البحث

التفاصيل

"ألف عام من التاريخ: كيف تغير مسجد الحاكم بأمر الله في القاهرة؟"

القاهرة- "شيء ما، ساحر وغامض، يكتنف القلب حينما يلج المرء إلى صحن مسجد الحاكم بأمر الله الفاطمي وسط القاهرة" الذي مضى على بنائه أكثر من ألف عام.

هكذا عبّر محمود فواز، الشاب الجامعي المغرم بالآثار الإسلامية، حينما عبر إلى صحن المسجد المحاط بالخيش، وهو يحاول التقاط الصور خلسة، قبل أن يسارع إليه موظف الأوقاف بالمسجد، مطالبا إياه بالخروج من الصحن، ووقف التصوير.

قال فواز للجزيرة نت وهو يكتم غضبه: "ممنوع التصوير بحجة أن المسجد تحت الترميم، يحق -إذن- للمدونين واليوتيوبرز العالميين أن يستمروا في تحذير الأجانب من المجيء لمصر مع هذا التعنت الأمني الواضح".

لم يقدم فواز تفسيرا لحالة الغموض التي داهمته حينما وقف في صحن المسجد، لكنه "شعر بالارتياح وهو يقف بين يدي الله مؤديا فرضي المغرب ثم العشاء، وبعدها سُنة القيام بطريقة لا تختلف إطلاقا عن أي مسجد آخر".

وعلى طرف صحن المسجد، تحدى عزام الأوامر بعدم دخول الصحن، متأملاً تفاصيله التي بدت "كأنها لجامع حديث جدا" في غُبشة الغروب، وكشف للجزيرة نت عن ذات الغموض الذي استشعره فواز، خلافا لمساجد مصر القديمة الأخرى التي تبعث في النفس "حنينا دافئا لعصور نقية" بحسب تعبيره.

همّ عزام -وهو باحث في التاريخ- بالخروج للصلاة في مسجد آخر، معربا عن "خشيته من أن صلاة بهذا المكان، ستكون مليئة بالبدع الشيعية"، بتعبيره، لكنه سرعان ما اكتشف أن شعائر الصلاة لا تختلف أبدا عن صلاته في مساجد مصر الأخرى.

يرجح عزام أن تكون حالة الغموض التي انتابته أثناء دخوله إلى الصحن، بسبب ما يعلمه "مما أحاط بحياة ونهاية صاحب المسجد من غموض وغرابة".

ويعد المسجد قبلة لمحبي الآثار الإسلامية خاصة في رمضان، حيث تمثل ساحته الفسيحة أمام بابه الرئيس مكانا ملائما لتجمع الأسر لتناول الإفطار وأحيانا تمتد الجلسات للسحور، فيما الأطفال والصبيان يلهون في الساحة، ويلتقطون الصور الرائعة، في طقوس ربما تنافسه فيه مساجد تاريخية أخرى مثل جامع عمرو بن العاص الذي يتمتع بنفس ميزة وجود ساحة فسيحة خارجه.

والجامع رغم ارتباطه بطائفة البهرة، فإنه مفتوح لجميع الطوائف للصلاة فيه، وخاصة في شهر رمضان، حيث يتميز المسجد بصلاة القيام 20 ركعة، خلافا لمعظم مساجد القاهرة التي تؤدى بها الصلاة 8 ركعات فقط.

ويحرص بعض أبناء طائفة الدروز مِن البلدان العربية المجاورة على زيارة الجامع أثناء وجودهم في مصر للتبرُّك والصلاة، ذلك أن المكان وصاحبه مقدس بالنسبة لعدد من الطوائف.

وبحجة الترميم، يظل المسجد مغلقا كل حين لفترة، حيث يعتبر المسجد الأثري الشهير -الواقع في نهاية شارع المعز لدين الله من ناحية باب الفتوح- أحد أكثر المساجد التاريخية المعتنى بها بتقدير عاملين في وزارة الآثار.

وانتقد خبراء آثار طريقة الترميم التي أودت بطبيعة المسجد وتاريخيته، وأشار الأستاذ بكلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان جلال الشايب إلى أن "الترميم غير المحترف تسبب في تغيير معالم المسجد الأثرية"، مضيفا في تصريحاته خلال ندوة قبل سنوات عن الآثار الفاطمية: "أصبح مبنى جديدا تماما بعد أن أهدروا قيمته الأثرية التي تعود لألف عام ولم يتبقَّ من قيمته التراثية سوى المئذنتين".

تقلبات مثيرة

ومثل صاحبه، الخليفة الفاطمي الملقب بالحاكم بأمر الله، يظل المسجد مثيرا للجدل المتعلق بشؤونه، وهو يعد رابع أقدم المساجد الجامعة الباقية بمصر وثاني أكبر جوامع القاهرة اتساعا بعد جامع ابن طولون.

وينسب المسجد للحاكم بأمر الله رغم أن من أمر بإنشائه هو والده الخليفة العزيز بالله الفاطمي في سنة 379هـ/ 989م، وجاءت وفاة العزيز قبل إتمامه ليتمه ابنه الحاكم بأمر الله 403هـ/ 1013م، صاحب أغرب الأوامر والسياسات والسلوكيات في تاريخ حكام مصر القدامى، ومنها منع أكل الملوخية، وإجبار النسوة على ارتداء أحذية بلون مميز، بحسب مصادر تاريخية.

ولم يكن المسجد وقت تشييده داخل حدود العاصمة القاهرة، حيث جرى بناؤه خارج أسوار القاهرة القديمة التي شيدها جوهر الصقلي (382هـ/ 992م)، ولكن التوسعات التي أجراها بدر الجمالي (487هـ/ 1094م)، الذي تسمى على اسمه منطقة الجمالية الواقع بها المسجد حاليا، أدخلت المسجد في حدود المدينة.

ويمثل المسجد نموذجا بارزا على التقلبات التاريخية والدينية التي مرت بمصر، إذ ظل منبرا لنشر وتدريس المذهب الشيعي إلى جانب الأزهر الواقع على بُعد مئات الأمتار من هذا المسجد، حيث كان الفاطميون على هذا المذهب، وحرص المهندس المعماري الذي صمم مسجد الحاكم على الاقتداء بمسجد المهدية في تونس.

وحينما جاء صلاح الدين الأيوبي (532-589هـ/ 1138-1193م) وقام وزيره بهاء الدين قراقوش بمنع نشر المذهب الشيعي، جرى إغلاق وإهمال المسجد ـكما جرى مع الأزهر الذي أغلقه الأيوبيون لقرن تقريباـ فاحتل مسجد الحاكم بأمر الله الزجاجون والنساجون وأقاموا ورشهم فيه وحوله، وظلوا فيه حتى وقت قريب.

وبحسب مصادر تاريخية متعددة، تعرض المبنى للخراب منذ القرن الـ9هـ/15م. وتوالت تقلبات الزمان على هـذا المسجد، فقام بدر الجمالي بسدّ منافذ الجدار الشرقي للمسجد عبر بناء سور ملاصق لهذا الجدار.

وعام (702هـ/ 1303م) وقع زلزال شديد تهدم بسببه كثير من العقود والأكتاف، فهوى السقف، كما سقطت قمتا مئذنتيه.

كوارث متتابعة

وتتابعت الكوارث على المسجد، فسقطت معظم أواوينه (قاعاته) ما عدا بعض العقود في الإيوانين القبلي والشرقي، اللذين استخدمتهما وزارة الأوقاف المصرية مخازن لتحفظ التحف والآثار الإسلامية قبل نقلها إلى متحف الفن الإسلامي ومخازن وزارة الآثار.

وحينما غزا الفرنسيون مصر (1798-1801م)، اتخذته قيادة الحملة الفرنسية مقرا لجنودها، واستخدمت مئذنتيه للمراقبة.

وتحولت ظلة قبلة المسجد إلى أول متحف إسلامي بالقاهرة أطلق عليه دار الآثار العربية.

وخلال عصر الرئيس الراحل أنور السادات، طلبت طائفة الشيعة البهرة الإذن بتجديد المسجد بالجهود الذاتية، ومنذ ذلك الحين يقوم الشيعة البهرة -الذين هاجروا إلى مصر واستقروا بها كتجار وخصوصا في منطقة القاهرة العتيقة والجمالية وما حولها- برعاية الجامع.

يبلغ طول المسجد 120.5 مترا وعرضه 113 مترا وفي نهايتي واجهتيه الشمالية والغربية، ترتفع مئذنتان، تحيط بهما قاعدتان عظيمتان هـرميتا الشكل، بينهما مدخل المسجد، وهـو أول مدخل بارز بني في جامع القـاهـرة يغطيه قبو أسطواني.

في المدخل عن اليمين وعن اليسار بقايا نقوش بديعة، ويفضي إلى صحن الجامع المحاط بإيوان من كل ناحية، وفي كل إيوان عدة أروقة.

وفي نهايتي حائط القبلة قبتان محمولتان على مثمن كما توجد قبة ثالثة فوق المحراب وقد هـدمت القبة الشرقية بسبب إقامة السور الذي بناه بدر الجمالي ملاصقا للجدار الشرقي للجامع، كما سدت جميع النوافذ في هـذا الجدار أيضا لنفس السبب.

ويعتبر أثريون أن الدولة الفاطمية هي العصر الذهبي لاكتمال الفن الإسلامي، حيث ترك الفنانون المصريون وراءهم العديد من الآثار والتحف التي تشهد على مهارتهم الفائقة ودقتها في مختلف الأشكال الفنية.

وغزا الفاطميون مصر عام (358هـ/ 969م)، ثم أسسوا مدينة جديدة شمال الفسطاط أطلقوا عليها "القاهرة "، جاعلين منها عاصمتهم وكان الجامع الأزهر هو أول مسجد أقاموه في العاصمة الجديدة.

ويرجع شارع المعز لدين الله الفاطمي، الموجود به المسجد إلى عصر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله (341-365هـ/ 953-975م)، ويعد الشارع حاليا أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم، وجرى إدراجه على قائمة موقع التراث العالمي عام 1979م باعتباره موقعا تراثيا فريدا.

ويمتد الشارع من باب الفتوح شمالاً حتى باب زويلة جنوبا، مرورا بعدة حارات وشوارع تاريخية عريقة من أشهرها خان الخليلي الممتدة من مسجد الحسين حتى شارع المعز، والغورية والدرب الأصفر وشارع أمير الجيوش، وحارة برجوان.

 


: الأوسمة



التالي
الفرق بين كلام الله وكلمة الله وقول الله بقلم عبد الرحمان شط 

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع