الشيخ راتب النابلسي: رمضان دورة تدريبية مع الله.. ونجاح الإسلام مرهون بتطبيقه (حوار)

بواسطة :

الشيخ راتب النابلسي: رمضان دورة تدريبية مع الله.. ونجاح الإسلام مرهون بتطبيقه (حوار)

- الصيام عبادة جماعية يعلّم التعاون والنظام

- الازدواجيَّة أخطر ما يصيب أهل الدين

عندما تنفصل المعاملة عن العبادة انتهى الدين

أذكى الأذكياء وأعقل العقلاء هو الذي يتاجر مع الله

لا يزهد في الجنة إلا أحمق ولا يسعى إليها إلا عاقل

 

قال عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ محمد راتب النابلسي، إن المسلمين لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه اليوم إلا لأنهم توهَّموا أن الإسلام مجموعة عبادات شعائرية فقط، هي الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة.

وقال الشيخ اذا أردنا لهذا الدين النجاح فلابدَّ من أن نطبِّقه، وأن نعقلنه، وأن نُبَسِّطه للناس، موضحاً، يجب أن يُبَسَّط الإسلام، وأن يُعَقلن أي يتوافق مع العقل، وأن يُطبَّق.

وذكر الشيخ بان الصيام عبادة جماعية، وفكرة ، ومعاناة، وتقوية الإرادة على طاعة الله، كما دعا المسلم بأن تكون سرعته مئة في رمضان وان يهيئ نفسه له، وان كانت هناك مشكلة يجب حلَّها قبل رمضان، فاذا كانت عويصة أجّلها إلى ما بعد رمضان، وان يسارع في أعمال الخير بان يكسو بيت فقير، او يطعم أسرة جائع.

وإلى نص الحوار:

ـ: فضيلة الشيخ كيف تنظر لحال الأمة الإسلامية الآن.. وهل الإسلام مجرد شعائر تعبدية فقط ؟

ـ ما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه اليوم إلا لأنهم توهَّموا أن الإسلام مجموعة عبادات شعائرية فقط، هي الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، بينما يحوي الإسلام وأرجو ألا أُبالغ ـ مئة ألف بند تقريباً ؛ بنود في كسب المال، بنود في إنفاق المال، بنود في الزواج، بنود في الطلاق، بنود في المجالس، بنود في أداء الحِرَف، بنود في السفر، بنود في الإقامة، بنود في تربية الأولاد، هو منهج كامل.

هذا الدين إن أردنا له النجاح لا بدَّ من أن نطبِّقه، وأن نعقلنه، وأن نُبَسِّطه للناس، يجب أن يُبَسَّط، ويجب أن يُعَقلن أي يتوافق مع العقل، ويجب أن يُطبَّق ، طبِّق وكن عاقلاً، عقلنه، وطبِّقه، وبَسِّطه ينتشر الدين.

ينبغي على المؤمن أن تكون سريرته كعلانيَّته، وظاهره كباطنه، وما في قلبه على لسانه ، وخلوته كجلوته ، لا توجد عند المؤمن ازدواجيَّة ، هذا الانسجام يجعل الدعوة تنتشر في الآفاق .

إخفاق دعوة الدعاة

ـ: هل الازدواجية في الحياة تتناقض مع الايمان؟

ـ أخطر شيء يصيب أهل الدين الازدواجيَّة، أي أن هناك نصوص وهناك طقوس وعبادات، أما المعاملة فهي شيءٌ آخر ، عندما تنفصل المعاملة عن العبادة انتهى الدين، يوجد في الدين عبادة تعامليَّة، وعبادة شعائريَّة، وهما متكاملتان ، والعبادة الشعائريَّة لا قيمة لها إلا بالتعامليَّة، فإذا ألغينا التعامليَّة ألغينا الدين كلَّه .

فسر نجاح دعوة الأنبياء، وإخفاق دعوة الدعاة في أيامنا؟ عدم وجود ازدواجيَّة عن الأنبياء أبداً ، فالذي يقوله النبي يفعله، والذي يفعله يقوله، فالانسجام تام بين أقواله وأفعاله، ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلا اللَّهَ﴾ (سورة الأحزاب : آية “39 “)

ذكر الله عزَّ وجل بهذه الآية صفة واحدة، وهذه الصفة جامعة مانعة، هذا الذي يدعو إلى الله إذا خشي غير الله فتكلَّم بالباطل إرضاءً له ، وإذا خشي غير الله سكت عن الحق إرضاءً له ، سكت عن الحق ونطق بالباطل ماذا بقي من دعوته ؟ انتهت دعوته، هذه أخطر صفة للداعية أن لا يخشى إلا الله.

ـ: ماذا عن الذين يتاجرون بالدين؟

ـ يمكن للإنسان أن يتاجر بالدين، ويمكن أن يستخدم القرآن لمصالحه، ويمكن أن يستخدم العلوم الدينية لمصالحه، ولكن هذا الإنسان هو أشقى الناس .

هذا الدين منهج الإنسان للوصول إلى الجنة، هل من الممكن أن أتاجر فيه؟ قال الإمام الشافعي : “والله لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين”، دع الدين بالعلياء، دعه صافياً، دعه بعيداً عن وحل الأرض، إذا أردت الدنيا فللدنيا أسبابها، أما الدين فلا تجعله في الوحل، أبقه في السماء.

فالدنيا لا قيمة لها؛ تغر وتضر وتمر، الدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له، ولو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، من يضحك أخيراً يضحك كثيراً.

فالمؤمن محسوب على الله، أما غير المؤمن محسوب على بشر، فكل إنسان يكون لغير الله فقد احتقر نفسه، لم يعرف قدره، أنت لله، فالمؤمن لا ينافق، ولا يزوِّر، ولا يتكلم كلاماً لا يقتنع به، المؤمن رجل حق وصدق.

:ـ كيف يستطيع الإنسان أن يسعى إلى الجنة في ظل شواغل الحياة الدنيا؟

ـ أذكى الأذكياء وأعقل العقلاء هو الذي يتاجر مع الله، من هو أغبى الأغبياء بالمقابل ؟ الذي يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، بالعكس باع الآخرة من أجل المال، مهما كان هذا المال سينتهي عند الموت، كسب مالاً حراماً وضيَّع آخرته، فمن أجل امرأة ضيَّع آخرته، ومن أجل مكانة مؤقتة لا تدوم ضيع آخرته، أحمق الحمقى، وأغبى الأغبياء، وأخسر الخاسرين، هؤلاء الذين يبيعون الأبد بدنيا محدودة، بدنيا قليلة.

فلا يزهد في الجنة إلا أحمق ولا يسعى إليها إلا عاقل، والإنسان طموح، المؤمن في الدنيا طموح جداً لأنه يسعى إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض فيها مالا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر.

ـ: فضيلة الشيخ ما الذي يفرق المؤمن عن الكافر؟

الكافر متفلِّت يفعل ما يشاء، أما المؤمن فهو منضبط، الكافر يأكل ما يشاء، يشرب ما يشاء، يلتقي مع من يشاء ، ويجلس مع من يشاء، أما المؤمن عنده حدود، إذاً بماذا يضحي الإنسان عندما يستقيم ؟ يضحي ببعض حريته، يضحي ببعض حريته لزمنٍ محدود لينعم بجنةٍ عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين .

ـ: ما نصيحتك للمسلم في رمضان رمضان؟

ـ هناك فكرة دقيقة، يجب أن تكون سرعتك في رمضان مئة، أنت هنا صفر، أو واحد، أنت لا تقدر أن تمشي على الواحد، لـ29 شعبان، وتقفز فوراً للمئة، لا تستطيع ، المفروض أن تهيئ نفسك، هناك مشكلة حلَّها قبل رمضان، فاذا كانت هناك مشكلة عويصة أجّلها إلى ما بعد رمضان، محاولة كسوة بيت افعلها قبل رمضان، لأن رمضان شهر عبادة، شهر تفرغ ، والحقيقة النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتكف في رمضان ، وهو انقطاع عن العالم الخارجي كلياً، أنا قد لا أحثكم على أن تعتكفوا، الحياة معقدة ، الحياة معقدة جداً ، ولكن معنى الاعتكاف أن تنقطع عن العالم الخارجي، عن عالم القيل والقال، والسؤال والجواب، والنقد  والهموم والأحزان، هذا شهر دورة تدريبية مع الله ، لأن العبادة فيها شحنة.

أوضح مثل على ذلك : الهاتف المحمول يحتاج إلى شحن، فإن لم تشحنه تنطفئ شاشته ويسكت، أصبح قطعة بلاستيك لا قيمة لها إطلاقاً، وأنت كمؤمن تحتاج إلى شحن ، الشحن كم نوعا ؟ عندنا شحن يومي ، كلما وقفت في الصلاة من أجل أن تُشحن شحنة روحية ، لذلك : ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6)إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ حينما تُشحن في صلاة الفجر تشعر طوال اليوم أنك ترى الحقيقة، وأنك مالكٌ لجوارحك، وأن كلامك سديد، وأن قلبك مستنير، وأن نفسك مطمئنة، وأن رحمة الله تحفّ بك ، وأن توفيق الله عز وجل يؤيدك.

إذاً الصلاة شحنة، لكن طبيعة الصلاة ثلث ساعة، شحنة من الصباح إلى الظهر، الظهر شحنة ثانية إلى العصر ، العصر شحنة ثالثة ، إلى المغرب، المغرب شحنة إلى العشاء.

العبادات شحنات ، وكلما كان الأمد أطول كانت الشحنة أشد ، هذا معنى من معاني الصيام .

ـ: هل الصيام في رمضان يقوي الإرادة؟

ـ الصيام بادئ ذي بدء : عودك على أن تطيع الله ، لأنك تركت المباحات ، فلأن تدح المنهيات من باب أولى .

إذاً المسلم يصوم بفمه وجوارحه في رمضان ، وفي شوال يفطر بفمه فقط ، وتبقى جوارحه صائمة إلى نهاية العام ، وغض بصره ، وضبط لسانه ، وتحري الحلال ، هذا طوال العام ، هذا واحد .

الصيام تقوية الإرادة على طاعة الله ، لكن نحن نتمنى من أعماق أعماقنا ألاّ يكون صيامنا صيام حديث، موسم رمضان في المجتمعات المعاصرة موسم الأفلام، موسم الفن ، موسم السهرات ، موسم الولائم ، موسم التخمة ، موسم السهر إلى ساعة متأخرة من الليل ، المؤمن يجعل من هذا الشهر شهر عبادة ، لا شهر لقاءات وولائم ، وما شاكل ذلك ، والطبقة المخملية ـ والعياذ بالله ـ صيام رمضان عندها فلكلور ، تأتي إلى الخيام الرمضانية تبدأ الخيمة بتناول طعام الإفطار ، وتنتهي بالرقص والموسيقى والغناء ، رمضان عند الشاردين موسم فني فقط ، وكل الأعمال الساقطة يكتبون عنها : ” إكراماً لقدوم شهر رمضان المبارك ” ، نحن كمؤمنين هذا الشهر شهر عبادة ، يمكن أن تقفز قفزة نوعية في هذا الشهر.

الشبع والأمن

ـ: هل الصيام في رمضان جوع وعطش فقط؟

  • الصيام فكرة ، ومعاناة : لو أن لك صديقا نشأ خلاف بينه وبين زوجته، وتركته إلى بيت أهلها، أنت عندك فكرة أن زوجة صديقك ذهبت إلى بيت أهلها، هذه فكرة لا تقدم ولا تؤخر ، ولا تؤثر على سلامتك وسعادتك، أما الصديق فيأتي ظهراً فلا يجد زوجة، وطبخا، ولا طعاما ، الأولاد يحتاجون إلى عناية ، الصديق عنده المعاناة ، وأنت عندك فكرة هجر الزوجة ، الفرق كبير

مثلاً: لو أريتك خارطة لقصر، وفيها كل شيء ، الطوابق ، والغرف مساحاتها ، الشرفات ، هذه فكرة ، أما أن تملك هذا القصر فشيء ثانٍ لو قلت لك : مئة مليون دولار ، هذه واضحة ، بين أن تملكها وأن تنطق بها فرق كبير جداً، مئة مليون دولار، النطق بها سهل جداً لذلك في رمضان تعرف معاناة الفقير أبداً، ولا يعرف الشوق إلا من يكابده.. ولا الصبابة إلا من يعانيها لذلك قالوا أنت في رمضان يمكن أن تعاني مشكلة الفقير، لانك جائع ، فالذي ملأ معدته بالأكل لا يعنيه ، أما الجائع فمنظر الأكل ، ورائحة الطعام تعنيه ، إذاً : يمكن أن تشعر بجوع الفقير في رمضان ، وأن الجوع شيء لا يحتمل ، الله عز وجل ذكر نعمتين عظيمتين من نعمه ، فقال : ﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، وأكبر نعمتين على الإطلاق أن تأكل فلا تجوع ، وأن تأمن فلا تخاف ، الآن أكبر عقابين للأقوام الفاسدة : ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾

وأكبر نعمتين الشبع والأمن ، وأكبر نقمتين الجوع والخوف ، ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾، إذاً أنت في رمضان فضلاً عن أنك تستعين بالصيام على طاعة الله التامة لأنك تركت الحلال، تركت المباح فلأن تدع الحرام من باب أولى، وأعانك الله بالصيام على أن تشعر بجوع الفقير ، أعانك الله بالصيام على أن تشعر بعبوديتك لله عز وجل.

عبادة جماعية

ـ: ما الفارق بين الصيام والعبادات الاخرى؟

ـ الصيام عبادة جماعية، تصور مثلا بلد فيها ملايين الناس، يأكلون في ثانية واحدة عقب إطلاق مدفع الإفطار، الطرقات فارغة، عبادة جماعية، النظام محبب، فكأن الله سبحانه وتعالى أرادنا أن نُنظم، تجد في رمضان النظام، الإمساك عن الطعام يتم مع أذان الإمساك، الصلوات في المسجد، الفجر في المسجد، العشاء في المسجد، الإفطار في وقت واحد، لذلك الصيام عبادة جماعية، يعلّم التعاون ، يعلّم النظام .

حدثني مرة أخ والده ضابط، نحن من ثلاثين سنة نتناول طعام الغداء مع دقات ساعة بيك بن، الساعة الثانية، في البيت نظام صارم ، وجبات الطعام لها أوقات .

النظام حضارة أيها الإخوة، أحياناً يأتي سائح أجنبي يرى الطرقات عند المغرب فارغة، ما هذا؟ يشعر أن هناك عبادة جماعية، الله عز وجل أرادنا أن نكون منظمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: الحقيقة بوست حاوره : عبد الحميد قطب - (نشر الحوار في عام 2016 بجريدة الشرق القطرية)

 

اترك تعليق