البحث

التفاصيل

د. ياسين أقطاي يكتب.. "«انتباه» عند الدخول إلى عالم العالم"

د. ياسين أقطاي يكتب.. "«انتباه» عند الدخول إلى عالم العالم"

 

لا شك أن عالَم العُلماء يجذب انتباه الجميع من الخارج، وقد يبدو رائعًا للبعض، ومخيفًا وصعبًا للبعض الآخر، وأولئك الذين يرغبون في دخول هذا العالم، والذين باتوا في رحابه؛ تكون مراتبهم فيه حسب معادنهم، ولا يكتسبون منه إلا ما تسعه أنفسهم.

لكن منهم من يريدون سبر أغوار هذا العالَم دون انتباه فيُدنّسونه وما يأخذون منه سوى ما تحمله أنفسهم، يخلو نهجهم من الود ويكون نصيبهم منه حسبه. يحاول أصحاب العقول الصغيرة تقييم العالَم بأسره انطلاقا من زنزانة أفكارهم الضيقة بناء على بعض المعلومات المتراكمة لديهم من دون عناء.

بالنظر إلى ما كُتب وقيل عن وفاة يوسف القرضاوي، نرى هذا النوع من التقييمات والأحكام، وأغربها انتقاد تمسكه بأهل السنة. وتخونني العبارات لوصف محاولات الحكم على عالِم ربما هو أعظم مرجع حي لأهل السنة. هل ذلك من باب الجهل أو الجشع أو الغطرسة أو المسكنة؟ إن لم يكن القرضاوي من أهل السنة فمن يكون؟ وما «وهم أهل السنة» الذي لا وصف له في أي كتاب؟

ما يفهمونه من «أهل السنة» لا نظير له سواء في تاريخ الإسلام أو في أي مرجع آخر في العالم الإسلامي اليوم. ومن خلال البِدع والخرافات جعلوا «أهل السنة» أشبه بعلامة تجارية للدين، وهم يتصرفون كما لو أن لهم الأحقية أو براءة اختراع لاعتماد هذا المفهوم من دون السماح لأي شخص آخر باستخدامه، ولم يبق أحد لم يكفّروه أو يُخرجوه من الملة.

في الآونة الأخيرة، كشف صديقنا إسماعيل كلج أرسلان بدقة شديدة عن هذا الفهم في عمل بعنوان «لا مكان لأي شخص بين جماعتك»، إنهم متعصبّون وتكفيريّون، ويرون أنفسهم مثاليين، وتختبئ خلف ذلك أوهامهم وبِدعهم وخرافاتهم، وبالطبع غطرسة وغرور مشايخهم. هل يمكن لعقل مثل هذا اعتبار جميع المسلمين إخوة وتوحيد الأمة وحلّ مشاكلها؟

لا يتوانى البعض عن انتقاد يوسف القرضاوي لتمسكه بنهج أهل السنة، وحجتهم في ذلك أن الزمن قد تغير وأن لغة العالم الحديث ومشاكله بحاجة إلى نهج إسلامي جديد، ونموذج جديد لإطار العلوم الإسلامية التقليدية، مع مفهوم تاريخي محدّث، معتبرين يوسف القرضاوي مُفكرًا تقليديًا أكثر من اللازم.

لم يكن القرضاوي يكترث لما يقوله هؤلاء أو يضيع وقته عليهم، وإنما أمضى كل دقيقة من حياته في طلب العلم والتأمل؛ قلقًا على مشاكل المسلمين، محاولا حلها، ألّف أكثر من 200 كتاب، وشارك باستمرار في آلاف المؤتمرات والمحاضرات والبرامج التلفزيونية، لينير العقول ويعطي الفتاوى، وكان لا يتردد في مراجعة فتاويه حتى لا يكون فيها أي التباس، عملا بمبدأ تغيّر الأحكام مع تغيّر الظروف والزمن الذي يعد من أصول الفقه.

كان فهمه للفقه منفتحًا جدًا على التفسير، لدرجة أنه لم يترك أي نقد حتى للحداثيين. وفي تفاسيره ميّز بشكل جيد بين «الثابت» و«المتغيّر»، وكان دائمًا مع التيسير والتكيف وحل المشكلات من دون تقديم أي تنازلات عن ثوابت الشريعة.

بفضل عمره المديد، عاصر القرضاوي العديد من الفترات المختلفة، وكان رائدًا بمعرفته ونضاله وكتاباته وخطاباته؛ سُجن ونُفي وواجه المحن والاضطهاد، وكل من يقدّرونه يثنون عليه؛ فلقد ألّف أكثر من 200 كتاب، وأكثر من 100 ألف صفحة من الخطب، وكلها في مواضيع مختلفة ومتنوعة، ولو أنه كان يكرر نفسه لما كانت أعماله بهذه القيمة.

لم يقتصر القرضاوي على مشاكل بلد واحد، وإنما ركز على كل جزء تقريبا من العالم الإسلامي، وكان يراعي الظروف الثقافية والسياسية والاجتماعية المختلفة. بعد مسيرته العلمية التي بدأت في الأزهر بمصر، تبلورت أفكاره من خلال زيارة مناطق جغرافية مختلفة من العالم الإسلامي ومحاورة علماء وأهل تلك المناطق.

كانت بداياته مع الإخوان، إلا أنه لم يصبح عضوًا في أي جماعة، وكان الجميع يطلبون مشورته ويستمعون إليه مهما كانت الجماعة الإسلامية التي ينتمون إليها.

المسلمون الآن مشتتون في أنحاء مختلفة من العالم ويتعرضون للاضطهاد سواء كانوا أقلية أو أغلبية، وسواء كانوا في دولة مسلمة أو غير مسلمة. فقير أو غني، في السلطة أو في المعارضة، لكل وضعية قاعدة فقهية مختلفة.

قدم القرضاوي مساهمة مفاهيمية قيّمة في ديناميكية النشاط الفقهي من خلال تطوير «فقه الأولويات»، وأوضح أن الفقه ليس حزمة مغلقة من القواعد التي يمكن تطبيقها بالطريقة نفسها في كل مكان وعلى أي شخص.

تحدّث القرضاوي عن وضع المسلمين الذين يعيشون تحت وطأة الاضطهاد العلماني مع أنهم يشكلون الأغلبية في بلادهم، أما بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في أوروبا -مثلا- والذين يتمتعون بالحريات النسبية، فقد فتح مفهوم «المواطنة» أبوابًا مهمة لإنتاج مجموعة واسعة من الأحكام الفقهية.

اعتاد "مجلس الفتوى الأوروبي" -الذي أسسه وترأسه بنفسه- أن يناقش كل المشاكل التي قد تنشأ في الحياة اليومية للمسلمين الذين يعيشون كأقلية في أوروبا، ويطرحون فتاواهم في اجتماعات منتظمة تستمر 6 أشهر.

كما أسس «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين»، الذي يضم أيضًا أعضاء من تركيا.

هكذا سعى القرضاوي إلى توفير نقطة اتصال للحكمة والوحدة التي كانت تفتقر إليها الأمة على الصعيد العالمي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* د. ياسين أقطاي؛ مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان





التالي
نعمة السيرة النبوية
السابق
الأمين العام لمنتدى الوسطية يقيم مأدبة غداء على شرف الأمين العام للاتحاد

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع