البحث

التفاصيل

((( ... وينصرك الله نصراً عزيزاً ... )))

((( ... وينصرك الله نصراً عزيزاً ... )))

الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي/ قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس 

     قال تعالى { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } الفتح 1-3 ، هذه الآيات التي كان يرددها صلى الله عليه وسلم أثناء تحطيمه الأصنام . 

     كان الفتح الأكبر لمكة المكرمة الذي تناولتُ أبرز تفاصيله في مقال الأسبوع الماضي فتحاً عظيماً ، ولكن عمرة الحديبية هي التي مهدت له ، وقد وثقتها سورة الفتح التي نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم بعدها ، ويرى كثيرون أن الفتح المقصود هو صلح الحديبية ، قال الصديق أبو بكر رضي الله عنه [ ما كان فتح أعظم في الإسلام من فتح الحديبيّة ... ] وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه [ إنكم تَعُدُّون الفتح فتح مكة ، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية ] 

     وقصة عمرة الحديبية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه وأصحابه يدخلون مكة آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين ، وهي إشارة إلى دخولها بحج أو عمرة لأن حلق الشعر أو تقصيره من شعائرهما ، قص رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا على أصحابه فاستبشروا لعلمهم أن رؤيا النبي حق ، فاستنفرهم وأعلمهم أنه يقصد مكة معتمراً لا يريد قتالاً ، فخرج معه ألف وأربعمائة من أصحابه وساقوا الهدي أمامهم ، 

     أراد النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة تقرير حق المسلمين في دخول المسجد الحرام وإفهام المشركين أن ليس لهم الهيمنة عليه يحتكرون إدارة شؤونه ويصدون عنه من لا يرغبون بدخوله ، ومن ثم فليس يجوز لهم حجب المسلمين عنه وحرمانهم الاعتمار أو الحج ، ولئن استطاعوا قديماً إقصاءهم فلن ينجحوا اليوم مع إصرار المسلمين على زيارته شأنهم في ذلك شأن جميع القبائل التي كانت تقصده للحج قادمة من كل مكان .

     وكعادة المنافقين المعهودة لم يشاركوا في هذا النُّسُك لظنهم أنه سيكون فيه قتال ، فهم يعتقدون أن قريشاً ما زالت قوية  تملي قراراتها التي تريد وأنها لن تسمح لمحمد وصحبه دخول مكة عليهم ولو بقوة السلاح ، وقد كشف القرآن الكريم سوء نواياهم هذه فقال تعالى { سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا } الفتح 11-12 ،    

     سار المؤمنون مع النبي صلى الله عليه وسلم يطْوُون الطريق إلى البيت العتيق { ... حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة ، فخذوا ذات اليمين ... } رواه البخاري ، وسلك صلى الله عليه وسلم وأصحابه طريقاً وعراً شق عليهم اجتيازه ثم اتجهوا إلى اليمين حتى وصلوا الحديبية قريباً من مكة ، وهنا { ... بَرَكَتْ به راحلته فقال الناس : حَلْ حَلْ فألحَّتْ ، فقالوا خَلَأَتْ القصواء ، خلأت القصواء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخُلُق ، ولكن حَبَسَها حابس الفيل ... } رواه البخاري ، والقصواء ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومعنى حَلْ حَلْ لفظُ يستعمل لزجر الناقة لتقوم ، وخلأت الناقة أي حَرَنَتْ ورفضت السير ، ومعنى حبسها حابس الفيل عن مكة إشارة إلى قصة فيل أبرهة الأشرم الذي أراد هدم الكعبة حيث رفض الفيل دخولها ! وهنا قال صلى الله عليه وسلم يقصد قريشاً { ... والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطَّةً يُعَظِّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ... } رواه البخاري ، ومعنى تعظيم حرمات الله ترك القتال وبالأخص أنهم في شهر حرام .

     أما قريش فقد ذعرت لهذا الزحف الإسلامي المباغت ، وفكرت جادة في إبعاده عن مكة ومنعه دخولها مهما كلفها من مغارم خوفاً من انتزاع مهابتها من أفئدة الناس ، وفي ذات الوقت فإنها تخشى نشوب القتال بينها وبين المسلمين قد تكون هي الخاسرة فيه ، ولتجنب هذا الموقف الحرج أرسلت الوسطاء يفاوضون الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد قال لأحدهم وهو بديل بن ورقاء { ... إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا مادَدْتُهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس ... } رواه البخاري ، وفي كل مرة كان يرجع الوسطاء مؤكدين لقريش بأن محمداً وصحبه ما جاءوا لقتال أو حرب بل لزيارة البيت الحرام وتعظيم حرمته كغيرهم من الناس ، ولكنها ظلت متمسكة بعنادها وتحدّيها غير آبهة بالنتائج .

     ومن سفاهة بعض رجال قريش أن بعثتوا أربعين رجلاً منهم أو خمسين وأمروهم أن يطوفوا بمعسكر الرسول صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحداً ، وقد رموا المعسكر بالحجارة والنبل ، فأسرهم المسلمون وأخذوهم إلى  النبي صلى الله عليه وسلم لكنه عفا عنهم وخلى سبيلهم ، وفي ذلك قال عز وجل { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } الفتح 24 ، ومن أخلاق الإسلام والسكينة التي أنزلها الله في قلوب أتباعه أن رسل قريش كانت تغدو على الرسول صلى الله عليه وسلم وتروح فلا يعترضها أحد ، أما رسل المسلمين إلى قريش فقد تعرضت للهلاك والتضييق ، فخراش بن أمية الخزاعي مثلاً كاد أن يقتل لولا أن أنقذه الأحابيش وهم أحلاف وأتباع لقريش ، وكان صلى الله عليه وسلم أرسله ليبلغ أهل مكة حقيقة مجيئه ، وأنه يريد ا

 





التالي
تهديد إسرائيلي لإخلاء مجمع الشفاء ونحو 100 شهيد شمالا وجنوبا
السابق
"كلنا غزة".. مبادرة كويتية خيرية لدعم أهالي القطاع

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع