البحث

التفاصيل

الإمام المجدّد.. كيف أسّس القرضاوي فقه الأقليات لمسلمي الغرب ولم ينس ملف «تحرير المرأة» في فتاواه؟

الإمام المجدّد.. كيف أسّس القرضاوي فقه الأقليات لمسلمي الغرب ولم ينس ملف «تحرير المرأة» في فتاواه؟

بقلم: د. خالد حنفي

 

إذا كان الإمامُ القرضاوي، رحمه الله، قد تهيَّب الكتابة عن الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، وقال قولته عن الشيخ محمد أبي زهرة، رحمه الله: لا يكتب عن الأئمة إلا إمام، وإذا كان العقاد قد قال عن عبقرياته: لا يكتب عن العباقرة إلا عبقري، فما أصعب الكتابة عن إمام الدنيا بلا منازع الفقيه المجتهد الدكتور/ يوسف القرضاوي، رحمه الله؛ الذي جمع بين الإمامة والعبقرية، فقد اجتمع فيه ما تفرَّق عند غيره وهو أحد نوادر هذا الزمان في كل ميدان، فقد فقدت الأمة قَبلهَ الغزالي والشعراوي وعمارة وكشك وابن باز، وابن عثيمين، وغيرهم، رحمهم الله جميعا، وقد تفرَّد وأبدع كل واحد منهم في ميدان واحدٍ أو ثلاثة كالتصنيف أو الخطابة أو الدعوة أو الفقه أو الحركة، أما القرضاوي فقد جمع كل هذا وزيادة، ويكفي أن نعلم أن تصانيفه بلغت مئة وعشرين كتاباً في الفقه والتزكية والاقتصاد والتاريخ والسياسة والحركة والدعوة، ويكفي أن نقرأ مقدمة كتابه فقه الزكاة وما قاله كبار علماء العصر عنه من أنه: عملٌ تنوء بمثله المجامع الفقهية، وأنه حدثٌ مهم في تاريخ الفقه. وأذكُر أني قلتُ لأستاذنا الدكتور عبد المجيد النجار: إن كتابكم عن الإيمان كتاب مميز ويجب أن تعيد نشره فقال لي: أفضل منه كتاب شيخنا القرضاوي «الإيمان والحياة» ولقد أعدت قراءته مرات وكرات ولا أملَّ من تجديد قراءته، وهو ما يمكن أن يقال عن أغلب كتب الشيخ رحمه الله.

روحُ العالِم ونفسه الصافية

ليس العالِم مَن حفظ المتون وأتقن الفنون وأبهر الجمهور بحديثه فحسب، وإنما الذي يملك روحاً وأثراً يشعر به سامعه والقارئ له فتتغيّر نفسه وقلبه وعقله، وهذا ما كنت أشعر به وأعيشه كلما جالستُ شيخنا القرضاوي أو قرأتُ له أو تحاورتُ معه، وكان دائم الإنكار لنفسه يبكي متأثراً إذا مدحه أحد ويذكر حكمة ابن عطاء الله السكندري: «الناسُ يمدحُونكَ لِمَا يظُنونَه فِيكَ فكن أنت ذامًّا لنفسك لما تعلمه منها».

ويقول: قولوا ما تشاؤون فأنا والله أعرف نفسي وعجزها وتقصيرها. قال له أحد الإخوة أمامي ذات يومٍ: إني أحبك في الله وأدعو الله أن يحشرني معك. فقال له الشيخ منكراً: لا شأن لك بي، سلِ الله أن يحشرك مع الصالحين، وأنشأ يقول:

يظنّون بي خيراً وما بي من خير ** ولكنني عبدٌ ظلومٌ كما تدري

ستَرْتَ عيوبي كلها عن عيونهم ** وألبستني ثوباً جميلاً من السَّتر

فصاروا يُحبّوني وما أنا بالذي ** يُحَبُّ ولكن شبَّهوني بالغَيْرِ

فلا تفضحنّي في القيامة بينهم ** وكُنْ لي يا مولاي في موقف الحشر

قبول الاختلاف والمراجعة والتراجع

مما تفرَّد به إمامنا الراحل عن كثيرين غيره من العلماء أنه كان يقبل الاختلاف معه ويشجع تلاميذه على نقده ومخالفته ومراجعته وكان يتراجع إن بان له الحق، ويقول على الملأ: كنت على خطأ في هذه المسألة، كان إخواني أبصرَ مني في هذا الموضوع. ويذكر في كتابه الفتاوى الشاذة فتوى له تحت عنوان: فتوى شاركت فيها قد تدخل في الشذوذ، رغم أنها لم توجه إليه ولم يكتب جوابها وإنما وجهت للدكتور طه جابر العلواني، رحمه الله، واقترحَ جوابها الأساتذة: محمد سليم العوا، وطارق البشري، وفهمي هويدي، وهيثم خياط، وكان موضوعها جواز مشاركة الجنود المسلمين في الجيش الأمريكي في غزو العراق وعدم استقالتهم منه لما يترتب على ذلك من ضرر عام بمصلحة المسلمين وصورة الإسلام العامة، خاصة بعد أحداث سبتمبر/أيلول وما تبعها من قلق وخوف على المسلمين في أمريكا.

ورغم ذلك يتراجع الشيخ عنها لأن الواقع لم يصوّر له بدقة حولها. وأذكرُ أني راجعتُ فضيلته في فتواه حول جواز الزواج بنية الطلاق للتراجع عنها وطلبَ مني أن أكتب له فيها تفصيلاً بأوجه الاعتراض رغم أن الرأي الذي رجحهُ فضيلته هو قول الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء، وقد عرض رأيه في كتابه أخلاق الإسلام بلطف وذكر معه الآراء المعاصرة بالمنع كفتوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث؛ لما للقول بالجواز من ضرر بالغ على الأسرة واستقرارها وإخلال بمقاصد الزواج الجزئية والكلية. كما راجعتُ فضيلته في فتوى أصدرها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث فاستمعَ إلىَّ طويلاً ولما رُفعت الجلسة طَلب مني إكمال المناقشة على طاولة الطعام، يحاور ويهتم ويعطيني الحق مرة ويرد على بما عنده مرات، وتلك هي روح وأخلاق العالِم التي نفقدها أحياناً.

الإمام المجدد

لا يتردد منصف في أن يمنح الإمام القرضاوي لقب المجتهد المطلق؛ فقد اكتملت عنده أدوات الاجتهاد، ومكَّنته من التجديد الفقهي والفكري، فأتعب نفسه في فهم الواقع وقدَّم حلولاً فقهية منضبطة لكل المستجدات وقد تلقتها الأمة في الجملة بالقبول، كما رسم طريق ومنهج التجديد ومارسه وطبقه عملياً يلمس هذا كل من قرأ له أو استمع إليه أو إلى أحد من تلاميذه، ولي بحثٌ حول مرتكزات التجديد الفقهي عند القرضاوي أجملتها في اثني عشر على النحو الآتي: الإسهام في بناء وصناعة الملكة الفقهية، وتفعيل القواعد الفقهية، والجمع بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، والجمع بين الاجتهاد الانتقائي والإنشائي، والجمع بين فقه السلوك والأحكام، وريادة مدرسة التيسير المنضبط في الفقه والفتوى، ونقل التجديد من ساحة التأصيل والتنظير إلى التفعيل والتطبيق، وبناء المؤسسات الفقهية المجدِّدة، والشمول والإحاطة لجميع المباحث الفقهية اجتهاداً وتصنيفاً وإفتاء، ومعاصرة لغته الفقهية، ومنهجيته الفريدة في التعامل مع المذهبية، والوصل بين الفقه والأصول.

فضله على المسلمين في الغرب

كان للإمام القرضاوي فضل كبير على المسلمين في الغرب؛ حيث نظَّر وأسَّس لفقه الأقليات وكتب فيه، كما أسَّس وترأس أهم مؤسسة فقهية إفتائية للمسلمين في الغرب وهي المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وقد أنتج المجلس في عهده تراثاً فقهياً عظيماً أجاب عن أسئلة المسلمين في الغرب، وأحدث حراكاً وإستثارة للعقل الفقهي المعاصر، كما حصَّن الوجود الإسلامي في الغرب من مخاطر الغلو والتطرف، وحماه من تيارات العنف والتشدد، ومكَّن المسلم الأوروبي من العيش بدينه والحفاظ على هويته مع القيام برسالته الحضارية في المجتمع، وانتقل بالمسلمين في الغرب من الاندماج بلا ذوبان إلى المواطنة الصالحة الفاعلة، وحاصر الفتاوى المتطرفة في علاقة المسلم بغير المسلم ولاقى في سبيل ذلك ما لاقي من التشنيع والتفسيق والأذى، ثم عاد من أنكروا عليه إلى ما أفتى به.

كما حاز الشيخ، رحمه الله، قصب السبق في ملف تحرير المرأة وبيان مركزية دورها في المجتمع بوسطية واعتدال وفي ضوء النصوص الشرعية والأصول المرعية، وأذكرُ أنه خصص جزءاً كبيراً من كلمته في آخر جمعية عمومية حضرها في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لضرورة إعطاء المرأة حقها في المجتمع خاصة في المساجد، وأنكر بشدة على البلدان التي تمنع المرأة من الصلاة في المساجد استناداً إلى بعض النقول المذهبية، أو التأويل الخاطئ للنصوص الشرعية، أو التوسع في مبدأ سد الذرائع.

استقلاليته ودعمه للتحرر ورفضه للاستبداد

عاش الإمام القرضاوي رحمه الله مستقلاً حراً في رأيه لم يخضع لرئيس أو سلطان، وكان يقول رأيه منكراً للمنكر وإن طال سلطة دولة قطر التي يعيش على أرضها والتي لم تضق يوماً برأيه ونقده، ومما يُحسب له رحمه الله أنه راعى الواقع في اجتهاداته ولم يقع تحت ضغط أو إكراهات الواقع، بل حذر مرات في كتبه وأحاديثه في ذلك، وقد عاش في الخليج ووجد موقف علمائه من جملة من القضايا مذهبياً ظاهرياً فلم يسايرهم بل قدَّم رأيه المخالف لهم بشجاعة ونصاعة حجة وبرهان وثبَتَ عليه كما فعل في قضايا: الموسيقى والغناء، والتصوير، والمصافحة، ووقف يدافع عن الأخذ بالحسابات الفلكية في إثبات الأشهر الهجرية في المجامع الفقهية غير متأثر بمخالفة أغلب الأعضاء له حتى عادوا إلى قوله بعد حين من الدهر.

ومما يُعرف به العلامة القرضاوي رفضه للاستبداد ودعمه للربيع العربي وسعي الشعوب للتحرر من أول يوم مستلهماً ذلك من روح الإسلام ونصوصه ومفنداً شُبَه المدرسة النصية المدافعة عن ولاة الأمر وإن فسقوا وإن ظلموا أو نهبوا ثروات شعوبهم، وقد دفع ثمن مواقفه سجناً قبل خروجه من مصر، كما صدرت ضده عقوبات قاسية بعد الانقلاب على الحريات، وسُجنت كريمته عُلا القرضاوي انتقاماً منه ومِن مواقفه، فاستحق القرضاوي بجدارة لقب: العالِم العامل.

من يخلُف القرضاوي؟

إن السؤال الذي يحزنني كلما فكرتُ فيه هو: من يخلُف القرضاوي؟ لقد أتعب الرجل من بعده بمواهبه وموسوعيته وعطاءاته في مختلف المجالات. وإنه ليتعين على الصادقين من تلاميذه بحث جواب هذا السؤال بعلمية ومؤسسية والانطلاق عملياً لإيجاد خلفاء للقرضاوي، وليكن الأمر كما قال لنا في أول لقاء لي بفضيلته في منزله بالقاهرة سنة 1996م وكنتُ مع مجموعة من طلبة العلم المتخرجين حديثاً من الأزهر الشريف وقد عُينا معيدين في مختلف التخصصات الشرعية فطرحنا عليه سؤالاً: كيف السبيل لأن نكون مثل يوسف القرضاوي؟ فقال ليس شرطاً أن تكونوا مثلي، فقد تكونوا أفضل مني، وليس شرطا أن يجتمع كل ما عندي في واحد فيكم، ربما تفرَّق ما عندي في عددٍ منكم، افعلوا ما تستطيعون واتركوا القدر يفعل ما لا تستطيعون. إن الساحة العلمائية مطالبة اليوم بمواصلة مسيرة المدرسة القرضاوية التجديدية الوسطية، فالأمة اليوم أحوج ما تكون إليها.

وواجب عموم المسلمين اليوم أن يقرأوا له وأن يدرسوا مشروعه، وقد قيل قديماً: المعاصرة حجاب، أى أن الناس لا يعرفون قدر من يعاصرون من العلماء فإذا ماتوا عرفوا قدرهم، فإن لم تقرأ الأمة للقرضاوي حياً فلتقرأ له بعد موته.

إنني على يقين من بقاء علم وأثر القرضاوي ألوف السنين وأننا سنظل نستشهد بنصوصه وأقواله ونقبس من تصانيفه ونقول: كما رجَّح القرضاوي، وهو قول الإمام القرضاوي، وهو ما أفتى به القرضاوي، كما نقولُ: قال ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، وأنَّ كُتب الشيخ وعِلمه سيصبح أكثر حضوراً وانتشاراً في تلك الدول التي حجبتها بسبب الخصومة السياسية بينها وبين الشيخ.

رحم الله الإمام الفقيه المجدّد والداعية المتفرّد يوسف القرضاوي، وجعل جهده وجهاده في موازين حسناته، وعوّض الأمة الإسلامية بفقده خيراً، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) د. خالد حنفي؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعميد الكلية الأوروبية للعلوم الإنسانية، ورئيس لجنة الفتوى بألمانيا. والمصدر: عربي بوست، 28-9-2022





التالي
الأمين العام للاتحاد يصل إلى مدينة وان التركية للمشاركة في مؤتمر علمي لمدة يومين

البحث في الموقع

احدث التغريدات

احدث المشاركات

فروع الاتحاد


عرض الفروع