البحث

التفاصيل

مدخل إلى علم الجمال

مدخل إلى علم الجمال

بقلم: عبدالسلام البسيوني

 

لا يخفى أن للإسلام ضروريات، قد تتراتب حسب الزمان والحال، وقد يغيب بعضها بانتشار نوع من الفقه الضيق، والممارسة الدعوية غير الراشدة أو غير المتبعة، وقد تجتمع معا في نسق واحد تكون به الحياة أبهج، والتطبيق أرشد، والقلوب أسعد.

ومما أجده متناثرا في القرآن الكريم بشكل عجيب مدهش، ويغفل عنه الدعاة والمنظرون والمتفقهة، مفردات الجمال المادي والمعنوي، التي يلهج بها القرآن من أوله لآخره: الإبداع، والألوان، والجمال، والحسن، والزخرف، والزينة، والتصوير، والجنة، والنعيم، والفردوس، والرحمة، والطهر، والطيب، والهناءة، والمراءة، والبشرى، وما شابهها من ألفاظ -لا أحصيها- من مفردات الكتاب العزيز.

كما أن السنة المطهرة تحفل بأكثر من هذه المفردات، التي أفتقدها في دعوة كثير من الأحبة، الذين يقدمون الإسلام خشنا، جافيا، عنيف الصفة والمنهج والوسيلة، بعيدا عن هذا المفهوم المظلوم المهجور، المتجاهل لظروف مواقع انتشار الإسلام في القرن الأخير، والمعاناة التي يكابدها، حتى اعتبر الجمال شيئا متأخرا في قائمة التتميميات عند بعضهم، ومجهولا منسيا عند قطاع ثان، ومرفوضا محاربا عند قطاع آخر واسع!

وقد جاء الإسلام بتكليفات ثلاثة رئيسة نيطت بعنق كل مكلف:

- أولها: عبادة الخالق جل وعلا وحده: (إلا ليعبدون)

- ثانيها: البلاغ المبين للدين: (إن عليك إلا البلاغ)

- ثالثها: إعمار الأرض بإقامة الحضارة، وإحسان الاستخلاف في الأرض: (واستعمركم فيها)

ومن مكونات إقامة الحضارة: إبراز جمال الخالق، وعبادته بالتجمل في الذات (حسا ومعنى) وتجميل ما حول الإنسان – كل ما حول الإنسان – فهذه عبادة مهجورة مما يحب الله تعالى؛ كما ورد في كتاب "صحيح مسلم" عن سيدي ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال". الذي جاء في سياق مادي عجيب، ففي كتاب "السلسلة الصحيحة" وغيره، عن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أنه سمع سيدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من سحب ثيابه لم ينظر الله إليه يوم القيامة". فقال أبو ريحانة رضي الله عنه: "لقد أمرضنا ما حدثتنا! إني أحب الجمال؛ حتى أجعله في نعلي، وعلاقة سوطي؛ أفمن الكبر ذلك؟" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده؛ لكن الكبر من سفه الحق، وغمص الناس أعمالهم".

*رأينا الجمال كله في عطاءات المسلمين منذ القرن الأول، بعد أن استقرت الدولة الإسلامية، في المصاحف، والكتب، والمساجد، والمباني بتفاصيلها: الأبواب والشبابيك والجدران، والأسقف، والأرضيات، والمقاعد وغيرها"

وقد قرأنا سير من يتجملون من أئمة الفقه والدعوة، مثل عمر بن عبد العزيز، وأبي حنيفة، ومالك، وغيرهم رحمهم الله تعالى، ورضي عنهم.

كما رأينا الجمال كله في عطاءات المسلمين منذ القرن الأول، بعد أن استقرت الدولة الإسلامية، في المصاحف، والكتب، والمساجد، والمباني بتفاصيلها: الأبواب والشبابيك والجدران، والأسقف، والأرضيات، والمقاعد، والإكسسوارات، وتفاصيل الملابس والعمائم، وحتى السيوف والرماح والدروع، والآنية، ومفردات الحياة اليومية؛ حتى إنهم كانوا يتوسعون في ذلك، ليشمل جدران المبنى كاملة، لا يدعون فيها شبرا غير مزخرف، ولا ملون، ولا معتنى به.

وحتى قامت مدارس جمالية فنية على مستوى البقاع والحضارات: أموية، وعباسية، وعثمانية، وفارسية، ومغولية، وصينية، وفاطمية، وأيوبية، ومملوكية، ومغربية، وأفريقية وغيرها.

وحتى ابتدعت فنون لم يكن لأوائل من نزل فيهم الإسلام بها عهد كفنون الخط العربي، والزخرفة، والتذهيب، والعمارة، والزجاج المعشق، والنحاسيات، والأرابيسك، والنسيج، والفنون اللغوية، والفنون الصوتية، والفنون الحركية، والفنون المادية، وغير ذلك. ولم يحرم الإسلام منها غير ما فيه وثنية، أو استباحة، أو تجسيد منهي عنه.

ثم انحدر الحال، حتى مرت بنا عقود، اشتغل فيه فقهاء الدعاة -بسبب الحرب الشرسة على الإسلام- بالكليات، والضروريات، وذهلوا عن هذا الجانب تماما.

كما حرّم قطاع من الدعاة المغلقين كل شيء جميل تقريبا، وحولوا شكل المتدين إلى صورة نمطية ما أظن سيدنا محمدا -صلى الله عليه وسلم- يرضاها، بل فرضوا على المتدين أحيانا زيا من خارج بيئته وعوائد قومه، حتى صار المشلح والغترة الخليجيين، أو اللباس الأفغاني، رمز التدين والالتزام بالإسلام في مصر، والشام، بل والجزائر والمغرب، بل وحتى في أوربا وأميركا.

وهذا ما حدا بدرة دعاة القرن العشرين الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله تعالى- إلى طرح مصطلح "الفقه البدوي" الذي أنكرته زمانا، وأنكره وقتئذ عدد من الدعاة والمفكرين كسلمان العودة -فك الله أسره- وجمال سلطان! ثم رأيت وعايشت من سلوك بعض المتدينين العجب العجاب، حتى بت أعذر الشيخ -رحمه الله- في طرحه الذي ذكره في كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" وباتوا هم أيضا يعذرون، وقال بعضهم: "يا ليتنا ما كتبنا، ولا رددنا على الشيخ".

جاء ذلك حين قال الشيخ في الكتاب:

"وأذكر أني عندما كنت مدرسا بمكة المكرمة، جلست سأمان في بيتي يوما أعاني من بعض المتاعب، فقلت: أتسلى عن همومي بشيء، وفتحت الراديو، وسرني أن كانت به أغنية أحبها. وما كدت أمضي مع الأبيات والألحان، حتى طرق الباب طالب أشرف على رسالته! وخيل إلى أني أستطيع السماع مع وجوده، ولكنه أقسم عليّ أن أغلق الراديو! ورأيت إكراما له أن ألبي رغبته، وأكملت وحدي بعض كلمات الأغنية:

أين ما يدعي ظلاما يا رفيق الليل.. أينا؟… إن نور الله في قلبي.. وهذا ما أراه!

وصاح الطالب: ما هذا؟ قلت له: كل يغني في الأنام بليلاه، إنني أعني شيئا آخر!

قال: أما تعلم أن الغناء حرام كله؟ قلت له: ما أعلم هذا!

ثم أقبلت عليه بجد أقول له: إن الإسلام ليس دينا إقليميا لكم وحدكم، إن لكم فقها بدويا ضيق النطاق! وعندما تضعونه مع الإسلام في كفة واحدة، وتقولون: هذه الصفقة لا ينفصل أحدها عن الآخر، فستطيش كفة الإسلام، وينصرف الناس عنه. وهذا ظلم كبير لرسالات الله وهداياته."

وكذا حين قال الغزالي: "أنا أكره التعصب المذهبي وأراه قصور فقه، وقد يكون سوء خلق. لكن التقليد المذهبي أقل ضررا من الاجتهاد الصبياني في فهم الأدلة.

 

وبديهي أن تنشأ مشكلات ثقافية واجتماعية من هذا النهج، وأن تسمع حدثا يقول: مالك لا يعرف حديث الاستفتاح، ولا سنة الاستعاذة، ولا يدرك خطورة البسملة، ويخرج من الصلاة دون أن يتم التسليمتين، فهو جاهل بالسنة.

وحدثا آخر يقول: أبو حنيفة لا يرفع يديه قبل الركوع ولا بعده، ويوصي أتباعه ألا يقرؤوا حرفا من القرآن وراء الإمام، وربما صلى بعد لمس المرأة؛ فهو يصلي بلا وضوء، إنه هو الآخر جاهل بالدين.

وينظر المسلمون إلى مسالك هؤلاء الفتية فينكرونها ويلعنونهم! وقد كان علماء الأزهر القدامى أقدر الناس على علاج هذه الفتن، فهم يدرسون الإسلام دراسة تستوعب فكر السلف والخلف والأئمة الأربعة، كما يدرسون ألوان التفسير والحديث، وما تتضمن من أقوال وآراء.

لكن الأزهر منذ 30 عاما أو تزيد ينحدر من الناحية العلمية والتوجيهية؛ ولذلك خلا الطريق لكل ناعق، وشرع أنصاف وأعشار المتعلمين يتصدرون القافلة، ويثيرون الفتن بدل إطفائها. وانتشر الفقه البدوي، والتصور الطفولي للعقائد والشرائع".

وفي السياق نفسه، يقول أحمد عدنان في مقاله "ترييف الإسلام والفقه البدوي: التباس في تفسير المتن": "حين أصدر الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- كتابه الشهير: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، اجترح مصطلح الفقه البدوي، الذي أثار زوبعة من ردود الفعل الغاضبة، سعوديا على وجه التحديد، وكان الغزالي في استخدامه لهذا المصطلح، أشار -بلا قصد- إلى حقيقة من صميم الدين الإسلامي، وهي أن الإسلام دين المدنية! وهذا ليس خاصا بالإسلام وحده، بل إن الأديان السماوية الثلاثة نزلت كلها في مدن، وكان اختيار المدينة يعتمد على القطبية الحضارية -وفق معايير زمن نشأة الدين- والقرب من الطرق التجارية.

"جاء الإسلام -تكليفا ربانيا، ورسالة إلزامية- بحضارة ذات سمات خاصة، تستمد قوتها ورشدها من الكتاب والسنة، وتستمد قيمها وأهدافها من الوحي الرباني"

إذا جئنا للإسلام على وجه الخصوص، نلحظ بزوغه في مكة؛ العاصمة المعنوية والتجارية لشبه الجزيرة العربية، وحين انتقل الرسول الأعظم إلى يثرب سماها المدينة، وفي ذلك دلالة لافتة، تعززها أحاديث نبوية "من بدا فقد جفا" و"اللهم بارك لنا في يمننا وشامنا"، فضلا عن آيات قرآنية صريحة: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا، وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، والله عليم حكيم* ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما، ويتربص بكم الدوائر؛ عليهم دائرة السوء، والله سميع عليم* ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول؛ ألا إنها قربة لهم، سيدخلهم الله في رحمته؛ إن الله غفور رحيم) وما يهمني هو قوله تعالى: (وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) الذي أوصى بتأكيد مدنية الإسلام، بتحصين عقله الديني الممثل في الفقهاء وفي العلماء من البادية.

إذن فقد جاء الإسلام -تكليفا ربانيا، ورسالة إلزامية- بحضارة ذات سمات خاصة، تستمد قوتها ورشدها من الكتاب والسنة، وتستمد قيمها وأهدافها من الوحي الرباني، وتحس بمسؤوليتها الحضارية العمرانية، والإبداعية، وتنفتح برشد على الحضارات الأخرى؛ محتفظة بخصائصها، وعمدها الرافعة؛ دون أن تذوب، أو تنماع، أو تتنازل، وتفتح عقلها للمعارف البناءة النافعة، رافضة التسلط والطغيان، واحتكار المعارف والعطاءات، وعلى التعارف (لتعارفوا) الذي هو التثاقف، ونقل الخبرات.

وعمدها الرافعة في ذلك هو الإيمان، والأخلاق، والعلم الذي يعود على الإنسانية بالنفع والخير والرقي، والاجتهاد في التطبيق مهما كلف (فإذا فرغت فانصب)".

أريد إذن أن أتحدث عن الجمال ومفرداته، من خلال نصوص القرآن والسنة، وكلام السادة السلف الصالحين، والتطبيقات الحضارية الإسلامية عبر القرون، لأكشف كيف كنا وأين صرنا؛ ولأقدم أفكارا لعل الله تعالى يطرح فيها بركات ينفع بها نخبة من أولى الألباب والرشاد!

ولكم ناديت من أعرف من القائمين على التعليم الجامعي أن يضمّنوا المناهج ما يحيي الضمير، وينعش الذوق، ويعلي البصيرة، ويوسع الأفق، من مواد رافدة لعلم العقيدة والفقه والحديث والتفسير والأصول، كعلم الجمال، وعلوم الاختلاف، والاتفاق، والاستغراب، واستشراف المستقبل، والتواصل العالمي من خلال منهج ثوري تجديدي في الدعوة العالمية، وغير ذلك!

وأسأل الله تعالى أن يكتب الله تعالى لكلماتي هذه القبول والبركة، وأن يجعلها مما ينفعني عند الله تعالى، وينفع الناس، ويمكث في الأرض؛ اللهم آمين، والحمد لله رب العالمين، وصل ربي وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله، وصحبه أجمعين، آمين، والحمد لله رب العالمين!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* د. عبدالسلام البسيوني عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين





البحث في الموقع

احدث التغريدات

احدث المشاركات

فروع الاتحاد


عرض الفروع