذلك بوصيته بالتوحيد مجانبة الشرك، حيث يقول: اتبعوا ولا تبتدعوا، وأطيعوا ولا تمرقوا، ووحدوا ولا تشركوا ويقول في موضع آخر: اتبعوا ولا تبتدعوا، وافقوا ولا تخالفوا، أطيعوا ولا تعصوا، أخلصوا ولا تشركوا.

وبين أن أساس الخير في متابعة النبي e فيقول: أساس الخير متابعة النبي e في قوله وفعله، ثم بين أن الأولى للمؤمن العاقل أن يتبع السنة فيقول: والأولى للعاقل المؤمن الكيس، أن يتبع ولا يبتدع، ولا يغالي ويعمق ويتكلف، لئلا يضل ويزل ويهلك.

وقد استدل أهل السنة والجماعة على ذم البدع، ومحاربتها بالأدلة الكثيرة من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله e قال تعالى: {فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]. وقال e : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.

وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني أيضاً:

فعلى المؤمن اتباع السنة والجماعة، فالسنة ما سنه رسول الله e والجماعة ما اتّفق عليه أصحاب رسول الله e في خلافة الأئمة الأربعة، الخلفاء الراشدين المهديين رحمة الله عليهم أجمعين. ثم بعد هذا التعريف لأهل السنة والجماعة يـحذر من أهل البدع فيقول: وألا يكاثر أهل البدع ولا يدانيهم ولا يسلم عليهم، لأن الإمام أحمد رحمه الله قال: من سلم على صاحب بدعة فقد أحبه، ولقول النبي e : «أفشوا السلام بينكم تحابوا».

ولا يجالسهم، ولا يقرب منهم، ولا يهنيهم في الأعياد وأوقات السرور، ولا يصلي عليهم إذا ماتوا، ولا يترحم عليهم إذا ذكروا، بل يباينهم ويعاديهم في الله عز وجل معتقداً ومحتسباً بذلك الثواب الجزيل والأجر الكثير.

وقال: واعلم أن لأهل البدع علامات يعرفون بها؛ فعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر ، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر بالحشوية ، وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة ، وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة ، وعلامة الرافضة تسميتهم أهل الأثر ناصبة ، وكل ذلك عصبية وغياظ لأهل السنة ، ولا اسم لهم إلا اسما واحداً وهو أصحاب الحديث ، ولا يلتصق بهم ما لقبَهم به أهل البدع ، كما لم يلتصق بالنبي e تسمية كفار مكة له ساحراً وشاعراً ومجنوناً ومفتوناً وكاهناً ، ولم يكن اسمه عند الله وعند ملائكته وعند إنسه وجنه وسائر خلقه ، إلا رسولاً نبياً بريئاً من العاهات كلها.

طاعة أولي الأمر:

يرى الشيخ عبد القادر الجيلاني، طاعة أولي الأمر حيث يقول: وأهل السنة أجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وأتباعهم، والصلاة خلف كل برّ منهم وفاجر، والعادل منهم والجائر، ومن ولَّوه ونصبوه واستنابوه.

فكانت هذه جهود الشيخ عبد القادر الجيلاني في تأسيس الطريقة القادرية وربط المريدين وجمعهم بمشايخ الطريقة وِفق نظام وأسس واضحة وتبيان موقفه من البدعة وتحذيره منها وتبيان أهمية الاعتصام بالكتاب والسنة

 

المصادر والمراجع:

علي محمد الصلابي، كتاب العالم الكبير والمربي الشهير الشيخ عبد القادر الجيلاني،

 ص39) -42) – ((77-75

 فتوح الغيب للجيلاني، المقالة الثانية ص10.

فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (10/465).

 

اترك تعليق