سلسلة إضاءات إيمانية : المجال العقلي

بواسطة : د عبد الكامل أوزال

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد في الأولين والآخرين، إمام المتقين، وخاتم النبيئين والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

سلسلة إضاءات إيمانية

د. عبد الكامل أوزال – عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين     

 

3) المجال العقلي:

يحضر هذا المجال بقوة في سور وآيات القرآن الكريم من حيث اعتبار العقل خاصية فريدة تميز الإنسان عن سائر المخلوقات الأرضية الأخرى. فبالعقل وصل هذا الإنسان إلى مرتبة التكريم العليا، وبالعقل شرف كذلك الإنسان وسما في ملكوت الرحمن، فامتلأ وقته كله بجلائل الأعمال، وعظُم خوفه من شدائد الأهوال، واتسع رجاؤه في رحمة الغفور المنّان. وهي مِنّة من الله تعالى وفضل كبير ونعمة أيضا لا توازيها أي نعمة أخرى. يقول تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ الإسراء: 70. وبهذا التشريف جعل الله تعالى للإنسان طاقة عقلية ينظر بها إلى الأشياء ليستجلي دلالاتها ومعانيها، ويتعرف على الحق عز وجل من خلالها بالنظر العقلي. يقول تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ الروم: 24.

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان تُسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ الرعد: 4. وقوله أيضا: ﴿وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ النحل: 12. يستفاد من هذه الآيات البينات أن الله تعالى مكّن الإنسان من لطيفة العقل، ودعاه إلى استعمالها في النظر إلى مخلوقاته جل وعلا، والتفكر فيها لإدراك معانيها واستبصار دلالاتها المؤدية إلى الإيمان العميق بالله عز وجل. كما يستفاد من ذلك أيضا أن هذا الإنسان مدعو إلى شحذ هذه اللطيفة التي هي العقل، وتربيتها دائما على إجالة الفكر والنظر في كتاب الله المنظور الذي هو الكون، قصد تقوية الإيمان وعدم الزيغ عن الطريق المستقيم.

في ضوء هذا المنظور القرآني فالحق جل وعلا يربي عباده على حسن استعمال العقل، وحسن تدبيره واستثماره لينتج عنه الفلاح والسعادة الدنيوية والأخروية. يقول تعالى: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير الملك:11. ويقول أيضا تبارك وتعالى: ﴿كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون﴾ البقرة: 72. ولقد اعتبر القرآن الكريم العقل فاعلية متحركة ونشيطة، حيث حررها من القيوم والأغلال التي يمكن أن تعطل وظيفتها الفطرية. ولذلك حث كتاب الله تعالى على النظر العقلي والتأمل الفكري في آيات الله الكونية، ودعا إلى إعمال العقل وتوظيفه في معرفة حقائق الكون بالنظر والتدبر والتفكر، «وكلما زادت قدرة الإنسان على الأسلوب العلمي في التفكير، اكتشف من أسرار الكون ما لم يكن يعلم، وعرف من خواص الأشياء ما كان يجهله» ([1]). وعندما نمعن النظر في كتاب الله تعالى نجد أن أغلب السور والآيات تعرض حقائق الأمور المتعلقة بالخلق والبعث، وإثبات وحدانية الله والسنن الكونية المبنية على قواعد العلم النظري والتجريبي. ولن يتأتى الانخراط الجدي في هذه الميادين إلا بالنظر العقلي المتبصر بحقيقة الأشياء. يقول تعالى: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج﴾ ق: 6. ولئن كان العقل ركيزة أساسية في آيات الله المقروءة والمنظورة، فإن المدخل الأساسي لذلك هو طلب العلم والاستزادة منه والاغتراف من منابعه الأصلية. فبالعلم يتعمق الإيمان وتتجلى حقائقه أمام النفس البشرية، فيشعّ نوره في القلب ساطعا مشرقا لا ينطفئ أبدا. يقول تعالى: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزّجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾ النور: 35. وفي هذا تربية عقلية للإنسان تحثه على التأمل في آيات الله بالنظر العقلي، كما تحثه أيضا على الاهتداء إلى حقائق الأمور بالنظر البحثي، لأنه بالبحث العلمي المرتكز على قواعد العلم الأصيل، والمستند إلى أصول الشرع الحكيم «تتجلى الحقيقة وتترسخ في الذهن، فتنفذ إلى القلب ويحصل الاقتناع التام الذي لا يزعزعه أي شك أو ريبة. إن القرآن العظيم هو حجة ديننا الحنيف ومعجزته الخالدة، لذلك تضمنت سوره وآياته الكثير من الأدلة العقلية، والأساليب العلمية التي يقتنع الناس بها جميعا على اختلاف عقولهم وأفكارهم وتباين مستوياتهم ومداركهم وتعدد مشاربهم، وهذا وجه من أوجه الإعجاز القرآني، فإن أساليب القرآن الكريم في الاستدلال تناسب الناس كافة» ([2]).

لقد دعا القرآن الكريم الإنسان إلى إعمال عقله لبناء تصور سليم حول العالم والقضايا التي تشغل باله، من الأمور العقدية والتعبدية والعلمية والفكرية، وما يتعلق بمجتمع الناس وتفاصيله الجزئية. فالكون كله يعجّ بالآيات الدالة على حقيقة الإيمان، وما على الإنسان إلا أن ينظر فيها بعقله وفكره ليستخلص منها هذه الحقيقة الناصعة. يقول تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾ البقرة: 163. وكما أن للعقل أهمية بالغة الخطورة في تربية الإنسان وتنشئته التنشئة الحسنة، فله أيضا سمة تميزه عن سائر المكونات البشرية الأخرى وهي أن محله القلب، فبه يستهدي ويسترشد، وبه يستنير، فيكون الميزان الذي توزن به الأشياء والأمور. يقول تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ الحج:46.

فبالعقل يستقيم القلب وينزجر، وتبرز له حقيقة الأشياء فيتعظ ويعتبر. وبالعقل أيضا يستنهض الإنسان المسلم هممه، ويشحذ قريحته، فتسطع أنوار الإيمان في قلبه مشعة متلألئة، براقة، يرنو إلى معالم الحق جل وعلا، لا يزيغ عنها أبدا، إلى أن يلقى الله على هذه الحال، مسلما محسنا، آمنا مُطمئنا. 

فاللهم احفظ عقولنا من الضلالات والشبهات والمنكرات، وطهِّر قلوبنا من سيء الأخلاق، ودركات النفاق. واجعل اللهم القرآن ربيع قلوبنا ونور أبصارنا وصدورنا، وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا، برحمتك يا أرحم الراحمين يا أكرم الأكرمين، يا حي يا قيوم. وصلى الله وسلّم على نبينا محمد المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.  

 

 

[1]- التربية والتعليم في القرآن الكريم، أحمد حسن الخميسي، ص. 109.

[2]-   منهج التفكير العقلي في القرآن الكريم، مصطفى حسنين عبد الهادي، شبكة الألوكة الشرعية.


اترك تعليق