البحث

التفاصيل

فتوى بجواز تحديد عدد الحجاج والالتزام بالترخيص ما دام هناك ضرورة او حاجة عامة، وعدم جواز التحايل عليه

الرابط المختصر :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

فتوى بجواز تحديد عدد الحجاج والالتزام بالترخيص ما دام هناك ضرورة او حاجة عامة، وعدم جواز التحايل عليه

 

بقلم

ا.د. علي مُحيي الدين القره داغي

رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

وصلتني مجموعة من الأسئلة حول مدى جواز مخالفة التنظيمات الإدارية بشأن التصريح الخاص بالحج.

 وهل يجوز التحايل على ذلك بناء على الاستدلال بقوله تعالى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (ال عمران:97)، حيث ان لفظ "سبيلا" نكرة يدل على وجوب أداء الحج بأي سبيل سواء كان بالتحايل، ام بدون الأوراق ليؤدي فريضة الحج؟!

الجواب ...

الحمدالله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه الى يوم الدين.

وبعد...

فإن ممالا شك منه أن الله تعالى فرض الحج لمن استطاع اليه سبيلا، وجعله أحد أركان الإسلام، ولذلك يجب على الشخص القادر على الحج أن يسعى لأداء هذا الركن، ولكن حسب شروطه وضوابطه الشرعية، كما هو الحال في بقية الأركان والواجبات الإسلامية.

 وقد نص القرآن الكريم على اهم شرط لوجوبه حيث يقول تعالى ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)(آل عمران97)، وهو شرط استطاعة السبيل ، ودلت آية أخرى على شرط آخر وهو عدم الإحصار فقال سبحانه (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)(البقرة: 196).

وقد ورد حديث في تفسير السبيل بالزاد والراحلة، حيث ضعفه جماعة من أهل الحديث والعلم ،قال الإمام الشافعي في الأم (3/289) إنه منقطع، وقال ابن عبد البر في الاستذكار (3/462) روي من وجوه مرسلة وضعيفة، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الكافي الشافي (50) فيه إبراهيم بن يزيد الجوزي وهو ضعيف، وروي عن عدد من الصحابة بأسانيد ضعيفة.

 ولكن بعض العلماء صححوه من حديث ابن عمر مثل السيوطي في الجامع الصغير (478)، رواه الترمذي (2998)، وابن ماجه (2896)، والبيهقي (8885)، وكذلك صححه السيوطي من حديث عائشة في الجامع الصغير(4780)، وكذلك صححه الصعدي في النوافح العطرة (166)، وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان (5/515)،  لا يقل عن درجة الاحتجاج.

وباختصار شديد فان الحديث بمجموع طرقه ينهض حجة على قبول هذا المعنى، ولكن ليس من باب حصر معناه في الزاد والراحلة فقط،  فهو من باب التفسير والتنزيل، وليس من باب حصره في هذا المعنى، يقول أبو حفص النعماني: " والأخبار المروية أخبار آحاد فلا يترك بها ظاهر الكتاب ولاسيما وقد طعن فيها - أي أحاديث الزاد والراحلة - من وجوه من جهة السند، ومن جهة أن حصول الزاد والراحلة قد لا يكفي فلا بد من اعتبار صحة البدن[1].

ولكن تفسير السبيل بالزاد والراحلة لا يمنع من إدخال ضوابط أخرى منه، مثل القدرة البدنية، وأمن الطريق، ووجود المحرم بالنسبة للمرأة عند جمهور الفقهاء، كما أن الزاد لم يشترط فيه أن يكون متوافرا بالفعل، بل لو أمكنه الكسب في طريقه لزمه الحج، وهذا مذهب مالك رحمه الله ، حيث قال ابن عبد البر(6/242) وقال مالك : كل من قدر على التوصل الى البيت وإقامة المناسك بأي وجه قدر بزاد وراحلة ،او ماشيا على رجليه ، فقد لزمه فرض الحج، ومن لم يستطع بمرض أو زمانة فليس بمخاطب في الحج.

وعند الجمهور لا يكتفي في الوجوب بالقدرة على المشي، بل اشترطوا القدرة على الزاد والراحلة طوال فترة الحج مع ترك نفقة عياله، ومن تلزمه نفقتهم ومدّة ذهابه، وإيابه، وقضاء دينه إلا إذا ترك ما يؤدي به [2]

وقصدي من ذلك أن العلماء لم يكتفوا بالزاد والراحلة في الشروط، بل أضافوا إليهما صحة البدن، وإمكان السير، وزوال خوف التلف، وأمن الطريق، واشترطوا في المرأة شروطا أخرى [3]

فهذا التوسع في دائرة الشروط والضوابط يدل على قابلية الموضوع لقيود أخرى إذا وجد لها دليل معتبر، ولو كان دليلا عاما، أو من خلال المصالح والسياسة الشرعية، حيث إن المحققين قالوا: إن تخصيص الاستطاعة بالزاد والراحلة ترك لظاهر الآية فلا بد من دليل منفصل "[4]

وأكثر من ذلك أن جمهور الفقهاء لم يعتدّوا بتوفير الزاد والراحلة عن طريق الهبة والتبرع لما يترتب على ذلك من المنّة، قال ابن قدامة:" ولا يلزمه الحج ببذل غيره له، ولا يصبر مستطيعا بذلك، سواء كان الباذل قريبا أو أجنبيا، وسواء بذل له الركوب والزاد، أو بذل له مالا"، وفرّق الشافعية بين كون التبرع ممن لا منة له على المباح له كالوالد إذا بذل الزاد والراحلة لابنه فهنا يجب، وبين من له منة كالأجنبي فلا يجب [5]

 

هل لولي الامر فرض ضوابط جديدة ؟

إن من المتفق عليه أن طاعة أولي الأمر من المسلمين بالمعروف واجبة بنصّ القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، فإذا كان أمرهم في شيء مشروع فيجب الالتزام به، ويظهر أن هذا التحديد بضوابطه مشروع،  وإن مما لا شك فيه أن عصرنا مختلف عن بقية العصور السابقة، حيث أصبحت القدرة على السفر والوصول إلى المكان مهما كان بعيدا ميسورة ،

فلو فتح اليوم المجال للحجاج لجاءت عشرات الملايين وأدت الى مشاكل وصعوبات من كثير الجوانب ولا سيما ان معظم مشاعر الحج محدد بأماكن لا تستوعب الملايين، مثل منى والمزدلفة – كما سيأتي شرحه -.

ولهذه المسألة علاقة وطيدة بالسياسة الشرعية وما ذكره الفقهاء حول القيود والضوابط في التراتيب الإدارية المجازة  ما دام ذلك يحقق المصالح ويدرأ المفاسد وفقا لتقديرات اهل العلم والاختصاص.

ومن هنا رأينا الفتاوى والقرارات الجماعية والفردية من علماء الأمة ومجامعها الفقهية بإغلاق المساجد والجوامع، ومنع الجمعة والجماعة وتركهما خلال فترة  كورونا، بل ترك العمرة خلال وقت شدة الوباء، بل تقييد الحج أيضا بعدد قليل من داخل المملكة..

ولذلك أجاز الفقهاء قيام ولي الأمر بوضع القيود والضوابط في بعض الأنشطة بشرط أن يكون ذلك مبنيا على درء المفاسد وتحقيق المصالح الحقيقية، وفقا لبعض الشروط التي ذكرها الفقهاء، وإن كانت دائرة هذه القيود في باب المباح المطلق (أي الاباحة الاصلية) أوسع.[6]

 

موقف المؤتمر السابع عشر الإسلامي:

وقد عرضت هذه المسألة على وزراء خارجية الدول الإسلامية في مؤتمرهم السابع عشر في عمان بالمملكة الأردنية الهاشمية في الفترة (3-7) شعبان 1408 هجرية

الموافق (2-25/3/1988) ميلادية فصدر قرار رقم 17/21- س، نص على ما يأتي ....

إن المؤتمر الإسلامي السابع عشر لوزراء الخارجية ...

انطلاقا من مبادئ ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي، وأهدافه التي نصت على احترام سيادة كل عضو، وعلى تعزيز النظام الإسلامي والتعاون في كل ما من شانه خدمة الإسلام والمسلمين..

وإذ يأخذ في الاعتبار حرص حكومة المملكة العربية السعودية على تسهيل أداء فريضة الحج ومناسك العمرة والزيارة لكل مسلم ومسلمة، وما تبذله من جهود خير في سبيل تنظيم أداء مناسك الحج، وإقامة الحجاج والمعتمرين وسيرهم وتنقلاتهم...

وبعد الاطلاع على المذكرة التي تقدمت بها حكومة المملكة العربية السعودية، والمتضمنة شروعها في خطط جديدة وبرامج ومشروعات لتوسعة الحرمين الشريفين،  وتطوير وتحسين مباني سكن الحجاج ...

وإذ يقر بأن استضافة وتيسير وتسهيل انسياب الحجاج يستلزم تنظيم جموع الوافدين من مختلف أصقاع الأرض مما يؤمن تمتعهم بالخدمات التي توفرها لهم الأجهزة المختصة في المملكة العربية السعودية بصورة تتناسب مع الدافع المكاني لمناسك الحج والعمرة.

1-          يؤيد الإجراءات التي ستتخذها المملكة العربية السعودية التي تحدد عدد الحجاج بنسبة حاصل تتسم بعدد سكان الدولة على عدد المسلمين في العالم.

2-          ويطلب من كل الدول الأعضاء التعاون مع المملكة في كل ما من شأنه تنفيذ الإجراءات الملائمة لذلك، بما يكفل تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع الحجاج وتأمين مناسكهم، وتوفير جميع وسائل الراحة لهم).

وقد ذكرتُ هذا القرار بنصه مع طوله، لأنه يتضمن المصالح في تنفيذ هذا القرار، والمفاسد المترتبة على عدم تحديد عدد الحجاج من الفوضى، والمفاسد المترتبة عليه، بالإضافة إلى تضمينه أن المملكة تبذل قصارى جهدها لتكثير عدد الحجاج من خلال توسيع الحرم الشريف، وتهيئة المشاعر لاستيعاب أكبر قدر ممكن.

وبناء على ذلك صدرت قرارات وفتاوى من هيئة كبار العلماء بالسعودية، بل أكثر من ذلك صدر قرار رقم 178 في 26 /3/ 1418ه حول تنظيم حجاج الداخل، وعدم السماح لهم بالحج إلا بعد خمس سنوات حيث نصّ القرار على ما يأتي:

(وبعد الدراسة والمناقشة، والتأمل، والتماس الحلول، والعلاج المناسب لتحقيق المعاناة والمشقة عمن يريد أداء مناسك الحج، ومنع الأضرار المترتبة على شدّة الزحام، أو تقليلها، فإن مجلس هيئة كبار العلماء بالأكثرية لا يرى ما يمنع من وضع تنظيم للحجاج السعوديين، ومن ذلك أن لا تسمح الحكومة لمن حج بتكرار الحج إلا بعد خمس سنوات كما هو المعمول به مع المقيمين في المملكة من غير السعوديين ما دامت الضرورة تدعو إلى ذلك، إسهاماً في التخفيف على الحجاج، وإعانة لهم على أداء مناسك الحج، ودفعاً للحرج والمشقة عنهم، عملاً بقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185) وقوله تعالى : (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(الحج:78) ، وقوله صلى الله عليه وسلم :"ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته"رواه البخاري (6951) ومسلم (2581)

 

الفتوى

 

وبناء على ما سبق وما سنذكره من الأدلة فإن الذي يظهر رجحانه بوضوح هو أنه يجوز لولي الأمر في المملكة العربية السعودية تحديد عدد الحجاج، وتحديد عدم تكرار الحج في كل خمس سنوات، بل قد يصبح ذلك مطلوباً إذا توافرت الضوابط الآتية:

1-          أن تكون هناك ضرورة، أو حاجة عامة، من حيث عدم استيعاب المشاعر والحرم لأكثر من العدد المحدد، وهذا وارد ومحقق على الرغم من الجهود الكبيرة جداً من توسعة الحرمين الشريفين، حتى أصبحت توسعتها تستغرق معظم المدينة القديمة، ومن تهيئة بقية المشاعر وتوسعتها..

2-          أن تترتب على عدم التحديد مفاسد كبيرة من القتل بسبب الزحام كما رأينا مشاهد كثيرة في الأعوام السابقة.

 وفي هذه الحالة يصبح التحديد مطلوباً شرعاً، لأن حماية الأرواح مقدمة على أداء الأركان، بل إنه بالتنظيم، والتحديد يجمع بين كفتي الميزان: أداء الشعائر ،وحماية الأرواح والنفوس.

 

3- أن يكون التحديد قائماً على العدل، وذلك بربطه بميزان دقيق، والحمد لله ربط التحديد بمعيار نفوس كل بلد، حيث يسمح لكل مليون نسمة أن يأتي للحج ألف شخص.  وهنا يجب منع الاحتكار والمحاباة لأي جهة مهما كانت، كما يجب على المسؤولين تسهيل مهمة الحجاج بكل الوسائل المتاحة، والسعي لمنع الغلاء والاستغلال، فالحكومة مسؤولة عن بذل كل ما في وسعها لتسهيل مهمة الحجاج، وتمكين أكبر قدر ممكن من الحجاج من أداء الحج.

4-          أن يربط بقاء هذا التحديد ببقاء الضرورة أو الحاجة، بحيث يراجع، وينظر إليه في كل عام، لأن الضروريات أو الحاجيات تقدر بقدرها لقوله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة:173).

 

الأدلة:

أولاً: الرد على الاستدلال بلفظ "سبيلاً" في الآية الكريمة (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ ) (ال عمران:97) حيث استدل به المعارض على أن لفظ (سبيلا) نكرة، يشمل كل سبيل، حتى ولو بالاحتيال، وعدم وجود الأوراق.

الجواب:

1- إن لفظ "سبيلاً" ليس عاماً، لأنه نكرة ورد في سياق الإثبات، وليس في سياق النفي حتى يكون عاماً – كما يقول ذلك علماء الأصول، بل هو مطلق يحتاج إلى تفسير، وقد فسّره الرسول -صلى الله عليه وسلم بالزاد والراحلة – كما سبق – كما أضاف إلى معناه الفقهاء والمفسرون: أمن الطريق وغيره – كما سبق -.

2- ثم إن لفظ "سبيلاً" لا يمكن أن يراد به أي سبيل على الإطلاق، وإنما أراد به السبيل الذي تتوافر فيه الشروط الشرعية، وذلك لأنه لو وجد شخص سبيلا، ولكن مع الخوف المؤكد أي عدم وجود أمن الطريق فلا يجب عليه الحج، بل ولو وجد سبيل – حتى ولو كان آمنا - لكنه مريض أو شيخ عاجز عن السير والوصول، لما وجب عليه اتباع السبيل للوصول إلى الحج، بل ينيب.

3- وايضاً فإن العبادات لا تؤدى بطرق غير مشروعة فلو وجد سبيل عن طريق المال الحرام، فلا يجوز أن يحج به، فكذلك الاحتيال الذي حرّمه الله تعالى، فلذلك فالطريق الذي يصل إليه الإنسان بالتحايل ليس السبيل المشروع الذي يحج من خلاله، بالإضافة إلى مخالفة طاعة ولي الامر بالمعروف.

وبالإضافة إلى ما سبق فإن الذي يخالف النظام بدون تصريح، ويذهب إلى الحج تترتب عليه مفاسد وأضرار كبيرة، حيث ينفق ماله وعند الوصول إلى الحدود أو المطار يمنع من الدخول فأدي ذلك إلى تضييعه ماله بدون وجه شرعي، وهذا حرام بالاتفاق، وقد يدخل المملكة بأي وسيلة، وعندئذ يكشف أمره، فيقبض عليه ويتعرض لغرامة كبيرة، بل وللسجن والإهانة، وكل ذلك ممنوع شرعاً، ومانع من أداء الحج.

4-          أن " سبيلاً" فسّره جماهير المفسرين بالزاد والراحلة  بناء على الحديث الذي ذكرناه وهو حديث ينهض حجة - كما سبق- . وفسره جماعة من المفسرين بالقدرة على الوصول الى الحج - كما سبق - كما أضاف إليه الأكثرون أمن الطريق، والصحة البدنية ونحوهما مماً ذ کرناه  .

وأياً ما كان فإن الأقوال المطلقة للفقهاء مثل قول الإمام مالك رحمه الله،  او غيره لا يمكن أن تنزل على نازلة اليوم من صعوبة استيعاب جميع من يروم الحج الذين قد يقدر عددهم بعشرات الملايين، وهؤلاء لم يتحدثوا عن هذه النازلة، ولازم المذهب ليس بمذهب.

 

وما الذي يقول المعارض للتصريح في اشتراط جواز السفر للدخول في المملكة للحج ؟؟

فمثلا اليوم لا يسمح لأي شخص أن يدخل دولة أخرى إلا من خلال جواز السفر،  فهل يقال له ادخل المملكة بدون جواز السفر، وتحايل؟!!!

ومن هنا فكما دخل أمن الطريق والقدرة الصحية والبدنية في شروط وجوب أداء الحج فأي مانع من إدخال هذا القيد فيه، بحيث يكون من شروط أداء الحج الحصول على رخصة الحج، وبعبارة أخرى سيكون ذلك عذراً مشروعاً لتأخير حجه، أو سقوط الحج عنه، إذا مات ولم يدركه الحظ.

وأجمل ما ورد في هذا المكان من أقول الفقهاء ما قاله الإمام ابو منصور الماتريدي (ت 333ه) في تفسير الاستطاعة هنا : ((إنها استطاعة الأحوال والأسباب)) [7] ثم قال (( ولكنا نجعل من يحول بينه وبين البيت معذوراً – مثل البحر - عن التأخير ، ولا يأثم[8]

ثانياً: ذكر بعض الأدلة على جواز تحديد عدد الحجاج، وعدم تكرار الحج خلال خمس سنوات منها:

 

1-          قاعدة الاستطاعة التي هي قاعدة كلية نصيًة بالاستقراء تدل عليها آيات كثيرة منها قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)(البقرة:286 ) وقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ( التغابن:16) وقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، واذا نهيتكم عن شيء فدعوه) رواه البخاري (7288) ومسلم (1337)

ومحل الاستشهاد أن الأماكن الخاصة بأداء أركان الحج وواجباته لا تستوعب في الوقت الحاضر كل من يرغب في الحج، ولذلك ينبغي التحديد وفق أسس عادلة، وهذا هو ما حدث

2-          قواعد اليسر، ورفع المشقة، والحرج والعسر فقال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة:185)  وقال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ( الج:78)، وكذلك وردت أحاديث كثيرة في  الدلالة على هذه القواعد النّصية..

 

ووجه الاستدلال بها أن عدم تحديد عدد الحجاج ، ومنع تكرار الحج خلال السنوات الخمس تترتب عليه مشقة كبرى قد لا تطاق ، بل قد يترتب عليه موت عدد بسبب الزحام كما شهدنا ذلك في السنوات السابقة مع حرص المملكة على التوسع بقدر الامكان

٣ - قاعدة عدم الوقوع في التهلكة والضرر فقال تعالى : ( وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:195)

نعم قد فسرت الآية بأن المراد بها عدم الإنفاق، ولكن الآية عامة، فتبقى دلالتها على منع جميع ما يؤدى إلى التهلكة – في غير الجهاد في سبيل الله - قال ابن عياش : ( وقال زيد في قوله تعالى : وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) : (( والتهلكة: أن يهلك الرجل من الجوع والعطش، أو من المشي )[9]

وذكر الأخفش ( ت 215 ه) أن الباء زائدة ، والتهلكة أي الهلكة ومعناه : (ولا تلقوا أيديكم في الهلكة )[10]

ووجه الاستدلال بالقاعدة القرآنية هذه واضح في حرمة كل ما يؤدى الى هلاك النفس، وقد ثبت أن السماح للملايين الكثيرة سيؤدي إلى هلاك البعض، لذلك بنبغي ان يحدد بقدر ما يدرأ  هذه التهلكة.

5- ما رواه البخاري في صحيحه (1635) وأحمد (3527) بإسناد صحيح والطبراني (11165) وغيرهم بأسانيدهم عن ابن عباس رضي الله عنهما): أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جاء بعد طواف الإفاضة إل السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل، اذهب إلى أمك فأت رسول الله بشراب من عندها، فقال (صلى الله عليه وسلم): ((اسقني)) فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: ((اعملوا فإنكم على عمل صالح)) ثم قال: " لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه وأشار الى عاتقه))

والحديث يدل على أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ترك النزول الى زمزم خوفاً من أنه لو نزل لجعله الناس سنة ، وعندئذ  تزاحموا على النزول في الماء، و غلبوا عليكم بالمكاثرة ، قال الحافظ ابن حجر : "والذي يظهر أن معناه : لولا أن تغلبكم الناس على هذا العمل إذا رأوني قد عملته لرغبتهم في الاقتداء بي، فيغلبوكم بالمكاثرة ، لفعلت، ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم من حديث جابر"(( أتى النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب ، وهم يسقون على زمزم فقال : انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن تغلبكم الناس على سقايتكم لنزعتُه معكم )) والحديث دليل على أن سقاية الحاج خاصة ببني العباس.

 وجه الاستدلال أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ترك النزول إلى ماء زمزم، وسقي الناس خوفاً من تزاحم الناس على هذه الفضيلة و عندئذ يفقد بنو العباس حقهم .[11]

6- وكذلك يستأنس في ذلك بأن الراجح من أقوال أهل العلم أن فرض الحج ليس على الفور، بل على التراخي قال القرطبي: ((دل الكتاب والسنة على أن الحج على التراخي، وهو أحد قولي مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف في رواية عنه، و ذهب بعض المتأخرين من المالكية إلى أنه على الفور، وهو قول داود، والصحيح الأول، لأن الله قال في سورة الحج: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج:27)  وسورة الحج مكية، وقال: ههنا ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (ال عمران: 97)، وهذه السورة نزلت عام أحد بالمدينة، سنة ثلاث من الهجرة، ولم يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة عشر ...))[12]

 

وقصدنا بذلك أن قرار تحديد الحجاج لا يترتب عليه بالضرورة منع الحج، وإنما يترتب عليه تأخيره عن بعض الناس، وهذا جائز ومشروع، لآن الراجح أن الحج على التراخي.

7- - بالإضافة الى قاعدة مقاصد الشريعة والحفاظ على الكليات العامة من حفظ الدين، والنفس، حيث يترتب على هذا القرار الحفاظ عليها في ضرورياتها وحاجياتها، ويترتب على عدم التحديد إلحاق الأضرار والمفاسد بها.

وبذلك تبين لنا صحة القول بجواز تحديد عدد الحجاج حسب الموازين الدقيقة، وعدم تكرار الحج خلال خمسة أعوام بل قد يصبح هذا القرار مطلوباً شرعاً حماية للنفس والدين حسب الضوابط التي ذكرناها، وتبين لنا بوضوح  عدم جواز التحايل على هذا القرار لان التحايل أمر غير مشروع، ولأنه خروج عن طاعة أولي الأمر بالمعروف، ولأنه أيضا تترتب عليه مفاسد كبيرة كما سبق.هذا والله اعلم بالصواب

 وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

كتبه الفقير إلى ربه

علي بن محيي الدين القره داغي

غرة ذي الحجة 1445ه

 

 

 

 



اللباب في علوم الكتاب /ط. بيروت 1419 هجري (5/511-512) [1]

[2] يراجع في تفصيل ذلك: الهداية مع فتح القدير (2/127) وحاشية ابن عابدين (2/195) وبدائع الصنائع (2/122) والشرح الكبير (2/7) النجاح الاكليل، ومواهب الجليل (2/505) وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (2/8) والمجموع للنووي(7/53-57)ونهاية المحتاج(2/378) والمغني لابن قدامة (3/221) والكافي (1/214) والموسوعة الفقهية الكويتية

[3]  المراجع السابقة

[4]  المراجع السابقة

[5] نهاية المحتاج (2/175)

[6] ابن عاشور: مقاصد الشريعة / ط. قطر (3/200) ود. غادة علي عبد الشهيد هيه: سلطة ولي الامر في تقييد المباح وحظره ص 41 ومابعدها

يراجع في ذلك: الاحكام السلطانية للماوردي، ط دار الحديث الظاهرة ص 15 وفهد الثميري تقييد المباح في الفقه والنظام / رسالة ماجستير بالمعهد العالي للقضاء / جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية، ورحيمة بن حمو: السلطة التشريعية للخليقة وضوابطها/ رسالة ماجستير الأمير عبد القادر/معهد الشريعة/ قسطنطينية /ط.2002 م ص /40، والبشير المكي عبد الله، سلطة ولي الامر في تقييد المباح ص (1)

[7] تفسير الماتريد ، ط.. دار الكتب العلمية، بيروت  1426ه، (2/291)

[8] المصدر السابق نفسه (2/433) .

[9] تفسير القرآن من الجامع لابن وهب (ن 197 هـم) ط. دار القرن الاسلامي 2003م (1/60)

[10] معاني القرآن للأخفش، ط. مكتبة الخانجي/ القاهرة ) (1/174) وتفسير الطبري الذي أورد المعاني (3/583) وما بعدها

[11] فتح الباري، ط، المطبعة السلفية بالقاهرة (3/49-2492)

[12] تفسير القرطبي في تفسير الآية 97 من سورة ال عمران، واللباب في علوم الكتاب لابي حفص النعماني (ت775ه ) ط. دار الكتب العلمية، بيروت 1419 هـ - في تفسير الآية نفسها ، ويراجع فتح الباري (378/3) وما بعدها.





التالي
فقرات من كتاب أخلاقيات الطالب الجامعي
السابق
عرفة والحج.. أفضل أيام الله

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع