بسم
الله الرحمن الرحيم
مقاصد الإسراء والمعراج
بقلم: د. محمد عوام
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد لله الذي أسرى بعبده، ليريه من آياته الكبرى،
ويسبغ عليه من نعمائه العظمى، تبصرة وذكرى، والصلاة والسلام على من ختم الله به
رسالاته، وأنهى به شرائعه، وعرج به في مدارك العلا، فجعله نورا يقتدى به، وسراجا
يستضاء به في مدلهمات الأمور، وحوالك العصور والدهور، المصطفى والمجتبى صلى الله
عليه وعلى آله وسلم تسليما.
وبعد، فلا يخفى على مسلم حصيف، من الألباء الفطناء ما
لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكانة عظيمة، ومنزلة رفيعة، فهي المجسّدة
للقرآن الكريم، حيا متحركا في الواقع، وهي المعبرة عن سمو مكانة هذا النبي العظيم
صلى الله عليه وسلم. فمن ثمة كانت ميزانا يزن
بها المسلم أعماله وأقواله، وسائر تصرفاته، فيحاكمها ويزنها بالنموذج النبوي، الذي جعله
الله تعالى قدوة للناس، فيسأل المسلم نفسه،
·
أين
هو من هذا النموذج الرباني الفريد؟ أين هو من أخلاقه وشمائله، وعبادته، وذكره
وشكره لربه؟
·
أين
هو من عدله، وإنصافه، ورقته، ورحمته؟ ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
·
أين
هو من تعامله في بيته مع أهله وأزواجه، وبنيه، وأصهاره، وعشيرته؟
·
أين
هو من تعامله مع أصحابه؟
·
أين
هو من قيادته لدولته؟
·
أين
هو من دعوته وجهاده؟
وهكذا
يضع المسلم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم للمراجعة والتقويم، وينصبها ميزانا
حاكما على كافة تصرفاته، فتنهض بذلك همته، وتقوى عزيمته، ليقتبس من نوره ومشكاته،
ما يستطيع به النجاة والفوز والفلاح. المعضلة الكبرى والطامة العظمى أننا جعلنا
سيرته عليه الصلاة والسلام مثل سير بعض عظماء التاريخ من الحكام والعلماء،
وجعلناها مناسبة سنوية للاحتفال والتبرك والتفنن في المأكولات والمشروبات، بينما
الصحيح أن تكون سيرته الطاهرة وسنته الشريفة مواكبة لنا في ليلنا ونهارنا، وفي
صباحنا ومسائنا، وسائر أيامنا وأعوامنا، نهتدي بها، ونقتفي أثرها، ونستنبط منها
الدروس والعبر، ونأخذ منها التوجيهات والأحكام والحِكَم، هذا هو المطلوب والواجب.
فالله
تعالى جعل النبي صلى الله عليه وسلم محط القدوة والتأسي، وربط الهداية بطاعته
واتباعه، فقال عز وجل: ﴿قُلۡ
أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا
عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ
تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النور:
54].
وأمر
بطاعته فقال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ
فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾
[النساء:80]، وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ
لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[الشورى:52].
وقَالَ
الله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وَقالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[النجم:4،3]، وَقالَ عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ
كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾
[آل عمران:31]، وَقالَ جل جلاله: ﴿لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾
[الأحزاب: 21]، وَقالَ سبحانه وتعالى: ﴿فَلا
وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا
يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[النساء:65]"
كل
هذه الآيات وغيرها تأمر بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو قدوتنا وإسوتنا
ومثلنا الأعلى، وهو الوحيد الذي أمرنا باتباعه وطاعته، وما طاعة أولي الأمر
الشرعيين إلا تابعة لطاعته، فإن هم أطاعوه وطبقوا شريعته، وامتثلوا أوامره، حينها
تجب طاعتهم، فطاعتهم تابعة لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعة الرسول تابعة
لطاعة الله تعالى، بمعنى أن الذي لا يطيع الرسول لا يطيع الله تعالى من باب أولى،
فالرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله تعالى، وهو المبين لشريعته، وما
سيرته وسنته إلا بيان عملي تطبيقي للقرآن الكريم. فلا جرم أن من صدف عن سيرته
وسنته، واستنكف عنهما لحقت به الخسارة حتما، وأدركته الشقاوة غرما.
ولئن
كانت السيرة النبوية الشريفة ميزانا للفرد المسلم، فلا جرم أنها ميزان كذلك للمجتمع
المسلم والدولة المسلمة. هذا الميزان نحتكم إليه فنسأل أين دولنا ومجتمعاتنا من
سيرته وسنته عليه الصلاة والسلام، في برامجنا التعليمية، واقتصادنا المالي،
وسياستنا الداخلية والخارجية، واستعدادنا للدفاع عن حرماتنا ومقدساتنا، وهلم جرا من الأسئلة.
المهم أن سيرته عليه الصلاة
والسلام ملهمة للحاكم المسلم، وللقاضي المسلم، وللمجاهد والعسكري المسلم، وللفرد
المسلم، وللمجتمع والدولة المسلمة، كل يجد فيها بغيته وطريقه ومحققة لطلبته.
فليست السيرة في حس المسلم الصادق مناسبات نلوك بها
ألسنتنا، ونستروح بها على أنفسنا، مهما كانت لهذه المناسبات من شيء من ذلك، ولكنها
قطوف دانية في التذكير والتنبيه، والخروج من حيز الغفلة إلى حيز اليقظة.
ولا يخفى أن مما دونه القرآن الكريم، وتناقلته الأخبار
الصحاح، نقلا متواترا معجزة الإسراء والمعراج، فهي حدث عظيم، لما تضمنه من مقاصد
جمة، وغايات نفيسة، لم ينته بانتهاء الحدث في ذاته، وإنما أصبح خالدا مخلدا، نتعبد
بتلاوته، ونقتبس من أنواره ومقاصده، ونهتدي به في الدفاع عن أقصانا ومسرانا وسائر
مقدساتنا وبخاصة المقدسية. وقد أحسن -بهذه المناسبة المنيفة التي احتفل بها القرآن
الكريم- الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حرسه الله وسدده حين جعلها مناسبة ومحطة
لبناء الوعي، وتجديد الفكر، وإيقاظ الهمم، وشد العزائم نحو المسجد الأقصى الذي
يعيش الأسر والظلم والقهر من حفنة من الصهاينة الأوغاد مستنصرين بالصليبيين
الأحقار. والحق إنه أسر أمة بكاملها، نامت وغفلت وتكاسلت عن تحرير مقدساتها
بالاستعداد.
والإسراء والمعراج ليست رحلة استكشافية لملكوت الأرض
والسموات فحسب، وإنما هي في تصورنا رحلة تعليمية للنبي صلى الله عليه وسلم، ورفعة
لمكانته، وسمو لمقامه، فهي "درجة من درجات التكريم، ووسيلة من وسائل التثبيت،
ولونا من ألوان الاختبار، تجلى به سبحانه وتعالى على نبيه، وأسبغ عليه من بحار
الفيض والإمداد..." فلم تحصل لرسول قبله مثلها،
فمن ثمة خصصتها بالحديث عن مقاصدها، لما للمقاصد من أثر عملي، وهي كما قال الإمام
الشاطبي رحمه الله: "المقاصد أرواح الاعمال".
المقصد الأول: معرفة قدرة الله تعالى
وتوحيده.
يتجلى هذا المقصد في كون الإسراء والمعراج معجزة، لا
يمكن للعقل البشري أن يستوعبها في سياق ما يعيشه من محدودية الزمان والمكان، أو من
خلال محدوديته وقصوره عن إدراك الخوارق والمعجزات التي تخرج عن المألوف، وتخترق
الحجب والسنن، لأن المعجزة سميت بذلك لأن الإنسان يعجز عن إدراك كنهها وحقيقتها،
ومقرونة بالتحدي. من هنا ندرك افتتاح سورة الإسراء بقوله سبحانه وتعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ
لَيۡلا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي
بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ
ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1].
والتسبيح يعني تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله
وجماله ومهابته، ولا يحصل التنزيه إلا بحصول المعرفة الحقة به سبحانه، من هنا كان
هذا المقصد من أأكد المقاصد والواجبات، وهو معرفة الله تعالى. والافتتاح بالتسبيح
هنا للدلالة على عظم الحدث وجلالته، فليس هو حدثا عاديا، ولا عابرا، وإنما هو مما
يقتضي التدبر والتأمل فيه، والوقوف عند معانيه ومراميه. قال الإمام الطبري رحمه
الله: "عني تعالى ذكره بقوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ تنزيها للذي أسرى بعبده، وتبرئة له مما يقول فيه
المشركون من أن له من خلقه شريكا: وأن له صاحبة وولدا، وعلوا له وتعظيما عما
أضافوه إليه، ونسبوه من جهالاتهم وخطأ أقوالهم".
وقد كان لحدث الإسراء هزة وبلاء وتمحيصا للقلوب الضعيفة،
من جراء استثماره من المشركين ليزرعوا من خلاله الشك والريبة في النفوس، التي لم
تستوعب الحدث المرتبط بقدرة الله تعالى المطلقة والمعجزة. وهذا ما دونه ابن إسحق
بقوله: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به من المسجد الحرام إلى
المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشي الإسلام بمكة وفشي في القبائل
كلها، وكان مسراه، وما ذكر منه، بلاء وتمحيص، وأمر من الله عز وجل في قدرته
وسلطانه، عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة وبيان، لمن آمن وصدق، وكان من أمر الله على
يقين، فأسرى به كيف شاء وكما شاء، ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من
أمر الله عز وجل وسلطانه العظيم، وقدرته التي صنع بها ما يريد، حتى ذكر من
يصدقه".
بهذا يظهر أن معرفة الله تعالى حق المعرفة، تعصم النفس
من الشك والارتياب، وتبعث على الطمأنينة والارتياح، فتتجلى لها القدرة الربانية
الباهرة، والمعجزة الخالدة، فتصدق بكل ما يصدر عن نبيها صلى الله عليه وسلم. وهذا
ما ألفيناه في حق سيدنا أبي بكر الصديق متجليا، فلما طفق رسول الله صلى الله عليه
وسلم يخبر الناس، فكذب من كذب، وارتد من ارتد من ضعاف النفوس، لكن أبا بكر لما
أخبروه بذلك بادر إلى التصديق" وقال: وإني لأصدقه في خبر السماء بكرة وعشية،
أفلا أصدقه في بيت المقدس؟ وذكر أن الصديق سأله عن صفة بيت المقدس، فذكرها له رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: فيومئذ سُمي أبو بكر الصديق".
وهذا مبدأ إيماني أصيل في شريعة الإسلام، لا يستقيم
إيمان المرء إلا به، الإيمان بقدرة الله تعالى المطلقة، التي لا تحده حدود، ولا
تقيدها قيود، فهي من خالق الوجود، ولا يدرك كنه هذه الحقيقة الإيمانية إلا من عرف
ربه حق المعرفة، وفي ذلك يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله ردا على المشككين في
الإسراء: "والذين يدركون شيئا من طبيعة القدرة الإلهية، ومن طبيعة النبوة لا
يستغربون في الواقعة شيئا. فأمام القدرة الإلهية تتساوى جميع الأعمال التي تبدو في
نظر الإنسان، وبالقياس إلى قدرته وإلى تصوره متفاوتة السهولة والصعوبة، حسب ما اعتاده
وما رآه. والمعتاد المرئي في عالم البشر ليس هو الحكم في تقدير الأمور بالقياس إلى
قدرة الله".
المقصد الثاني: صفاء الفطرة أو الأمة
الفطرية.
هذا المقصد هو ما نطق به الحديث الشريف، حديث المعراج
الطويل، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
ليلة أسري به:.. وأُتيت بإناءين أحدهما لبن، والآخر فيه خمر، فقيل لي: خذ أيهما
شئت فأخذت اللبن فشربته. فقيل لي: هديت الفطرة. أو أصبت الفطرة أما إنك لو أخذت
الخمر غوت أمتك". وفي رواية أخرى بلفظ "ثم رفع لي البيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر
وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة أنت عليها وأمتك".
فاختيار النبي صلى الله عليه وسلم للّبن، وتصديقه على
ذلك، بكونه أصاب الفطرة دليل على أن شريعته إنما هي شريعة الفطرة، وفيه توجيه
لأمته لكي يكونوا على الفطرة، وينتهجوا سبيلها، ويسيروا على وفقها، ويتمحضوا
لرعيها. فدين الإسلام دين الفطرة، فلذلك جاءت أحكامه منسجمة مع فطر الناس، وهو
مقصد متجلٍّ في جميع تشريعاته وأحكامه، ففي ذلك تزكية لسلامة فطرة النبي صلى الله
عليه وسلم، قيل له "هديت الفطرة" "هي الفطرة أنت عليها
وأمتك"، فبذلك اختار النبي صلى الله عليه وسلم لأمته منهج الفطرة، لتسلك
سبيله، وتقتفي أثره، وتنسج على منواله في جميع أمورها واختياراتها، فضلا عما جاء
مسطرا في شريعة ربها، فهو مراع للفطرة، ويتمحض عنها.
وهذا المقصد الذي تجلى في هذه المناسبة المشرفة، في السماوات
العلا، تنبجس منه حكمة أن هذه الأمة لا بديل لها عن إسلامها، ولا يمكن لها أن تشيح
بوجهها عنه، إن هي أرادت العزة والرفعة والسؤدد، هذا إن حملنا معنى الفطرة على
أنها الإسلام، وهو ما جنح إليه أكثر السلف، عند تفسيرهم لقول الله تعالى: ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ
عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ
وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 30].
ويؤيد هذا التفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلَا
نَصۡرَانِيّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفا مُّسۡلِما وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]، وما رواه مسلم في صحيحه عن عياض
بن حمار رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: "خلقت
عبادي حنفاء كلهم. وإنهم أتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم. وحرمت عليهم ما
أحللت لهم. وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا".
وبهذا يتجلى من خلال معجزة الإسراء
والمعراج تثبيت هذا المقصد، وهو مراعاة الفطرة، وهي إحدى الركائز والصفات المهمة
لهذا الدين، وهو ما أكده الشيخ محمد الغزالي رحمه الله بقوله: "وفي ليلة
الإسراء والمعراج تأكّدت الصفة الأولى لهذا الدين، وهي أنه دين الفطرة". وهذا كله مدعاة لتحفل
الأمة بشأن الفطرة، وتسعى لتثبيتها وترسيخها في واقعها، وتناضل من أجلها، وتدعو
الإنسانية للاستجابة إليها، وبخاصة في القضايا التي تشترك فيها الإنسانية جمعاء.
وإذا كان
علماؤنا وبخاصة الفقهاء منهم قالوا: داعي الطبع أقوى من وازع الشرع" فما إخال
الفطرة إلا من داعي الطبع، والبشرية مهما أصابها من انحراف، وانتكست إلى الحضيض،
وتاهت في بيداء الجهل، فيبقى نداء الفطرة متجذرا في نفسها، راسخا في وجدانها، لا
يحتاج سوى من ينفض عنه ركام العِيّ الذي عقَله.
المقصد الثالث: القيادة والإشراف على بيت
المقدس.
وقد لاح هذا المقصد من خلال إمامة النبي صلى الله عليه
وسلم بالأنبياء في بيت المقدس، حيث صلى بهم، وفي ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم
وهو يحدث قريشا عن مسراه: " وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء. فإذا موسى قائم يصلي،
فإذا رجل ضَرْب جعد كأنه من رجال شَنُوءَة. وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم
يصلي. أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي. وإذا إبراهيم عليه السلام قائم
يصلي. أشبه الناس به صاحبكم (يعني نفسه). فحانت الصلاة فأممتهم". وجاء في (المسند) للإمام
أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما "فلماَ دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجدَ
الأقصى قام يصلِّي، فالتفتَ ثم التَفتَ، فإذا النبيون أجمعون يصلون معه".
وفي هذا دليل على تعظيمه صلى الله عليه وسلم، وتسليم
القيادة له، وفيه تشريف لمكانته، وإشراف على المسجد الأقصى، حتى تكون هذه الأمة
الخاتمة هي المستأمنة على هذا المسجد، لا غيرها البتة. فجعله الله تعالى قبلتها
الأولى، ثم أسرى بنبيها من المسجد الحرام إليه، ليربط بين المسجدين، والقبلتين،
فتكتمل بذلك السيادة والريادة والإشراف على المسجد الأقصى المبارك، وفي ذلك يقول
ابن كثير رحمه الله وهو يتحدث عن بيت المقدس: "معدن الأنبياء من لدن إبراهيم
الخليل، ولهذا جمعوا له هنالك كلهم، فأمّهم في محلتهم، ودارهم، فدل على أنه هو
الإمام الأعظم، والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين".
هذه القيادة لم تكن ظرفية خاصة
بزمانه صلى الله عليه وسلم، وإنما هي قيادة أبدية، ممتدة في الزمان والمكان، باقية
ببقاء هذه الأمة، ومهما عَدَت عليها عوادي الزمان، واختلت في بعض الحقب والأعصار،
كما هو شأن زماننا، زمن الغطرسة الصهيونية المحتلة للمسجد الأقصى والأرض المباركة
فلسطين، فإن واجب الأمة أن تستعيد قيادتها، وتسترجع إمامتها على المسجد الأقصى.
لأجل ذلك مازال الجهاد مستمرا،
والصراع باقيا بيننا وبين الصهاينة وحلفائهم الصليبيين، وما طوفان الأقصى المبارك
الذي عشناه، وما زلنا نعيشه إلا سلسلة من الجهاد المبارك الذي يرمي إلى تحرير
المقدسات، منها المسجد الأقصى، حتى تكون للأمة عليه سلطانها. والحق أن ذكرى
الإسراء والمعراج تمثل لبنة أساسية في بناء الوعي بأهمية المسجد الأقصى، وأنه لا
أمة بلا قدس، ولا قدس بلا أمة، فوجب على كافة الأمة أن تتحمل مسؤوليتها الدينية
والتاريخية إزاء تحرير المسجد الأقصى.
ويؤكد الشيخ محمد سعيد رمضان
البوطي رحمه الله هذا المعنى الذي تنطق به رحلة الإسراء بقوله: "وفيه دلالة على مدى ما ينبغي أن يوجد لدى المسلمين في كل
عصر ووقت، من الحفاظ على هذه الأرض المقدسة، وحمايتها من مطامع الدخلاء وأعداء
الدين، وكأن الحكمة الإلهية تهيب بمسلمي هذا العصر أن لا يهنوا ولا يجبنوا ولا
يتخاذلوا أمام عدوان اليهود على هذه الأرض المقدسة، وأن يطهروها من رجسهم،
ويعيدوها إلى أصحابها المؤمنين".
ونحن نستشف من الإسراء، وهو
السير إلى المسجد الأقصى ليلا، أن تنهض هذه الأمة، ولو في جنح الظلام، فتستجمع
كافة قواها المادية والروحية والمعنوية، فتتجه إلى تحرير قبلتها الأولى، ولو ليلا،
ولا تنتظر حتى يبزغ الفجر، ويلوح الضياء في الأفق، وهذا معنى لطيف وهو أن هذه الأمة
يجب عليها أن تحافظ على قبلتها الأولى. وفي ذكرى الإسراء تأكيد إشرافها على المسجد
الأقصى، وتذكير لها بواجبها تجاهه.
ولا غرو، لتأكيد هذه القيادة
والإشراف، أن تكون قبلة المسلمين الأولى متجهة نحو المسجد الأقصى، لتوحيد الأمة
نحوه، وجمع كلمتهم تجاهه، فالقبلة رمز للوحدة والتوحيد، تمثل بذلك قرة العين، ونبض
القلب، مما يؤكد المنزلة السامقة للمسجد الأقصى في كيان هذه الأمة، حتى إن المغاربة بات في
مخيالهم الجمعي أن من حج ولم يقدس، يعني لم يزر بيت المقدس، فكأنما لم يحج، أو حجه
ناقص.
وقد اعتصموا في ذلك بأحاديث
وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تتحدث عن فضائل بيت المقدس، من ذلك ما رواه
الإمام أحمد "عن أبي هريرة، أو عن عائشة، أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي خير
من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الأقصى".
وما رواه الضياء المقدسي "عن أبي ذر أنه قال تذاكرنا
ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيما أفضل مسجد رسول الله صلى الله
عليه وسلم أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي
أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلّى، وليوشكن لَأَن يكون للرجل مثل سِيَة قوسه
من الأرض، حيث يرى بيت المقدس، خيرا له من الدنيا وما فيها".
ومن اللطائف التي ذكرها شمس الدين السيوطي في إتحافه أن
"بشر بن الحارث الحافي قيل له لِمَ يفرح الصالحون ببيت المقدس قال لأنها تذهب
الهم ولا تستعلى النفس بها، قال: ما بقي عندي من لذات الدنيا إلا أن أستلقي على
جنبي تحت السماء بجامع بيت المقدس".
وصفوة القول من جملة ما سبق أن قيادة وإمامة المسجد
الأقصى، وما حوله من الأرض المباركة، فإنما هي لهذه الأمة، بدلالة إمامة نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم بجميع الأنبياء عليهم السلام، وبدلالة التوجه الأول نحوه
باعتباره قبلة المسلمين الأولى، فجمع الله تعالى لهذه الأمة بين المسجدين
والقبلتين، الحرام والأقصى، تشريفا، ورفعة، وإمامة، وقيادة.
وفي هذا السياق، سياق الحديث عن مقصد القيادة والإمامة
المتجلي في حادث الإسراء والمعراج، لا بد من التنبيه على خطورة التطبيع مع الكيان
الصهيوني الذي اغتصب أرض فلسطين، وأسر بيت المقدس، إذ التطبيع معه نقض لهذه
القيادة والإمامة، وتمكين للمحتل للمزيد من إجرامه، وفرض سطوته وهيمنته على المسجد
الأقصى. فلا جرم أن كل تطبيع أو علاقة مع هذا العدو الغاصب، تعتبر في ميزان الشرع
حراما، والعقل سفاهة، فلا يعتد بها، ووجب على الشعوب نقضها وإبطالها.
المقصد الرابع:
التحقق بالعبودية.
يظهر هذا المقصد من خلال قوله
تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ
لَيۡلا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي
بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ
ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]. وهذا تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ ناداه
بأشرف مقام وهو مقام العبودية، قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله: "ولولا أن
العبودية أشرف المقامات، وإلا لما وصفه الله بهذه الصفة في أعلى مقامات المعراج".
وذهب الشيخ ابن عاشور إلى أن
الإضافة هنا "إضافة تشريف لا إضافة تعريف، لأن وصف العبودية لله متحقق لسائر
المخلوقات، فلا تفيد إضافته تعريفا". والقصد من ذلك بيان تحقق
رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقام العبودية على أكمل الوجوه وأتمها، فنسبه عز
وجل إليه من جهة هذا المقام والصفة، حتى تقتفي أمته سبيله في الاقتباس من أنواره
التعبدية.
ويستبين هذا المقصد أيضا من
خلال فرض الصلاة، إذ فرضت أثناء معراجه عليه الصلاة والسلام إلى السماوات العلا.
فقد قال صلى الله عليه وسلم: "ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم، فرجعت
فمررت على موسى، فقال: بما أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا
تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد
المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى
موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني
عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت فقال مثله،
فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بخمس
صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك
وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت
ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي،
وخففت عن عبادي".
وهذا مما يؤكد أهمية الصلاة، إذ
فرضت في الملأ الأعلى، على خلاف باقي الفرائض الأخرى، وفي ذلك دلالة على أن الصلاة
معراج المؤمن، ليرتقي بها في سلم العبودية، ويسمو بها في مقامات الخضوع والخشوع،
وهي معراجه نحو الله تعالى، ليرتفع بها عن حضيض الدنيا ورعوناتها وملذاتها
وشهواتها، فكانت بذلك الطريق الوحيد لسلوك سبيل الصلاح والإصلاح، فأمر الشارع
بإقامتها، وحث عليها.
من هنا ندرك أهمية الصلاة في
ميزان الشرع، فهي عروج نحو السماء بتحقيق العبودية لله تعالى، وهي في الوقت ذاته
عنوان الحرية من كل الآصار والأغلال التي تكبل الإنسان، فتجعله عبدا للشهوات. وفي
ذلك يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "وفي المعراج شرعت الصلوات الخمس،
شرعت في السماء؛ لتكون معراجا يرقى بالناس كلّما تدلّت بهم شهوات النفوس وأعراض
الدنيا".
وهذا يعني من جهة التفسير الإسرائي والمعراجي
-إن صح هذا التعبير- فإن تحرير الأقصى لا يمكن أن يقع من غير معراج الصلاة، ولهذا
كان لطوفان الأقصى أثره البالغ، في تعديل المواجهة بيننا وبين الأعداء من جهة
معراج الصلاة، ناهيك عن الإعداد المطلوب والمفروض في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم
مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ
وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال: 60]. ولما استنكفت الأمة عن سبيل
معراج الصلاة، وصدفت عن الإعداد المادي والروحي لحقتها الهزائم، وتصدى لها
التقهقر، وذب فيها الضعف، لأنها تنكبت الطريق الأقوم، والسبيل الأرشد.
الخاتمة
هذه بعض المقاصد التي لاحت لي
من خلال ذكرى الإسراء والمعراج:
أولها معرفة
قدرة الله تعالى وتوحيده، فبدون هذه المعرفة لا يتحقق شيء في هذه الحياة، بل حتما
سيعيش الإنسان الضنك والتيه.
وثانيها صفاء الفطرة أو الأمة الفطرية، وإذا تلوثت الفطرة أدى
ذلك إلى تلاشي المجتمعات، وانحلال الرابطة الإنسانية، لذلك يسعى أهل الضلال لتلويث
الفطرة الإنسانية وإفسادها، حتى يتمكنوا من الهيمنة عليها.
وثالثها
القيادة والإشراف على بيت المقدس، فهذه الأمة هي المسؤولة عن هذا البيت والأرض
المباركة، فلا أمة بلا قدس، ولا قدس بلا أمة، كما لا قيادة بلا إسلام، ولا إسلام
بلا قيادة، فإذا فهمنا هذه المعادلة، أدركنا جيدا خطط الأعداء في تحييد القيادة،
وإفراغها من مضمونها، بل جعلها تابعة لها، تتحكم فيها كيف شاءت، ومتى شاءت.
ورابعها
التحقق بمقام العبودية، وهو من تجليات ذكرى الإسراء والمعراج، مما يدل على أن
الترقي في معراج العبودية هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين، وفك الأسر عن المسجد
الأقصى، وما عدا هذا النهج القويم، والمهيع السديد من الأيديولوجيات الضالة،
والأفكار المعوجة، لا يمكن أن تحرر البلاد أو تسعد العباد. قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ
وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰط مُّسۡتَقِيم﴾ [الملك: 22].
والحمد لله رب العالمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.