البحث

التفاصيل

فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم ) مفهوم " التمكين" من منظور إسلامي وقرآني .( الحلقة: الأولى

فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم

) مفهوم " التمكين" من منظور إسلامي وقرآني .(

 الحلقة: الأولى 

 

بقلم الشيخ الدكتور علي محمّد الصلّابي

 

الحلقة: الأولى:

 

27 ربيع الآخر 1445ه/ 10 نوفمبر 2023م

يمرّ على مسامع الكثير مصطلح " التمكين " في سياق الحديث عن سُبل النصر، وطرق نهضة الأمة، وإعادة بعثها من جديد، وقد أخذ هذا المفهوم اهتماماً كبيراً في كتابات العلماء والفقهاء الأولين والمتأخرين، وما ذاك إلا لأن هذا المفهوم قبل كل شيء هو مفهوم قرآني، حيث ذكره الله تعالى في عدة مواضع من القرآن الكريم، وفي هذا دلالة على أهمية التمكين كغاية في حياة المسلمين وضرورة تحقيق شروطه والسعي للوصول إليه.

اشتقت كلمة (التمكين) في اللغة من مصدر الفعل (مَكَّن)، و(أمْكَنَه) منه بمعنى استمكن الرجل من الشيء، وتمكّن فلان من الشيء، وفلان لا (يُمْكِنه) النهوض أي لا يقدر عليه (1).

ومن التمكين (المَكِنَة) تقول العرب: إن فلان لذو مَكِنة من السلطان أي تمكَّن (2). وتسمى العرب موضع الطير مكنة لتمكن الطير فيه (3)، والمكانة عند العرب هي المنزلة عند الملك (4)، فالتمكين في اللغة: سلطان وملك.

وقد أشار الله عَزَّ وَجَلَّ إلى هذا المعنى في قوله تعالى عن ذي القرنين: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) [الكهف: 84]. والمعنى: أن الله مكن لهذا العبد الصالح في الأرض، فأعطاه سلطانًا قويًا، ويسر له كل الأسباب التي تدعم هذا السلطان، وأعطاه من كل شيء مما يحكم السلطان ويقويه، وكذلك الشأن في حديث القرآن الكريم، عن نبي الله يوسف بن يعقوب، عليهما السلام، فقد مكن الله ليوسف في الأرض: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ` وَلأَجْرُ الآَخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يوسف: 56، 57].

والتمكين في الاصطلاح المرتبط بالحديث عن نهضة الأمة ونصرها هو رجوع الأمة إلى ما كانت عليه من السلطة والنفوذ والمكانة في دنيا الناس. وقد عرفه الشيخ الدكتور علي عبد الحليم، بقوله: (هو الهدف الأكبر لكل مفردات العمل من أجل الإسلام، فالدعوة بكل مراحلها وأهدافها ووسائلها، والحركة وكل ما يتصل بها من جهود وأعمال، والتنظيم، وما يستهدفه في الدعوة والحركة، والتربية بكل أبعادها وأنواعها وأهدافها ووسائلها بحيث لا يختلف على ذلك الهدف الأكبر أحد العاملين من أجل الإسلام، كل العاملين مهما اختلفت برامجهم - بشرط أن تكون هذه البرامج من العاملين نابعة من القرآن الكريم والسنَّة المطهرة، وليس فيها شيء مما يغضب الله - لا يستطيعون أن يختلفوا في أن التمكين لدين الله في الأرض هو الهدف الأكبر في كل عمل إسلامي (5)، حتى يكون سلطان الدين الإسلامي على كل دين، ونظام الحكم بهذا الدين على البشرية كلها وهذا التمكين يسبقه الاستخلاف والملك والسلطان، ويعقبه أمن بعد خوف) (6(

وعرفه الأستاذ محمد السيد محمد يوسف دراسة (التمكين) بقوله: (دراسة الأسباب التي أدت إلى زوال التمكين عن الأمة الإسلامية، والمقومات التي ترجع الأمة إلى التمكين، والعوائق التي تعترض العمل للتمكين، دراسة طبيعة الطريق إلى التمكين، وكذلك المبشرات على هذا الطريق، وذلك كله في ضوء القرآن الكريم مع الاستعانة بأحاديث النبي العظيم) (7(.

وعرفه الأستاذ فتحي يكن بقوله: (بلوغ حال من النصر، وامتلاك قدر من القوة، وحيازة شيء من السلطة والسلطان، وتأييد الجماهير والأنصار والأتباع، وهو لون من ألوان الترسيخ في الأرض، وعلو الشأن (.

ودلت الكثير من الآيات القرآنية على هذه المعاني والتعريفات المذكورة، قال تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ)[غافر: 51]. وقال سبحانه: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47]. وقال تعالى: (إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ) [محمد:7]. وقال تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ` إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ ` وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات: 171- 173]. إن هذه الآيات وأمثالها تشير إلى نصر الله وإعزاز أهل الإيمان ممن يحرصون على الدعوة ويتحملون المشاق في سبيلها سواء كان الداعية رسولاً كريمًا أو أحد المؤمنين، وهذا الإعزاز والانتصار والتمكين يكون في الحياة الدنيا قبل الآخرة. وإن النصر والتمكين للمؤمنين له وجوه عدة، وصور متنوعة من أهمها؛ تبليغ الرسالة، وهزيمة الأعداء، وإقامة الدولة.

ونجد في القرآن الكريم والسنُّة النبوية المطهرة، أن من الأنبياء من قتله أهل الكفر والشرك، كيحيي وزكريا عليهما السلام وغيرهما، ومنهم من حاول قومه قتله إلا أن الله نجاه منهم كنبينا محمد وعيسى ابن مريم عليه السلام، وكإبراهيم الذي ترك قومه وعشيرته مهاجرًا إلى الشام، ونجد من أهل الإيمان على مر العصور ومر الدهور من يسام سوء العذاب، وفيهم من يلقى في خدود الأرض المليئة بالنيران المحرقة، ومنهم من يقتل في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر، ومنهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد، فأين وعد الله لهم بالنصر والظفر والتمكين؟ وقد طُردوا أو قتلوا أو عذبوا؟ (9)

يقول سيد قطب - رحمه الله -: (ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل، ويفعل بها الأفاعيل:

إن الناس يقيسون بظواهر الأمور، ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير.

إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمان وحيز محدود من المكان وهي مقاييس بشرية صغيرة، فأما المقياس الشامل، فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان، ولا يضع الحدود بين عصر وعصر، ولا بين مكان ومكان، ولو نظرنا إلى قضية الإيمان والاعتقاد لرأيناها تنتصر من غير شك. وانتصار قضية الإيمان هو انتصار أصحابها، فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها، وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها.

والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صورة معينة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم، ولكن صور النصر شتى، وقد يلتبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة.. إبراهيم عليه السلام وهو يلقي في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها.. أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟ ما من شك - في منطق العقيدة - أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار، كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار، هذه صورة وتلك صورة وهما في الظاهر بعيد من بعيد.. فأما في الحقيقة قريب من قريب) (10).

وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام كما نصرها باستشهاده، وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه، فتبقى حافزًا محركًا للأبناء والأحفاد، وربما كانت حافزًا محركًا لخطى التاريخ كله مدى أجيال) (11)

إن هناك حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة: ذلك حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة، لقد انتصر محمد في حياته، لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض، فهذه العقيدة لا يتم تمامها إلا بأن تهيمن على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعًا، من القلب المفرد إلى الدولة الحاكمة، فشاء الله أن ينتصر صاحب هذه العقيدة في حياته، ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة، ويترك هذه الحقيقة مقررة في واقعية تاريخية محدودة مشهودة، ومن ثم اتصلت صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية وفق تقدير الله وترتيبه) (12).

---------------------------------------------

مراجع الحلقة الأولى:

( ) انظر: مختار الصحاح لأبي محمد الرازي، ص 635.

(2) انظر: لسان العرب (ج13، فصل النون، باب مكن ص414).

(3) نفس المصدر، (ج13، فصل النون، باب مكن ص414)

(4) نفس المصدر السابق، ص415.

(5) انظر: فقه المسئولية، ص358.

(6) انظر: فقه الدعوة إلى الله (2/713، 714).

(7) التمكين للأمة الإسلامية في ضوء القرآن الكريم، ص13.

(😎 انظر: مجلة المجتمع العدد 1249- 6محرم 1418هـ 13/5/1997م.

(9) انظر: حقيقة الانتصار، ص (13، 14.)

(10) انظر: الظلال (5/3086.)

(11) المصدر نفسه، (5/3086.)

(12) المصدر نفسه، (5/3086.)

 





البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع