البحث

التفاصيل

ما هي الأسباب العميقة وراء الإصرار على رفع شارات “المثليّة” وراياتها؟

ما هي الأسباب العميقة وراء الإصرار على رفع شارات “المثليّة” وراياتها؟

بقلم: محمد خير موسى

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

دعكَ من شعارات حقوق الإنسان التي تُرفع اليوم لتسويغ الحملات الواسعة لفرض شارات المثليّين وراياتهم في كلّ المحافل العالميّة وآخرها بطولة كأس العالم، ولا تلتفت وأنت تحاول تفسير هذا التغوّل على الفطرة المهشّمة المنكوسة إلى صرخات المظلوميّة ودعوات المساواة وحملات الحديث عن حريّة التعبير؛ أو اختزال المشهد في جموح الشّهوات وانفلاتها؛ فكلّ هذا ليسَ إلّا بعضًا من أذرع تنفيذيّة لسياساتٍ تفعل فعلها في هذا العالم المتصارع.

اللّيبراليّة الجديدة وهيمنة متعدّدة الأوجه

اعتمدت الليبراليّة الحديثة التي تتبنّاها عموم المنظومة السياسيّة الحاكمة في أوربا وأمريكا نظام “السّوق الحرّة” أو “اقتصاد السّوق المفتوح”، ثمّ تجاوزت المفهوم الاقتصادي إلى اعتماد نظامٍ ليبراليّ سياسيّ وعسكريّ.

غير أنّ الليبراليّة الحديثة وجدت أنّ الاقتصار على العقلية الاقتصاديّة أو السياسيّة أو العسكريّة في تمدّد الليبراليّة الحديثة لن يحقّق لها الهيمنة المرجوّة من خلال السيطرة الاقتصاديّة والهيمنة العسكريّة وحدها؛ فكان لا بد من استحداث سرديّة ثقافيّة وصناعة هويّة تنسجم مع فكرة “اقتصاد السّوق المفتوح” تكون وسيلةً للهيمنة؛ فإنّ منظومة القيم وصناعة الهويّات تظل في نهاية المطاف خادمة بشكل أو بآخر للإستراتيجيات العسكرية والمصالح السّياسية الكبرى.

لذلك فإنّنا نجد أنّ هذه السرديّة الثقافيّة الهويّاتيّة تحضر بشكلٍ مركزيّ في المؤسسات والكيانات التي تهيمن عليها الليبراليّة الحديثة؛ فإنّ حلف شمال الأطلسي “الناتو” -على سبيل المثال- الذي يفترض أنّه تحالف عسكري؛ يعرّف نفسه في الوثيقة التأسيسيّة بالحديث عن الهويّة القيمية أولًا فيقول: “إنّ الدّول الأعضاء عازمة على حماية الحريّة والميراث والحضارة عن طريق تشجيع الاستقرار والرفاهية، في المجال الجغرافي لشمال الأطلسي”، وبعد ذلك يأتي تأكيد الجانب الأمني العسكري بأن الدول الأعضاء عازمة “على توحيد جهودها من أجل دفاعها الجماعيّ والحفاظ على السلام والأمن”.

فالحلف لا ينظر إلى نفسه على أنّه مجرّد حلف عسكري، بل يؤكد أنه مجموعة ديمقراطية ليبرالية تقوم على مجموعة من القيم أهمُّها الديمقراطية، وعليه فهو يقوم على ركيزتين: هوياتية وعسكرية. وقد تعززت الرّكيزة الهويّاتية بمرور الزّمن، خاصة مع تحوّل كل أعضاء الحلف إلى دول ديمقراطة.

تمارسُ الليبراليّة الحديثة اليوم مع المجتمعات التي تهيمن عليها اقتصاديًّا أو سياسيًّا أو عسكريًّا عمليّة إعادة إنتاج هويّاتي لتلك المجتمعات بما يحقّق استدامة الهيمنة من جهة، أو تسهيل عمليّة الهيمنة في المساحات التي تتطلّع إلى التمدّد فيها.

وإعادة الإنتاج الهويّاتي في المنظومة الليبراليّة تقوم بدرجة رئيسة على تفكيك وتحطيم الهويّات الصلبة التي تستندُ إلى الدّين على المستوى الفردي أو الأسري أو الجمعي.

فالدّين الذي يسعى إلى الحفاظ على هويّة جنسيّة واضحة بين الذكر والأنثى، ويحافظ على كيان متماسك للأسرة، وعلى علاقة واضحة سليمة بين المخلوق والخالق؛ تقوم الليبراليّة الحديثة -التي غدت دينًا في فضاءات الدّعوة إلى اللّادين- بتفكيك هويّاته هذه فترسّخ نظريّات الجندر والمثليّة، وتحشد للتيّارات النسويّة الراديكاليّة، وتبذل وسعها في هيمنة الإلحاد.

المثليّة وجه للصّراع بين اللّيبراليّة وخصومها

فالمثليّة تمثّل إذن أحد أوجه الصّراع الليبراليّ القائم على إرادة الهيمنة، ولذلك نرى أنّ الدّول التي ترفض الليبراليّة الجديدة في مجالات السّياسة والاقتصاد والعسكرة وتصنع حوائط صدّ عالية في وجهها هي ذاتها التي تعلن محاربتها للمثليّة وعمليّات فرضها.

فالرّئيس الرّوسي فلاديمير بوتين يعارض النهج الليبراليّ إذ قال في حواره مع صحفية فايننشيال تايمز خلال شهر يونيو/ حزيران 2019م: “إنّ الفكرة اللّيبرالية انتهت صلاحيتها ولم تعد مناسبة”، وهو ذاته الذي يعلن حربًا على المثليّة وقد بدأ إصدار قوانين تجرِّم الدّعاية والدّعوة إلى المثليّة منذ عام 2013م، بلغت الذروة بإصدار قوانين في غاية الصرامة في تجريم المثليّة والدّعوة والترويج لها في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من هذا العام 2022م؛ إذ أقر البرلمان الروسي (الدوما) مشروع قانون يحظر ترويج المثلية الجنسية، ويحظر القانون الجديد “ترويج العلاقات الجنسية غير التقليدية” للجميع وفي وسائل الإعلام وعلى الإنترنت وفي الكتب والأفلام، بالإضافة إلى فرض غرامات مالية تصل إلى 160 ألف يورو على من يخالف ذلك القانون.

ومثل روسيا تقوم الصّين بمحاربة المثليّة الجنسيّة والترويج لها، ومحاربة الصين وروسيا للمثليّة هي نتاج مواجهتهما لليبراليّة الحديثة لأنّهما تريان في المثليّة وفرضها ذراعًا هوياتيًّا يخدم التسلل الليبرالي الذي يهدّد المجتمعات والنظم القائمة سياسيًّا واقتصاديًّا.

وكذلك فإنّ الصّراع بين الجمهوريين والدّيمقراطيين في أمريكا حول المثليّة هو نتاج الصراع حول نموذج الليبرالية الحديثة، فالجمهوريّون يرفضون المثليّة انطلاقًا من موقفهم الذي يميل إلى عدم التّوسع في اللّيبرالية على حساب القيم الوطنية والدينية والقومية الأمريكية الأخرى التي كانت جزءًا لا ينفصل من تكوين دولتهم وأمتهم.

المثليّة عنوان العربدة الاستعماريّة

لا تغرنّك دعاوى الحريّة اللّيبراليّة، فهي في الواقع حريتهم هم في فرض ما يرونه خادمًا للهيمنة الغربيّة، التي لا تقبل على الإطلاق أيّة حريّة في رفض ما يمثّل عنوانًا للهيمنة، هي حريّةُ تحطيم الهويّات المجتمعيّة، وحريّةُ فرض واقع هويّاتي شاذ يقوم على المثليّة، مع رفض لأيّة حريّةٍ في الاعتراض على هذه الهيمنة؛ إنّها الحريّةُ الاستعماريّة.

بتاريخ 20 مايو/ أيّار 2022م وبعد حادثة اللاعب “إدريسا غانا غاي” واستجوابه لعدم مشاركته في جولة من الدوري الفرنسي تحت مسمى “anti-homophobia day” أي “جولة مكافحة رهاب المثلية” كتب البريطاني برندان أونيل مقالًا بعنوان “إدريسا غاي ومشكلة الاعتزاز بتحرر المثليين” جاء فيه: “إذن؛ في كرة القدم الاحترافية اليوم، يمكنك أن تكون مثليًّا وتفتخر بذلك، لكن لا يمكنك حتى أن تتمسك ولو بشيء من الشّك في أخلاقيّة المثليّة الجنسيّة؛ أنت حرٌّ في أن تكون على طبيعتك فيما يتعلق بالجنس، لكن ليس لديك الحريّة في أن تختار اعتقادك حول المثلية! لستُ متأكدًا من أنّه يمكننا حقًّا تسمية كرة القدم بأنها رياضة “متسامحة” إذا كانت تحتفي بأمثال دانيلز لكونه مثلي الجنس، وفي نفس الوقت تلاحق إدريسا بسبب معتقداته الشّخصية حول الجنس والأخلاق”.

وأضاف برندان أونيل “ليس لأنّني أعاني من مشكلة مع المثليّة الجنسيّة، بل لأنّ الفخر بتحرّر المثليّين أصبح نظرةً عالميّة مملّة ومتشدّدة وغير متسامحة على نحوٍ متزايد؛ يبدو لي أن الاعتزاز بالمثلية لم يعد يتعلق بالاحتفال بحرية المثليّين بل أصبح عربدةً معولمَة".

نعم إنّها عربدة، ولكنها ليست محض عربدة أخلاقيّة بل هي عربدة استعماريّة تعمل على تفكيك هويات مجتمعات يراد استعمارها بأشكال استعماريّة جديدة وفرض هويّات على أنقاض هوياتها المفكَّكة، هويّات تضمن استمرار الهيمنة الاستعماريّة.

لذلك فإنّ أيّ رفضٍ لشارات المثليّة وراياتها يتعامل معه الغرب الليبرالي على أنّه رفضٌ للهيمنة الاستعماريّة؛ ولذلك نجد رموزهم السياسيّة من وزراء وقيادات سياسيّة يفقدون صوابهم حينها ويمارسون العربدة في أرضنا وملاعبنا من خلال ارتداء هذه الشارات في محاولة تأكيد هيمنتهم ورؤيتهم الاستعماريّة بطريقة لا تخلو من الوقاحة والدّناءة.





التالي
"لن يمس الإسلام بشيء".. القره داغي: الاعتداء على المساجد عمل إرهابي ينتج التطرف (تصريح)
السابق
التضامن الإسلامي

البحث في الموقع

احدث التغريدات

احدث المشاركات

فروع الاتحاد


عرض الفروع