البحث

التفاصيل

عالم الجن بين التصور الإسلامي الصحيح والخرافات والشعوذة الفاسدة

الرابط المختصر :

عالم الجن بين التصور الإسلامي الصحيح والخرافات والشعوذة الفاسدة

(خطبة الجمعة)

بقلم: الأستاذ بن سالم باهشام

 

عباد الله، يقول الله عز وجل في محکم کتابه من سورۃ یونس: ( فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) [يونس: 32]، إن من حقائق الكون – عباد الله – ، أنه لا وجود في الطبيعة للفراغ المحض، فکل إناء – مثلا – أفرغ من شيء ،إلا ويمتلئ بآخر، فالقارورة على سبيل المثال إن لم تملأها ماء ملئت هواء، والمكان المضيء، إذا ذهب الضوء، حل مكانه الظلام، وهكذا الشأن في كل الأمور المعنوية، فكل أمر خلا منه الحق، إلا وحل مكانه الباطل، وبناء على هذه القاعدة، نجد عوام المسلمين في جانب عالم الغيب، إذا غابت تعاليم الدين الإسلامي من حياتهم انغمسوا في الخرافات، والشعوذات التي تفسد عقيدتهم، بل تخرجهم عن نطاق التوحيد، وتدخلهم في الشرك بالله تعالى.

عباد الله، تعالوا بنا  إلى جانب من الغيبيات، والذي نجهل عنه الكثير من الحقائق الإسلامية، إنه عالم الجن، هذا العالم الذي ينقسم الناس فيه إلى أقسام:  فالبعض من الناس ينكر وجود الجن كلية، جملة وتفصيلا، ويعتبر ذلك خرافة، وهذا الصنف يُعدون من المنكرين للخلق الذي أثبته الله تعالى في كتابه العزيز، وأثبتته السنة النبوية، بل هناك سورة بكاملها فيها ثمان وعشرون آية، اسمها سورة الجن، وهي السورة الثانية والسبعون في ترتيب المصحف بعد  سورة نوح، وقبل سورة المزمل، وهناك صنف ثاني يعترف  بالجن، لكنه لجهله يسقط فريسة في حبائل ومصائد شياطين الجن والإنس، فيفتن في نفسه ودينه وماله..

عباد الله، لقد بلغ الجهل ببعضنا في عالم الجن، أنك إذا أردت أن تتکلم عنهم في وسط عامة الناس، تجد أغلبهم يردد بكثرة وخوف: بسم الله الرحمن الرحيم،  ويرفض التحدث في ذلك، وخصوصا في صفوف النساء، وإذا أصيب واحد من هؤلاء بمس من الجن، لا يعرف أمامه إلا طريق المشعوذين والدجالين، يلتمسون عندهم  العلاج من أذى  الشيطان، جاهلين أنهم قد لجأوا إلى شياطين  الإنس، لينجوهم من شياطين الجن، قال تعالى في سورة الحج: (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج: 73]، وبالتالي  تجد هؤلاء المشعوذين يدفعون من يقصدهم من الناس إلى ذبح الذبائح لغير الله، وهذا شرك بالله، و تعليق التمائم  قصد التحصن من أذى الشياطين، وهذا شرك بالله کذلك، أو الذهاب إلى الأضرحة  للاستغاثة بالأموات، وهذا مخالف لهدي الإسلام، بالإضافة إلى المعاصي الأخرى والمنكرات التي يرتكبها الأشخاص استجابة لما يُملى عليهم من قبل شياطين الإنس والجن.

عباد الله، إن ضعف عقيدة الكثير من أفراد أمتنا، وتصوراتهم الخاطئة عن عالم الجن، جعلتهم يعطون لشياطين الإنس المسخرين للجن مكانة مرموقة لم يعطوها حتى للعلماء الأجلاء، إذ تجد الفاسق الفاجر الذي تخدمه شياطين الجن، له مكانة محترمة عند أصحاب المناصب والأموال، الذین لا عقيدة لهم، ولا دين صحيح، فكلامه بينهم مسموع، وأوامره مطاعة، ومكانه في وسطهم كأنه فرد منهم، يدخل متى شاء ، ويتكلم مع من شاء.

عباد الله، كيف يتصور العقل السليم ، خوف الشخص من السكنى ببيته الجديد الذي بناه أو اكتراه، بحيث لا يدخله إلا بعد ذبح الذبيحة لأهل المكان في اعتقادهم، بل كيف يتصور العقل السليم  عدم بناء أساس المنزل إلا بعد تقديم ذبيحة قربانا، ویسمي ذلك الذبح: على أهل المكان.

عباد الله، إننا إذا سمينا الأمور بمسمياتها، فإننا نسمي ذلك حفلة لشياطين الجن، وإعلان الولاء والطاعة لهم، وإلا فأين الأدعية النبوية التحصينية الشريفة؟ وأين تلاوة القران؟ أي  خوف، وأي هلع، وأي رعب يصيب الأشخاص رجالا ونساء من جراء السحر؟ حتى إن المرأة لتخاف من المرأة لأنهما لا يتحدثان إلا بلغة السحر، فلانة سحرت فلانة، وفلانة سحرت الأخرى، بل أصبحت أغلب العائلات لا تتحدث إلا بهذه اللغة، فلانة سحرت زوجها، فأصبح أمرها هو المطاع، وأصبح لا رأي له ولا مشورة معه، بل إن الرجل قد يتلاءم مع زوجته لأنه يريد الالتزام بشرع الله، فيتعامل مع الزوجة بالحسنى والصبر على قلقها وانفعالها، فيوصف بأنه مسحور، وتتهم زوجته بالسحر، بل إن الأسر في الليلة الأولى من الزواج؛ أي ليلة الدخول، تجد عائلة الزوج تحذر وتحتاط من عائلة الزوجة، وکل واحد يحتاط من الطرف الآخر، والذي يُسيّر هذه الأمور غالبا هن العجائز من الأسرتين، بدعوى خبرتهن، وأنهن مجربات، فما هذه الشركيات  عباد الله؟ و ما هذه  الشعوذة والخرافات، أين مبادئ الإسلام الحنيف؟!

عباد الله، أين اليقين في الله؟ والله الذي لا إله غيره، لقد أصبحنا نخاف من الجن، ومن السحر والسحرة، أكثر من خوفنا من الله، ومن عذاب الله وانتقامه.

عباد الله، إن مرجع كل هذا هو جهلنا بأمور ديننا، حتى إننا لا نعرف بم نحصن به أنفسنا، كما لا نعرف بم نقوّ به عزائمنا، بل إننا نتکل في أمور  دیننا على الغیر، ونقلدهم التقليد الأعمى، ولا نبحث، ولا نقرأ، فهذا شاب أرسل لي رسالة، بدل أن يسالني فيها عن مراجع أحيله عليها، تتحدث عما يريد، قلدني مسؤولية التحدث عن عالم الجن، وأمور  السحر، وخصوصا العشق الذي غرق  فيه  الشباب والشابات كما قال، وكان الأولى به أن يسأل عن مراجع في هذا المجال، ويتدارسها مع غیره، وإذا استعصت عليه  مسألة، يسألني عندئذ عنها، ومن هذه المراجع التي أحيل عليها كل مستمع وقارئ، والتي تحدثت عن هذا الموضوع، والتي تبین وتوضح هذه الأمور التي نسجت حولها الكثير من الخرافات والشركيات، هناك كتاب “الصارم البتار ، في التصدي للسحرة الأشرار”، وكتاب “وقاية الإنسان من الجن والشيطان”، وهما لمؤلف واحد، وكتاب “عالم الجن والشياطين”، وكتاب “العلاج الرباني للسحر والمس الشيطاني”، وكتاب “العلاج بالقرآن من أمراض الجان”، وكتاب “المنظور الإسلامي لعالم الجن والشياطين”، وكتاب “القوى الخفية الجن الشيطاني والجن الرحماني”، وكتاب “الجواب الکافي لمن سال عن الدواء الشافي”،  وغير ذلك من الكتب، و بدل ان نقضي – عباد الله  – أوقاتنا أمام الأفلام الماجنة التي هي سبب  من الأسباب التي تفتح الباب للجان لإذاية الإنسان، علينا أن نتدارس كتابا من هذه الكتب السالفة الذكر، لنعرف ما حولنا من مخلوقات، وخصوصا عالم أعدائنا من شياطين الجن، والذي لا نعرف عنه غالبا إلا الخرافات.

عباد الله، إن من الجن مؤمنون وكافرون، والكافرون هم الشياطين، وكلا الصنفين معنا الآن، المؤمنون يستمعون إلى ما يدور في مجالس الإيمان، والشياطين یوسوسون للإنسان، إلا أننا لا نری أحدا منهم، قال تعالى في سورة الأعراف:  (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ، إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) [الأعراف: 27]، هذه حقيقة أولى يجب معرفتها، أما الحقيقة الثانية،  هي أن الجن رغم ما عندهم من قدرات لا يصل إليها الإنسان، كقدرة التنقل إلى الشرق أو الغرب وقطع مسافات في وقت وجيز، أو الصعود إلى طبقات بعيدة غاية البعد في السماء وفي  وقت وجيز، فإنهم ضعفاء أمام قوة المؤمن المستعين بالله،لهذا فإن المؤمن لا يستعين بالجن المؤمن على أعدائه مهما كانت ظروفه وأحواله، بخلاف الفسقة الفجار.الذين يستعينون  بالشياطين لإحساسهم بالضعف، وإنما يستعين المؤمن بالله عز وجل القوي، كما أنه لا يخاف من شياطين الجن وأذاهم، لأنه يتحصن بالأدعية المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم الصباحية والمسائية، وأدعية المناسبات، كدعاء دخول المنزل وخروجه، ودخول البلد، أو بيت آخر، أو الدخول على ظالم، ودعاء الجماع، ودعاء الأكل والشرب، ودعاء  لبس الثياب ونزعها.و دعاء دخول الخلاء والخروج منه، وغير ذلك من الأدعية، وهكذا يكون الشخص في حرز من الشيطان ومن أذاه، وحفظ من الرحمن سبحانه وتعالی، فیاعباد الله، لا تستغربوا مما یصيب الکثیر من نسائنا من مس شيطاني، ويصيب أبناءنا وبناتنا، بل يصيبنا نحن كذلك، لأننا في غفلة سامدون،  وعن ذکر الله معرضون، لا نحفظ حتى دعاء الأكل،  فكيف لا يشاركنا شياطين الجن في طعامنا وشرابنا ونسائنا وأبنائنا؟ قال تعالى في سورة الاسراء : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ) [الإسراء: 61 – 65]

اعلموا عباد الله اننا في حرب دائمة مع شياطين الإنس والجن إلى قيام الساعة، ولابد لكل حرب من عدة ومواجهة، وموقفنا من شياطين الجن يرجع إلى موقف الإنسان من الله سبحانه وتعالى، فإن الشخص إذا كان  مؤمنا تقیا موحدا ملتزما  بأوامر الله ، فإنه لا سبيل  لشياطين الجن عليه،  باعتراف إبليس لعنه الله، قال تعالى  في سورة ص: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص: 82، 83]، وهكذا نجد المؤمن ذكرا أو أنثى يقهر الشيطان.أما إذا كان الشخص من الذين يدعون الإسلام بالفم، ولا أثر له في واقع حياته، فهو في قبضة شياطين  الجن، يفعلون به ما يشاءون، ويشاركونه في الطعام  والشراب، وحتى في زوجته، وكذلك الشأن بالنسبة للمرأة  المتبرجة، فمثلها مثل البيت المفتوح على مصراعيه  ليل نهار دون حارس ولا إغلاق باب،  والحارس هي الأذكار، والباب هو الحجاب، كما أن مواجهتنا لشياطين الجن تكون حسب الأسلحة المستعملة المضادة، فإن كان الشخص يواجههم بمنهج الله، ضعف الشيطان، وإن كانت مواجهة الإنسان لشياطين الجن بكلام من عند نفسه. فإن الشيطان يتعاظم ويقول: غلبته بقوتي. ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن سب الشيطان عند تعثر الدابة، لأن سب الشيطان سلاح لا يضاد سلاح شياطين الجن،  لكونه من صنع الشخص نفسه، لهذا لابد من سلاح من الصنع الإلهي، ليقهر الجن، روى الإمام أحمد  في المسند، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقل : تعس الشيطان، فإنك  إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظم في نفسه وقال: صرعته بقوتي، فإذا قلت: باسم الله، تصاغرت إليه نفسه حتى يكون  أصغر من الذبابة)، وفي رواية  لأبي داود ، والإمام أحمد، وسندها صحيح ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : (كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَثَرَ بَعِيرُنَا ، فَقُلْتُ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّهُ يَعْظُمُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْبَيْتِ، وَيَقُولُ : بِقُوَّتِي ، وَلَكِنْ قُلْ : بِسْمِ اللهِ ، فَإِنَّهُ يَصْغُرُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الذُّبَابِ).

فیا عباد الله، إذا أردتم النجاة من کيد  شیاطین الجن، فتحصنوا بالأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم،  واقرأوا القرآن في بيوتكم، فإن الشياطين لا تقرب البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، وأعرضوا عن سماع الأغاني الماجنة، وجنبوها بيوتكم، فإنها مزامير  الشيطان، وإياكن أيتها النسوة من التبرج بكل أنواعه.

عباد الله إنكم إذا التزمتم بهذه التوصيات انتصرتم على الجن بكل أنواعه باعترافهم، من خلال ما ورد في أحاديث كثيرة بصيغ مختلفة، نتيجة الأذكار التحصينية التي تتحصون بها، فمرة يقول: حُفظ مني سائر يومه، كما روى أبو داود، ومرة يقول: كيف لك برجل هُدي ووُقي وكُفي كما روى الترمذي وأبوداود، ومرة يقول لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء، فاللهم حصنا من الشيطان وأعوانه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* بن سالم باهشام؛ أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعضو رابطة علماء المغرب.





البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع