البحث

التفاصيل

القوامة

 

القوامة

 

  {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ  بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ  عَلَى بَعْضٍ  وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ  أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ  فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْأَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا }[1] 

يقال قام على الأمر أي أحسنه، فالرجال في الآية قوامون على النساء. وذهب بعض المفسرين إلى أنها قوامة فطرية بالخلق، أي جنس الرجال قوام على جنس النساء بالفطرة، وهؤلاء يفهمون قوله تعالى {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي بما فضل الله الرجال على النساء بالعلم والدين والعقل والولاية. وهذا ليس عندنا بشيء. فلو عنا الله ذلك لقال: الذكور قوامون على الإناث. أو لقال {بما فضل الله بعضهم على بعضهن} ولكنه قال {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}  

قبل شرح الآية نريد ان نشرح مفهوم الرجال والنساء كما وردتا في المصحف:

الرجال: جمع رجل والنساء جمع امرأة.  عند سن الرشد والتمكن يصبح الذكر رجلا والأنثى امرأة. الرجل في المصحف ليس بمعنى الذكر دائما. قد يأتي بمعنى الذكر والأنثى والمقتدر وغير ذلك.

والنساء: ليس بمعنى المرأة دائما، قد يأتي بمعنى النسيء أي المتأخر من الذكور والإناث، فتحمل المعنى حسب السياق والسباق على ما يناسبها.  

مثال الرجال:

{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا}[2]  اَي سواك على رجلين. {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}[3]  اَي ذكور وإناث. وأول من استشهد هي ام عمار (سمية) رحمة الله عليها {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ..}[4]  رجلا كان او امرأة. {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا..}[5]  ضد الركبان. {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}[6] . رجالا أي مشيًا.

الرجال هنا في القوامة: هو المتمكن المسيطر ذكورا وإيناثا. اي في شروط الإدارة المادية والمعنوية.

 

ومثال النساء:

{لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ..}[7]  النساء هنا بمعنى النسيء أي المتأخر عنه، أي الذين يلونهم، الى الأعلى والى الأسفل. ذكر الأب ولم يذكر أب الأب الى الأعلى، وذكر ابن الأخ وابن الأخت ولم يذكر ابن الابن وابن البنت الى الأسفل. ولذلك قال {ونسائهن} أي المتأخرات أي ما يلونهم. لا بمعنى المرأة، لأنه لا يوجد امرأة المرأة؟ هذا ما ورد لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وورد في سورة النور نفس الشيء لجميع النساء حول ستر الزينة في قوله تعالى: {.. وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ..}[8] (أو نسائهن) أي ما يلونهم، وقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}[9] {من النساء} أي المتأخرات المستجدات. ليس بمعنى المرأة، والا لجعلت المرأة من صنف المتاع مثل الخيل والحمير. المرأة ليست متاع، بل هي مكرمة ومكلفة مثل الرجل {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}[10] وأما حديث عبد الله بن عمر بن عاص {الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة}[11] مردود، لأنه يخالف الآية، ولذلك تحمل الكلمة على ما ينسب مقامها، أي زين للناس كل ما يخرج من الأشياء الجدد كالسيارة الجديدة، والتلفون الجديد، واللباس الجديد، النفس ترغب ذلك.

والنساء هنا في القوامة: هو بمعنى النسيء اي المتأخر عنه. اي الذي يليه في الإدارة. او السعاد قوامون على القواعد. الذي يسعى للمعيشة. ومن سعى فقد رجل. الذي يسعى في كسب المعيشة فهو رجل. ذكرا كان او انثى..  

وأول القوامة المرأة في تاريخ الاسلام هي أمنا خديجة رضي الله عنها. هي كانت تقوم بمصارف البيت من أموالها حينما تفرغ النبي بالرسالة. وهذا لا يعبه ولايعيبها وكان الرسول يذكرها بالخير، وحزن كثيرا بوفاتها. 

الآن نريد أن نشرح وننظر الى مدلول الآية وما يمكن فهمها لغويا:

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي بما فضل الله بعض الرجال والنساء على بعض آخر من الرجال والنساء في الكفاء الإدارية والحكمة ودرجة الثقافة والوعي التي تتفاوت بين الناس، فمن الرجال من هو أفضل فيها من النساء، ومن النساء من هو أفضل فيها من الرجال. {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} فصاحب المال له القوامة بغض النظر عن كفاءته ودرجة وعيه وثقافته، الذي ينفق له حق الكلمة في إدارة المنزل وصرف الفلس. المرأة إذا كان لها معمل يمكن ان تنصب رجلا مديرا على المصنع والقيامة بيدها. ويمكن ان يكونا مساويين. حينئذ من يريد ان يصرف للعشاء، له الحق ان يحدد المطعم.

القوامة: هي إدارة البيت والمال. مَنْ عنده أكثر الكفاء الإدارية أو المالية له الحق ان يقوم بها لمصلحة الأسرة.

وبهذا نفهم أن القوامة لا تنحصر بين الزوج والزوجة في حدود الأسرة كما حصرها الفقهاء والمفسرون، بل تمتد لتشمل العمل والتجارة والصناعة والزراعة والإدارة، ولتشمل التربية والتعليم والحكم والمناصب العليا.

أما من يرى قوامة الرجل على المرأة بالخلق، ومنهم الإمام السيوطي، وينسب للنبي (ص) قوله {ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة}[12] وقوله {النساء ناقصات عقل ودين}[13] شهادة إحداهن نصف شهادة، وهذا هو نقص العقل، ولأنهن يحضن فلا يصلين وهذا هو نقص الدين. وقوله {يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود}[14] فهذا كله ليس عندنا بشيء، بعد أن أنكره كثير من الأئمة وساقوا أدلة بطلانه مما لا نحتاج معه الى تكرار.

صحيح أن الله فضل الرجل على المرأة بالقدرات العضلية في الخلق، وكان هذا الفضل محور الأساس في الرزق بالصيد والزراعة والتجارة، حين كانت تحتاج الى قدرات عضلية. الا أن التطور التقني والآلي قضى على هذا الفضل. أو لنقل إنه أنقصه إلى حدوده الدنيا.

ونأتي الى أهم مجال تتجسد فيه القوامة وهو الأسرة، التي تقوم على زوجين، الرجل والمرأة، ينظم علاقاتهما الأسرة أمور هي المودة والرحمة والتعاون على البر والتقوى. فالأسرة كنواة للمجتمع تحتاج الى قَيِّم يدير أمورها ويسوس أفرادها ويقود مركبها بين أمواج الحياة. والرجال درجات في الغنى والثقافة وحسن الخلق والقدرة على القيادة، والنساء أيضا درجات في ذلك كله، ولا ريب في أن مصلحة الأسرة والمجتمع تكمن بأن تكون القيادة في يد صاحب الفضل رجلا كان أم امرأة.

في بعض الأحيان لها القوامة طبيعيا بقطع النظر عن الصرف، إذا كان الرجل مريضا أو أعمى أو مشلولا أو سكيراً سفيها، في هذه الحالات موضوعيا المرأة لها القوامة.

ثم الآية انتهت لتستعرض قوامة النساء على الرجال: {فَالصَّالِحَاتُ} أي الصالحات للقوامة والإدارة إذا كانت الكفاء للمرأة. الصالحات ليس بمعنى صالحة في العبادة تصلي وتصوم، كما فهمت عند الكثير. كقوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}[15]  اي أنه جعلها صالحة للإنجاب، صارت تولد. {قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} الآية تعدد الصفات التي يجب أن تتصف بها المرأة الصالحة للقوامة، بما فضلها الله من ثروة أو ثقافة أو قدرة فكرية قيادية، وهذه الصفات هي القنوت وحفظ أسرار البيت وخصوصيات الزوج. فإذا اتصفت بها كانت صالحة للقوامة. {وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} أي خروجهن عن صفات القنوت وحفظ الغيب، اللاتي يتكبرن على الرجل ويمنون عليه. 

النشوز: هو والخروج عن خط القوامة، أي التكبر والاستعلاء، والبروز وهو التسلط والاستبداد بالرأي، {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا}[16]  أي فاخرجوا {وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا}[17] العلو. نرفعها فوق بعض. وعكسه هو القنوت. فالقنوت: هو الأناة والصبر والهدوء وسعة الصدر والاستقامة مع الاستمرار. ليس بمعنى العصيان أو الخروج عن طاعة الزوج كما فهمه البعض. {وقوموا لله قانتين}[18]  {وكانت من القانتين}[19]

قد تكون صاحبة القوامة تمارس التسلط والاستبداد وقلة الصبر وضيق الأناة والصدر في بيتها وعلى أولادها، فيكون الحل بالعظة والنصيحة والقول الكريم {فَعِظُوهُنَّ} اي بالنصيحة ينبهها بأخطائها، وأما إذا لم ينفع الحل الأول بالعظة والنصح، فيبدأ بالحل الثاني وهو الهجر في الفراش {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} وإذا لم ينفع الهجر يبدأ بالحل الثالث {وَاضْرِبُوهُنَّ} وفي صحيح لغة العرب، نجد أن الضرب تعني في غالبها المفارقة والمباعدة والانفصال والتجاهل، خلافاً للمعنى المتداول الآن لكلمة ضرب بين العوام.
فمثلا الضرب باستعمال عصا يستخدم له لفظ (جلد)، والضرب على الوجه يستخدم له لفظ (لطم) أو لفظ (صك) {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا}[20] والضرب على القفا (صفع) والضرب بقبضة اليد (وكز) {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}[21]  والضرب بالقدم (ركل) وفي المعاجم وكتب اللغة والنحو لو تابعنا كلمة ضرب لنرى مثلاً في قول:
(ضرب الدهر بين القوم) أي فرّق وباعد بينهم.
و(ضرب عليه الحصار) أي عزله عن محيطه.
و(ضرب عنقه) أي فصلها عن جسده.
فالضرب إذن يفيد المباعدة والانفصال والتجاهل.
وهنالك آيات كثيرة في القرآن تتابع نفس المعنى للضرب أي المباعدة:
{وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى}[22] أي أفرق لهم بين الماء طريقاً. {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}[23]  أي باعد بين جانبي الماء. {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ}[24]  أي مباعدة وسفر وهجرة إلى أرض الله الواسعة. {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ}[25]  أي يسافرون ويبتعدون عن ديارهم طلباً للرزق. {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ}[26] أي فصل بينهم بسور. ويُقال في الأمثال (ضرب به عُرض الحائط) أي أهمله وأعرض عنه.
وذلك المعنى الأخير هو المقصود في الآية
أما الآية التي تحض على ضرب الزوجة {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}
فالآية تحض على الوعظ ثم الهجر في المضجع والاعتزال في الفراش، أي لا يجمع بين الزوجين فراش واحد، وإن لم يُجْدِ ذلك ولم ينفع ، فهنا (الضرب) بمعنى المباعدة والهجران والتجاهل، وهو أمر يأخذ به العقلاء من المسلمين، وأعتقد أنه سلاح للزوج والزوجة معاً في تقويم النفس والأسرة والتخلص من بعض العادات الضارة التي تهدد كيان الأسرة التي هي الأساس المتين لبناء المجتمع الإسلامي والإنساني
ولدينا كلمات نمارسها أيضا ك(اضراب عن الطعام) أي امتنع عنه وتركه، والاضرابات في الجامعات او المعامل مثلا فكل معناها هي ترك العمل او الدراسة او اهمالهما (Boykot) اي وليأخذ منها موقف صارم. ليس بمعنى الضرب الفزيائي. وأورد أبو داوود حول هذه الآية، فقال إن بعض الصحابة فهم من {وضربوهن} هذا المعنى المباشر الفزيائي، لكن الرسول الأعظم خرج إليهم قائلا: {لا تَضْربُوا إِمَاءَ اللَّهِ}[27] {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} ان أطاعت تدوم قوامتها. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} وإذا لم ينفع الحل الثالث وأصرت على التكبر والاستعلاء (والنشوز) يتدخل الغريب بينهما {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}.  إذا لم يحصل الصلح الامر ينتقل الأمر الى المحكمة، فالفراق واقع لا محالة. 

والنشوز: قد يكون من الزوج:

{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا} كأن يكون متكبرا متعاليا ديكتاتورا يجمع السلطات كلها في يده، بشكل لا تستطيع معه امرأته ان تقوم بأي عمل، صغيرا كان أو كبيرا إلا بموافقة صريحة منه {أَوْ إِعْرَاضًا} لا يهتم بالعائلة، كان يهمل شؤن بيته وأولاده، ويدير ظهره لكل شيء. فحينئذ ليس أمام المرأة الا أحد الأمرين:

1-القبول بهذا الواقع. (وهو ما تفعله معظم النساء في بلادنا تحت مبررات مختلفة) {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}

2- رفض هذا الواقع. وهو ما يحصل حين تتعب المرأة من تسلط بعلها ونشوزه أو اهماله لها ولأسرته.  ما يجب فعله هو إصلاح البين بالحوار الهادئ السلمي، وفي هذه الحالة كل طرف يلوم الآخر {وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ} الشح غير البخل والطمع، فالشح هو أن يستأثر الإنسان بكل الخير، ينسب كل الإيجابيات لنفسه، وينفيها عن الآخرين.  كل طرف يضع المسؤولية على الطرف الآخر، ويبرئ نفسه من كل عيب.  ولا بد من حل الوسط ان أمكن، وان لم يمكن يفرق بينهما {وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}[28]  وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا}[29]  ففي حال عدم تحقق الصلح يحق للزوجة التي وقع عليها النشوز أو الإعراض أن تطلب التفريق، وأن تحصل على نصف مال الزوج كمتعة الطلاق (لا كمؤخر الصداق) باعتبارها شريكته.  نرى بعض الفقهاء يقولون بأن المرأة شريكة الرجل، وأنه ميسر للعمل خارج البيت، بينما هي ميسرة للعمل داخله، من رعاية الأولاد وغير ذلك، وأنها في حقيقة الأمر تعمل أكثر منه. وبخاصة إن كانت من النساء العاملات في المجتمع بمهنة أو وظيفة. ولكنهم إذا وصلوا إلى مسألة طلب المرأة للتفريق، ترى العلماء ينسون أنها شريكة النصف، فلا يعطوها إلا المهر والصداق، وقد تتعرض المرأة إلى أسوأ من هذا، حين يساومونها على التنازل عن كامل حقوقها مقابل الطلاق، أو ما يسمى ظلما بالمخالعة، وهذا اختراع فقهي تاريخي ظالم.

نحن نرى أن للزوجة التي ثبت نشوز بعلها أو إعراضه الحق في طلب التفريق، ونرى أن لها الحق في مقاسمة زوجها أمواله كمتعة الطلاق وهذا هو التسريح بإحسان كمفهوم معاصر الآن يجب أن نتبناه، بما فيها البيت الذي يعيشان فيه، منطلقين من أن المرأة لا تطرد من بيت الزوجية إلا في حالة واحدة هي حالة الفاحشة المبينة. لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}[30]  ولننظر كيف أنه سبحانه قال في هذه الآية {بيوتهن} ولم يقل {بيوتكم} رغم أن الخطاب في الآية للذكور.

البعل: ليس الزوج. بل هو المؤاكل والمشارب والمجالس والمؤانس. مثل الصديق القريب. 

{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنكُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[31]  بعلها ليس زوجها لأنها مطلقة. من حيث أنها في العدة يحسب مجالس. 

{قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ}[32]  اي انه كبير ليس له صفة الزوجية بل هو جليس او صديق. 

 

 

الفرق بين الشقاق والفراق:

فالشقاق هو المخالفة مع جهد ومجاهدة. ورد بهذا المعنى في قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى}[33]  والشق هو النصف، والانشقاق هو الانشطار إلى نصفين، كما في قوله تعالى: {وانشق القمر}[34] والشقيق هو الأخ من أم وأب. فالشقاق هنا يقع في حال نشوز المرأة تسلطا وديكتاتورية بوجود القوامة لها، والآية تدلنا على ما يجب فعله. ورد لفظ الإصلاح.

أما الفراق فقد ورد في قوله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ}[35] 

والفراق هو الطلاق، فقد يكون الزوجان غير مؤهلين للقوامة، فتصبح العلاقة بينهما علاقة شقاق دائم، وهي علاقة ما قبل الفراق. أما في حالة قوامة الرجل، فقد تكون المرأة صالحة للقوامة إن نشز زوجها أو أعرض، فإما أن تطلب القوامة أو يحق لها الفراق، فيمضي كل في سبيله، ويغني الله كلا من سعته مع أخذ كامل حقوقها بنصف مال الزوج ويبقى البيت لها.

قد يقول البعض لِمَ لَمْ يقل الفقهاء هذا من قبل؟ فإن قول الفقهاء كان منسجما مع مرحلة التاريخي التي عاشوها، حيث أن فهمهم كان منسجما مع مجتمعهم الذي عاشوا فيه، لذا فعلينا ألا نبخسهم قيمتهم التاريخية ونحترمهم ونستفيد منهم. وهو تفاعل إسلامي تحت شروط موضوعية لزمنهم، وهو اجتهاد بشري، ليس الإسلام بعينه. حينما قال بعض الفقهاء (المرأة بعد الطلاق ليس لها الا المهر) انما هو اجتهاد فقهي حسب العرف المتعارف عليه في ذلك الزمان بين العرب، ليس من كتاب الله، والعرف يختلف باختلاف الملل والنحل والزمان والمكان. إذا كان الرجل والمرأة عاملين في نفس المنزل معا، فمن المعقول أن يكونا شركاء في المحصول والمكسوب. ولا يوجد نص يمنع ذلك، ولذلك العرف يحكم ويحدد. الأمة (أي الممثلين المنتخبين - البرلمان) تقرر ذلك.  {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}[36]

 {ومن آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِيذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[37] اي بالإيجاب والقبول المتبادل من الطرفين. ليس المودة من المرأة والرحمة من الرجل كما فهمه البعض.  {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}[38]

 

د. عبد الرحمن شط

الشارقة / الإمارات

25.03.2023

 

 [1] النساء 34

[2] كهف 37

[3] أحزاب 23

[4] أحزاب 4

[5] بقرة 239

[6] الحج 27

[7] أحزاب 55

[8] النور 31

[9] آل عمران 14 

[10] الإسراء 70

[11] رواه مسلم بسند صحيح

[12] مسند أحمد 19603

[13] البخاري 293

[14] الترمذي 310

[15] الأنبياء 90

[16] المجادلة 11

[17] البقرة 259

[18] البقرة 238

[19] التحريم 12

[20] الذاريات 29

[21] القصص 15

[22] طه 77

[23] الشعراء 63

[24] البقرة 273

[25] المزمل 20

[26] الحديد 13

[27] أبو داوود 7/ 279

[28] النساء 28

[29] النساء 130

[30] الطلاق 1

[31] البقرة 228

[32] هود 72

[33] النساء 115

[34] القمر 1

[35] النساء 130

[36] أعراف 199

[37] الروم 21

[38] البقرة 187





السابق
صلاة التراويح

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع