البحث

التفاصيل

علي عزت بيجوفيتش وكتاب «الإسلام بين الشرق والغرب»: سيرة الفكرة ورحلة البحث عن الإنسان

الرابط المختصر :

علي عزت بيجوفيتش وكتاب «الإسلام بين الشرق والغرب»: سيرة الفكرة ورحلة البحث عن الإنسان

بقلم: فرج كُندي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

يصعب الحديث عن المفكر البوسني علي عزت بيجوفيتش بمعزل عن التجربة التاريخية التي صاغت شخصيته. فهو ليس مجرد مفكر كتب في الفلسفة والدين والحضارة، ولا مجرد رئيس دولة قاد شعبه خلال حرب الإبادة في البوسنة، بل يمثل نموذجًا نادرًا للمفكر الذي صاغ أفكاره في قلب المعاناة، ثم اختبرها في ميدان السياسة والحرب والدولة.

لقد كان بيجوفيتش واحدًا من أبرز العقول الإسلامية في القرن العشرين، ومن أكثرها قدرة على مخاطبة الإنسان المعاصر بلغة فلسفية عالمية دون أن يتخلى عن مرجعيته الإسلامية. ولهذا لا يمكن فهو كتابه الأشهر «الإسلام بين الشرق والغرب» إلا من خلال فهم سيرته الفكرية أولًا، لأن الكتاب في حقيقته ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو خلاصة رحلة عمر طويلة بين الإسلام وأوروبا، وبين الفلسفة الحديثة والإيمان، وبين السجن والحرية، وبين الشرق والغرب.

أولًا: التكوين الفكري لعلي عزت بيجوفيتش

ولد علي عزت بيجوفيتش سنة 1925 في مدينة "بوسانسكي شاماتس" في بيئة أوروبية ذات جذور إسلامية،

وكانت البوسنة تمثل حالة فريدة في أوروبا؛ فهي جزء من الحضارة الغربية جغرافيًا، لكنها تحمل إرثًا إسلاميًا عميقًا ثقافيًا وروحيًا، هذه الازدواجية الحضارية صنعت شخصية بيجوفيتش منذ بدايته تكوينه المعرفي.

فهو لم ينشأ داخل مجتمع إسلامي كما حدث لكثير من المفكرين المسلمين، بل عاش داخل البيئة الأوروبية نفسها، واطلع على الفلسفات الغربية من مصادرها الأصلية، وقرأ الأدب الأوروبي، ودرس الفكر الحديث، وشاهد عن قرب نتائج العلمانية والمادية والليبرالية والشيوعية، ومن هنا جاءت خصوصية مشروعه الفكري.

فهو لم يكن يتحدث عن الغرب من الخارج، بل من الداخل، ولم يكن ينقد الحضارة الغربية انطلاقًا من موقف عدائي أو أيديولوجي مسبق، وإنما من خلال معرفة دقيقة ببنيتها الفكرية ومقدماتها الفلسفية.

السجن بوصفه جامعة فكرية

تعرض بيجوفيتش للملاحقة والاعتقال أكثر من مرة في عهد جوزيف بروز تيتو بسبب نشاطه الإسلامي، وفي السجن أمضى سنوات طويلة كانت من أكثر مراحل حياته إنتاجًا وتأملًا، وهناك نضج مشروعه الفكري الكبير. لقد أدرك أن الأزمة الحقيقية للعالم الحديث ليست أزمة اقتصاد أو سياسة أو علم، بل أزمة معنى؛ فالإنسان المعاصر يمتلك وسائل العيش، لكنه يفقد مبررات الحياة.

ويملك القوة، لكنه يفتقد الغاية، ومن هنا بدأت رحلته للبحث عن موقع الإسلام بين الفلسفات المتصارعة.

الفكرة المركزية في كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب"

الإسلام بين الشرق والغرب ليس كتابًا في الفقه ولا العقيدة التقليدية، إنه مشروع فكري فلسفي حضاري ضخم.

يحمل سؤال مركزي يدور حوله الكتاب هو

لماذا عجزت الفلسفات المادية عن تفسير الإنسان؟

يرى بيجوفيتش أن الإنسان هو المعضلة الكبرى التي فشلت الحضارات الحديثة في فهمها؛ فالإنسان ليس مادة خالصة، وليس روحًا مجردة، وليس حيوانًا متطورًا فقط؛ كما أنه ليس ملاكًا منزّهًا عن المادة، إنه كائن مزدوج يحمل في داخله عنصرين، الطين والروح، ومن هنا يبدأ البناء الفكري للكتاب كله.

الإنسان بين عالمين

يرى بيجوفيتش أن الإنسان يعيش في منطقة وسطى بين عالمين، عالم الطبيعة وعالم ما وراء الطبيعة؛ فالجانب الجسدي فيه يخضع لقوانين المادة. أما الضمير والأخلاق والجمال والدين والحرية فلا يمكن تفسيرها تفسيرًا ماديًا خالصًا، ولهذا اعتبر أن المذاهب المادية وقعت في مأزق فلسفي عميق لأنها استطاعت تفسير الحيوان لكنها عجزت عن تفسير الإنسان.

نقد الداروينية والمادية

من أهم محاور الكتاب نقد التفسير المادي للوجود؛ فبيجوفيتش لا يناقش الداروينية باعتبارها نظرية بيولوجية فحسب؛ بل يناقش تحويلها إلى فلسفة شاملة تفسر الإنسان كله، ويؤكد أن الإنسان لا يُختزل في تاريخه البيولوجي، فحتى لو أمكن تفسير الجسد تطوريًا فإن الحرية والأخلاق والفن والدين لا يمكن تفسيرها بالطريقة نفسها، ولهذا يطرح سؤالًا عميقًا، إذا كان الإنسان مجرد نتاج للمادة، فمن أين جاءت فكرة الواجب الأخلاقي؟ ومن أين جاء الاستعداد للتضحية؟ ومن أين جاء الشعور بالعدل؟

الدين بوصفه ضرورة إنسانية

يؤكد بيجوفيتش أن الدين ليس ظاهرة طارئة في التاريخ، بل هو جزء من البنية العميقة للإنسان فحيثما وجد الإنسان وجد الدين، ولهذا يرى أن الإلحاد ليس الحالة الطبيعية للبشرية كما يزعم بعض المفكرين الماديين؛ بل هو استثناء تاريخي محدود، أما التدين فهو الظاهرة الإنسانية الأكثر رسوخًا واستمرارًا.

الشرق والغرب في فلسفة بيجوفيتش

من أكثر الأفكار أصالة في الكتاب أن الشرق والغرب ليسا مجرد موقعين جغرافيين؛ بل يمثلان اتجاهين حضاريين؛ فالشرق يرمز إلى الروحانية، والغرب يرمز إلى المادية والتنظيم والعلم.

لكن بيجوفيتش يرفض الانحياز المطلق لأي منهما؛ فهو يرى أن الحضارات الشرقية حين تنغلق على الروح وحدها تقع في السلبية والعجز التاريخي.

كما أن الحضارة الغربية حين تنغلق على المادة وحدها تقع في الفراغ الروحي والاغتراب.

الإسلام بوصفه طريقًا ثالثًا

هنا تظهر الفكرة الكبرى للكتاب؛ فالإسلام عند بيجوفيتش ليس شرقًا خالصًا ولا غربًا خالصًا إنه تركيب فريد بين العالمين؛ إنه تركيب فريد بين العالمين؛ ففيه العمل والعبادة، الفرد والمجتمع، العقل والوعي، الدنيا والآخرة، ولهذا اعتبر أن الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي نجحت في تحقيق التوازن بين المتناقضات التي مزقت الفكر الإنساني.

الفن والأخلاق والجمال

خصص بيجوفيتش صفحات عميقة لتحليل الفن والجمال، ويرى أن الفن في جوهره شهادة على وجود البعد الروحي للإنسان؛ فاللوحة الفنية لا تُفسَّر بقوانين الفيزياء، والموسيقى لا تُفسَّر بالكيمياء، والشعر لا يُختزل في البيولوجيا، إنها جميعًا إشارات إلى أن الإنسان أكبر من المادة، ومن هنا اعتبر أن الفن والدين يلتقيان في نقطة واحدة هي تجاوز العالم المادي نحو المعنى.

الحرية في فكر بيجوفيتش

من أهم محاور الكتاب مفهوم الحرية؛ فالحرية عنده ليست مجرد حق سياسي؛ بل هي دليل على الطبيعة الروحية للإنسان، لأن الإنسان إذا كان خاضعًا بالكامل لقوانين المادة فلن تكون هناك حرية حقيقية، ولن تكون هناك مسؤولية أخلاقية، ولهذا اعتبر أن الإيمان بالله هو الأساس الفلسفي الأعمق لفكرة الحرية الإنسانية.

أثر ثقافته الإسلامية في نقد الحضارة الغربية

الميزة الكبرى في مشروع بيجوفيتش أنه لم يقع في عقدة الانبهار بالغرب؛ كما لم يقع في عقدة رفض الغرب؛ فهو أعجب بالعلم الغربي، وقدّر إنجازاته المؤسسية؛ لكنه رأى أن الغرب ارتكب خطأً كبيرًا حين حاول تحويل العلم إلى فلسفة للحياة.

فالعلوم الطبيعية تفسر الأشياء لكنها لا تفسر الغايات، وتشرح الكيف لكنها لا تجيب عن سؤال: لماذا؟

ولهذا رأى أن أزمة الحضارة الغربية ليست أزمة معرفة، بل أزمة معنى.

انعكاس التجربة البوسنية على أفكار

حين تعرض المسلمون في البوسنة للإبادة خلال تسعينيات القرن العشرين اكتشف بيجوفيتش بوضوح حدود الخطاب الحضاري الغربي؛ فقد شاهد كيف يمكن لأوروبا التي تتحدث عن حقوق الإنسان أن تقف عاجزة أمام مذابح كبرى وهنا تعمقت لديه القناعة بأن الحضارة لا تُقاس بالتقدم التقني وحده؛ بل بمدى التزامها بالقيم الأخلاقية.

لماذا بقي كتاب «الإسلام بين الشرق والغرب» حيًا؟

بقي هذا الكتاب حيًا لأنه لم يناقش قضية تخص المسلمين وحدهم؛ بل ناقش السؤال الإنساني الأكبر ما الإنسان؟ وهل هو مجرد كائن بيولوجي محكوم بالمادة؟ أم أنه يحمل سرًا يتجاوز الطبيعة؟

لقد حاول علي عزت بيجوفيتش أن يبرهن أن أزمة العصر الحديث ليست في نقص العلم، بل في اختزال الإنسان إلى مادة. وأن الإسلام ليس مجرد منظومة شعائر أو أحكام، بل رؤية كونية متكاملة تعيد التوازن بين الجسد والروح، وبين العقل والوحي، وبين الحرية والمسؤولية.

ولهذا فإن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في دفاعه عن الإسلام، بل في محاولته بناء جسر فكري بين الحضارات، وتقديم الإسلام بوصفه إجابة حضارية على المأزق الوجودي الذي يعيشه الإنسان المعاصر؛ وهو ما جعل بيجوفيتش واحدًا من أكثر المفكرين المسلمين عمقًا وأصالة في القرن العشرين.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع