الديكتاتورية الدستورية في تونس: بين مقصد التغيير ووسائله

بواسطة : معتز الخطيب

الديكتاتورية الدستورية في تونس: بين مقصد التغيير ووسائله

بقلم: د. معتز الخطيب – عضو الاتحاد

 

في 23 مايو/أيار الماضي نشر موقع "ميدل إيست آي" (Middle East Eye) تقريرًا كتبه ديفيد هيرست (David Hearst ) وأريب الله (Areeb Ullah) بعنوان "وثيقة رئاسية تونسية سرية للغاية تحدد الخطوط العريضة لخطة دكتاتورية دستورية"، وقد أُرّخت الوثيقة المسربة بـ13 مايو/أيار، ولكن حسب مصدر مقرب من مستشاري الرئيس التونسي قيس سعيّد، فإن الخطة كانت محلّ نقاش منذ أبريل/نيسان الماضي قبل أن تُقدم إلى الرئيس. تصف الوثيقة التي صُنِّفت على أنها "سري مطلق"، قبل نحو شهرين، مضمون ما أعلنه الرئيس التونسي قبل أيام، ولكن مع تعديلات طفيفة لا تغير جوهر الموضوع، وهو التأسيس لما سمي "دكتاتورية دستورية"، وقد اتضح الآن في يوليو/تموز أن الوثيقة التي نُفيت صحتها في مايو/أيار صحيحة بالفعل، بل ربما كان من المقرر أن تنفذ قبل ذلك ولكن تنفيذها تأخر بعد تسريبها مع إدخال تعديلات عليها.

 

وفي 22 يوليو/تموز الحالي نشر قائد شرطة دبي السابق ضاحي خلفان تعليقًا على موقعه الشخصي بتويتر يقول فيه "أخبار سارة! ضربة جديدة قوية جاية للإخونجية"، وسبق للرئيس قيس سعيّد أستاذ القانون السابق أن عبّر في 2013 على شاشة التلفزيون التونسي عن تخوفه من أن يأكل الدستورَ التونسي القادم (الذي أُقرّ بعد ذلك في 2014) "أتانٌ أو حمارٌ من سلالة الحمار الأول"، في إشارة إلى مقطع من مسرحية غُربة التي يتحدث فيها الفنان دريد لحام عن دستور الضيعة الذي أكله الحمار!

 

تثير هذه المعطيات 3 أمور:

 

الأول: كيفية تعاطي الأحزاب التونسية، بخاصة حركة النهضة، مع الوثيقة المسربة التي وَصفت ما اتضح الآن أنه كان سيجري بعد شهرين، وما إذا كانت قد صدّقت حينئذ الرواية التي قُدمت من طرف الرئيس ودائرته عن الوثيقة المسربة، وأنها مجرد مقترح أولي. وهذا أمر يعيدنا مجددًا إلى مسألة تدبير الصراع السياسي وموقع "حسن الظن" فيه الذي يسترسل فيه الإسلاميون، في ما يبدو، أثناء خوضهم صراعاتهم السياسية، وما إذا كان حسن الظن يمكن أن يحول دون وضع سيناريوهات متعددة تشمل مختلف الاحتمالات بحيث لا يكون ثَم مفاجآت.

 

الثاني: أن الخطوة التي أقدم عليها الرئيس التونسي تَوفر لها ترتيبات داخلية وخارجية، وهو ما يذكرنا بانقلاب يوليو/تموز في مصر الذي انطوى تمريره على قدر كبير من الغفلة عن قراءة المشهد السياسي، من دون الجزم بأن تونس ستكون نسخة مطابقة من مصر، ولكن أجندة الدكتاتورية وأعداء الثورات واحدة وإن كانت تخضع لمغالبات وظروف مختلفة ولكنها متشابهة أيضًا.

 

الثالث: أن تخوف سعيّد على الدستور من أتان أو حمار يأكله يعكس في الواقع موقف سعيّد نفسه من الدستور الذي أُقرّ في تونس 2014، ويستبطن الوصاية المزدوجة عليه؛ بوصفه رئيسًا من جهة، وبوصفه أستاذًا سابقًا للقانون من جهة أخرى، ومن ثم فقد بدا من تعليقه على وصف قراراته بالانقلاب ما يُظهر أنه يرى أنه -وحده- الوصي على الدستور والمفسر الحقيقي له، بعيدًا عن مؤسسات الدولة وعن خبراء القانون، ومنهم أستاذ القانون عياض بن عاشور الذي عدّ قرارات سعيد "انقلابًا على الدستور بأتم معنى الكلمة"، لعدم توفر الشروط الجوهرية والشكلية لتطبيق الفصل 80 من الدستور الذي زعم الرئيس الاستناد إليه في قراراته.

 

ينطوي الفصل 80 من الدستور التونسي على شرط جوهري وآخر شكلي:

 

فالشرط الجوهري يلخصه نص الدستور؛ إذ يتحدث عن حالة "تعرض البلاد لخطر داهم مهدِّد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة". أي إنه يحيل إلى شرط مركب أو شرطين يرتبط أحدهما بالآخر، وهو غير موجود في واقع تونس حاليًّا، وقد قال عياض إن "المسؤول الأول عن توقيف البلاد هو رئيس الجمهورية، كما أن الأزمة التي تعيشها البلاد لم تبلغ حالة الخطر الداهم الذي يهدد كيان الدولة".

 

أما الشرط الشكلي فيتمثل في استشارة الرئيس لرئيسي الحكومة والبرلمان، وإعلام رئيس المحكمة الدستورية بقرار اللجوء إلى الفصل 80، وهو ما لم يقع؛ فمن جهة سبق للرئيس نفسه أن رفض التوقيع على قرار تشكيل المحكمة الدستورية، وبفضله هي غير موجودة، ومن جهة أخرى فإنه لم تجر استشارة رئيسي الحكومة والبرلمان، ما يعني أن القرار اتخذ بشكل فردي تمامًا ولمصلحة الفرد متخذ القرارات نفسه، وهو خلاف نص الدستور أولًا، وخلاف المعايير الأخلاقية لأن الرئيس صاحب مصلحة في هذا، ومبدأ عدم تعارض المصالح يجب اعتباره هنا (conflict of interests)، فقد أصبح الرئيس بهذه القرارات هو رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والنائب العام، كما أن النص الدستوري الذي استند إليه لا يوضح التدابير الاستثنائية الرامية إلى "ضمان العودة إلى العمل المنتظم للسلطات العامة في أقرب وقت ممكن"، أي إنه ليست هناك خريطة عمل واضحة بل إن القرارات مفتوحة على مجهول وبقرارات فرد واحد عطّل فيها جميع مؤسسات الدولة!

 

ثم إن نص الدستور يتحدث عن أنه في الحالة المشار إليها "يعدّ مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طوال هذه الفترة"، ما يعني أن المجلس لا يمكن حلّه ولا يمكن تجميد مساره، وذلك على عكس قرار سعيّد الذي ألغى جميع السلطات والمؤسسات واستولى عليها بمفرده، بل أضاف إليها أمرًا لم يُسبق إليه وهو تعيين نفسه نائبًا عامًّا، أي إنه صار هو الخصم والحَكَم في الوقت نفسه، وقد دفعت هذه المقدمات عياضًا إلى استنتاج أن أداء الرئيس سعيد "كان يعبر عن مخطط لتوقيف الدستور والانقلاب عليه".

 

سياسيًّا، عارضت هذه القرارات أغلب الكتل البرلمانية في تونس ولم تحظ سوى بتأييد هامشي؛ فقد عارضتها حركة النهضة (53 نائبا من أصل 217)، وكتلة قلب تونس (29 نائبا) وكتلة التيار الديمقراطي (22 نائبا) وكتلة ائتلاف الكرامة (18 مقعدا)، في حين أيّدتها حركة الشعب (15 نائبا)، وهذه تدفع إلى الحذر من إطلاق تعميمات هنا وهناك وقسرها على الدخول في ثنائية مغلوطة "إسلامي-علماني" فقط؛ في حين إن الصراع السياسي في تونس أوسع من ذلك وهو صراع بين الديمقراطية والدكتاتورية أو النزوع إلى استعادتها.

 

شعبيًّا، حظيت القرارات بتأييد فئة شعبية مؤيدة لشخص الرئيس، وناقمة على النخبة السياسية بخاصة على حركة النهضة التي تسود ضدها حالة سخط نتيجة أسباب عدة ليس هنا مجال بحثها، ولكن يبدو أن بعضها مسوّغ وبعضها غير مسوّغ؛ إذ إن نسبة مشاركتها في الحكومة والبرلمان لم تفتأ تتناقص خلال العقد الماضي.

 

ويخلط مؤيدو قرارات الرئيس بين أمرين ينبغي الفصل بينهما:

 

الأول: نبذ الحكم الفردي وخرق الدستور والعودة إلى سنة بن علي عبر تجميع السلطات في يد شخص واحد وإن كان منتخبًا لأن ذلك يعني إجهاص مكتسبات الثورة التونسية والعملية الديمقراطية التي تحققت في تونس خلال العقد الماضي.

 

الثاني: الخلاف أو الخصومة مع حركة النهضة أو مع النخبة السياسية القائمة التي يناط بها ما آل إليه الوضع المتأزم في تونس، الذي يثير سخط شرائح متنوعة من الشعب آخرها أزمة كورونا التي تعصف بالبلاد. ولكن لا بد من توضيح أن الرئيس بشخصه ومنصبه هو جزء أصيل من المأزق الذي يعصف بالبلاد وليس بمنأى عنه، ففي أبريل/نيسان الماضي أوقف سعيّد الجهود البرلمانية لإنشاء محكمة دستورية، وهي عنصر أساسي في الثورة التونسية من شأنه أن يعزز الديمقراطية، وفي يناير/كانون الثاني رفض سعيّد أيضًا أداء اليمين لوزراء اختارهم رئيس الحكومة الحالية في تعديل وزاري؛ بحجة أن الأفراد المعنيين لديهم تضارب في المصالح. والقرارات التي اتخذها سعيد، التي تسهل له السيطرة الكاملة على البلاد والتفرد بكل السلطات، هي دليلٌ على كونه طرفًا وخصمًا سياسيًّا لا حَكَمًا بين الفرقاء، فقد رفض كل مبادرات الحوار السياسي لأن هدفه -في ما يبدو- أمران: تعديل الدستور الذي بدأ التشكيك فيه قبل إقراره كما سبق، وإلغاء الانتخابات التشريعية وتعديل نظام الانتخاب لتصفية خصومه، وخاصة من حركة النهضة.

 

إننا إذن أمام مشهد معقد يختلط فيه الدستوري بالسياسي بالشعبي. فالمأزق الحالي في تونس له وجهان:

الأول: سياسي؛ نظرًا إلى أن حيثيات اتخاذ قرارات الرئيس ترجع إلى حالة الانقسام السياسي الذي يسود البلاد والذي تم إسقاط الفصل 80 من الدستور عليه،

والثاني: شعبي لجهة أن ثمة شرائح شعبيّة حانقة على النخبة السياسية بسبب الوضع العام في البلاد، وعلى الرغم من هذين الوجهين، فإنه لا يمكن إغفال مركزية الوجه الثالث (بل يجب أن يكون الأول) وهو دستوري، ويجب أن تنطوي تحته جميع الوجوه؛ فهو المرجعية العليا التي على الجميع أن يلتزم بها ويخضع لها، وألا تكون موضوعًا للخلاف السياسي أو الخصومة الحزبية؛ خصوصًا أنه يعكس منجزات الثورة التونسية. وعدم فض الاشتباك بين هذه الوجوه ومراتبها من شأنه أن يُجهض الديمقراطية التونسية.

 

ثمة نقطة مهمة يجب التوقف عندها، وهي تحاشي الانزلاق إلى اتخاذ مواقف سياسية تتأسس شرعيتها فقط على الكراهية الأيديولوجية أو النكاية السياسية، كتأييد قرارات سعيد لمجرد أنها ضد حركة النهضة أو لأنها ستعصف بالنخبة السياسية الحاكمة، أو لأنها ستقود إلى إقصاء الإسلاميين من السلطة لأن مثل هذه الشرعية ليست شرعية أخلاقية ولا سياسية، بل تعبر عن مراهقة سياسية وستكون ضد المصلحة العامة للبلاد أولًا، وستضر بمكسب الديمقراطية الذي تحقق في تونس حتى الآن.

 

وتتمثل مشكلة هذا الموقف في أمرين:

 

الأول: أنه ينشد التغيير لمجرد التغيير، من دون أي حسابات أو ضمانات بحيث يقود هذا التغيير إلى ما هو أفضل سواء بمعيار المصلحة الفردية أم العامة، ومن ثم فإن تغيير المفاسد القائمة بأي وسيلة كانت سيقود إلى مفاسد أشد مما هو واقع الآن لأن شرعية التغيير لا تتأسس إلا على الكراهية أو النكاية وليس على حسابات مصلحية معقولة ومؤسسية وفق معايير واضحة ومنضبطة.

 

الثاني: أنه يخلط بين المقصد والوسيلة المؤدية إلى المقصد، أي إنه يضحي بفكرة المعايير الحاكمة لأي تغيير بحيث يكون أجدى وأنفع، ومحققًا للمقصد الذي إنما يُطلب التغيير من أجل تحقيقه. فلا يمكن القبول بحكم فردي مطلق لمجرد تحقيق التغيير في النخبة السياسية الحاكمة مهما كان موقفنا منها ومن أدائها؛ خصوصًا أن رئيس الدولة هو جزء أصيل من هذه النخبة التي هي محل سخط وغضب شعبي، وهو جزء معطّل فيها!

 

لست أناقش هنا الخلافات السياسية ولا التنافس والخصومة الحزبية لأنني معنيٌّ بالحفاظ على المنجز الديمقراطي الوحيد الذي تحقق في العالم العربي خلال مرحلة الربيع العربي، وهذا يعني أمرين:

 

أولهما: أن الخلاف هنا إنما هو بشأن مسألة تتصل بنظام الحكم نفسه لا بخلاف حزبي سياسي بين الفرقاء، ولا يوجد عاقل يمكن أن يضحي بالنظام الديمقراطي لتحقيق هدف قاصر هو التخلص من الخصوم السياسيين أو الأيديولوجيين.

 

ثانيهما: أن الحفاظ على المنجز الديمقراطي التونسي وصيانته وتقويته مطلب ضروريّ لكل الديمقراطيين العرب، ومن ثم فهو ليس شأنًا تونسيًّا داخليًّا فحسب، بل شأن عربي؛ ولا سيما أنه المثال الوحيد الباقي حتى الآن لخلخلة أطروحة الاستثناء الديمقراطي العربي، والمزاعم بأن الاستعصاء الديمقراطي في العالم العربي إنما يرجع إلى طبائع تخص العرب والمسلمين، وهي طبائع تتصل بأبعاد عرقية وثقافية ودينية، في حين إن الواقع أنها إنما تتصل بحالة جرَب أصابت النظم السياسية العربية، ومن ثم فهي تعمل على أن يعمّ هذا الجرب جميع المحيط لأن وجود نظام صحيح وصحي محرج لها ويعكر عليها صفو دكتاتوريتها.

 

وحين نميز بين المقصد ووسائله فإننا نحيل إلى مسألة حاسمة في النظام الديمقراطي الذي يعدّ الوسائل نفسها جزءًا جوهريًّا من العملية الديمقراطية نفسها لأن العمل المؤسسي (وهو على النقيض من حكم الفرد) هو في ذاته أمر جيد وينطوي على قيمة، ولذلك يجب الحفاظ عليه مهما كانت نتائجه لأنه الضامن الوحيد لمصلحة المجموع ولمصلحة الجميع على السواء، ولا يوجد بديل له سوى العمل الفردي المؤسّس للدكتاتورية والفساد المطلق.


اترك تعليق