البحث

التفاصيل

كتاب : فقه الجهاد .. الحلقة [ 43 ] : الباب الرابع : أهداف الجهاد (القتالي) في الإسلام الفصل الثالث : أهداف مرفوضة للجهاد في الإسلام (2 من 2)

الرابط المختصر :

• نصان يحتاجان إلى بيان :

لكن هناك نصَّان في هذا الصدد يحتاجان إلى بيان:

• الآية الثالثة من سورة التوبة:

أولهما: النصُّ الذي يحمل معنى التهديد لمَن تولَّى وأعرض، وهو ما جاء في قوله تعالى في سورة التوبة: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة:3[

وسبب ذلك: أن سورة التوبة كانت بمثابة إعلان للحرب على مشركي العرب خاصة، الذين نقضوا العهود، وتعدُّوا الحدود، ولم يكن لهم دولة تمثِّلهم أو تتكلم باسمهم، بحيث يمكن التفاهم معها، وكان الإسلام حريصا على أن يؤمِّن نفسه، ويجعل من جزيرة العرب، أو على الأقل من منطقة الحجاز منها (حرما للإسلام)، يجب أن يخلص له، ولا يبقى فيه سلطان للوثنية أو لدين آخر. ولهذا لم تبدأ السورة - كسائر سور القرآن - بالبسملة، وافتتحت بهذا الإنذار: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة:1]. ومع هذا أعطاهم مهلة أربعة أشهر يختارون فيها لأنفسهم ويحدِّدون موقفهم.

واستثنى مَن كان له عهد محدَّد المدَّة، فيحترم عهده، ما لم يخرمه بالنقص من حقوق المسلمين التي يستحقُّونها بالعهد، أو بمظاهرة أعداء المسلمين عليهم، كما قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:4[

ثم قال تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:5]: يعني: الأشهر الأربعة التي أُمهلوا فيها.

وهذا أشدُّ ما ورد في القرآن من معاملة الأعداء، وتعتبر معاملة هؤلاء العرب الوثنيين خاصة معاملة استثنائية، بالنسبة لمعاملة غيرهم من سائر خصوم المسلمين. وعلى كلِّ حال أصبح هذا أمرا تاريخيا، فقد انتهى بأسبابه ودوافعه وأهدافه وظروفه، ودخل هؤلاء العرب الوثنيون جميعا في الإسلام مختارين، قبل أن تنتهي المدَّة التي حُدِّدت لهم، وأصبحوا عَصَبَته وجنده الأولين.

وقد رجحنا فيما سبق أن المقصود بهذه الآيات: هم الذين نقضوا العهد، ولم يحترموا أي اتفاق، أو يخضعوا لأي نظام، ولهذا قال: {أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [التوبة:13[

ومع هذه نجد القرآن يقول بعد هذه الآية: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5]: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ * كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} [التوبة:6-10[

فهكذا كان موقف هؤلاء المشركين الوثنيين، بعد حوالي اثنين وعشرين عاما من الدعوة والبلاغ، ثم من الأذى والاحتمال، ثم من الصدام والنزال، وتبيَّن من مواقف الوثنية العربية خلال هذه المدَّة: أنها مصمِّمة على القضاء على الإسلام، واستئصال جذوره، وقد هاجمته في عقر داره أكثر من مرَّة، ولا سيما في غزوة الأحزاب، ولم تظفر بتحقيق مأربها. فكان لا بد للإسلام أن يتَّخذ قراره الحاسم، ويبادر بضرب الوثنية العربية ضربة قاصمة، قبل أن تتجمَّع هي - مرَّة أخرى - على ضربه وإنهاء وجوده، وقد تساعدها قوى خارجية متربِّصة. وخصوصا دولتي الفرس والروم اللتين كانتا تحكمان العالم القديم يومئذ.

وكان الوحي الإلهي من كتاب الله هو الذي يسدِّد خُطا النبي صلى الله عليه وسلم، ويرسم له طريقه بوضوح، فقد أمرت الآيات المُحكمة من القرآن بعدة أمور:

أ ) إمهال المشركين الذين لا عهد لهم أربعة أشهر يفكِّرون من خلالها في مصيرهم ويختارون لأنفسهم.

ب ) مَن كان له عهد من المشركين وُفِّي له بعهده إلى مدَّته، ما استقام حاله مع المسلمين.

ج ) مَن استجار من المشركين بالمسلمين، فله حقُّ الجوار حتى يسمع كلام الله، وتبليغه دعوة الإسلام، ويبقى في جواره، حتى يبلغ مأمنه.

د ) استثنى القرآن الذين عاهدهم المسلمون عند المسجد الحرام، فما استقاموا مع المسلمين يجب أن يستقيموا لهم. ومقتضى هذا الاستمرار والتأبيد.

هـ ) أصبح المسجد الحرام خالصا للمسلمين، ولا يجوز أن يكون للوثنية فيه وجود علني ابتداء من الموسم القادم. كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ} [التوبة:28[

• الآيتان 88 و 89 من سورة النساء :

والنص الثاني: قوله تعالى في سورة النساء: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} [النساء:89،88[

ويلاحظ أن التولِّي هنا ليس هو الإعراض عن الدعوة بعد أن بلغت إليهم، كما في سائر الآيات الأخرى، بل هو تولٍ عن الهجرة والانضمام إلى جماعة المسلمين وإظهار الولاء لهم، بدل النفاق والتذبذب الذي كان عليه هؤلاء القوم، فهم مع المسلمين بوجه، ومع أعدائهم بوجه آخر.

وقد نقل الشيخ رشيد رضا عن شيخه الإمام محمد عبده تفسير النفاق هنا بأنه النفاق في الولاء والمحالفة أي ما نسميه اليوم (النفاق السياسي) قال: (والمنافقون هنا: غير من نزلت فيهم آيات البقرة، وسورة المنافقين، وأمثالهن من الآيات. المراد بالمنافقين هنا: فريق من المشركين، كانوا يُظهرون المودَّة للمسلمين والولاء لهم. وهم كاذبون فيما يظهرون. ويحتاطون بإظهار الولاء للمسلمين إذا رأوا منهم قوة، فإذا ظهر لهم ضعفهم انقلبوا عليهم، وأظهروا لهم العداوة. فكان المؤمنون منهم على قسمين: منهم مَن يرى أن يُعَدُّوا من الأولياء، ويُستعان بهم على سائر المشركين المحادِّين لهم جهرا. ومنهم مَن يرى أن يعاملوا كما يعامل غيرهم من المجاهرين بالعداوة، فأنكر الله عليهم ذلك) [1[

قال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى في سورة النساء: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً} [النساء:91[

)قال المفسرون: هم قوم من أَسَد وغَطَفَان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا، وغرضهم أن يأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم، {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا}: أي كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين: أركسوا فيها: أي رُدُّوا مغلوبين منكوسين فيها، وهذا استعارة لشدَّة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين. لأن مَن وقع في شيء منكوسا يتعذَّر خروجه منه.

وقال في تفسير: {فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ...}: والمعنى: فإن لم يعتزلوا قتالكم، ولم يطلبوا الصلح منكم، ولم يكفُّوا أيديهم، فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم. قال الأكثرون: وهذا يدلُّ على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا، وكفُّوا أيديهم عن إيذائنا: لم يجُز لنا قتالهم ولا قتلهم. ونظيره قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة:8]، وقوله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة:190]، الأمر بالقتال لمَن يقاتلنا دون مَن لم يقاتلنا) [2] اهـ.

وهذا كلام وجيه ومدلَّل من الإمام الرازي يجب التنويه به، في مواجهة أصحاب (آية السيف(

وقبل الرازي ذكر الجصاص في (أحكام القرآن) قال: فخصَّ الأمر بالقتال لمَن يقاتلنا، دون مَن لم يقاتلنا. قال: ثم نسخ ذلك بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5]، على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس.

قال: (ومن الناس مَن يقول: إن هذه الآيات غير منسوخة، وجائز للمسلمين ترك قتال مَن لا يقاتلهم من الكفار، إذ لم يثبت أن حكم هذه الآيات - في النهي عن قتال مَن اعتزلنا وكفَّ عن قتلنا - منسوخ. وممَّن حكي عنه أن فرض الجهاد (يعني مقاتلة جميع الكفار) غير ثابت: ابن شُبرُمة، وسفيان الثوري. إلا أن هذه الآيات فيها حظر قتال مَن كفَّ عن قتالنا من الكفار، ولا نعلم أحدا بين الفقهاء يحظر قتال مَن اعتزل قتالنا من المشركين، وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في حظره. فقد حصل الاتفاق من الجميع على نسخ حظر القتال لمَن كان وصفه ما ذكرنا. والله الموفق للصواب [3] اهـ.

والعجب من الإمام الجصاص: كيف يترك صريح القرآن وهو يحظر قتال من كفَّ عنا واعتزلنا ولم يقاتلنا من الكفار، بمثل قوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} [النساء:90] بدعوى أنه لم يعلم مَن قال بحظر ذلك. أفلا يكفينا القرآن دليلا، حتى نبحث عن قول زيد أو عمرو من الناس؟!

وقد رأينا الفخر الرازي ينقل عن الأكثرين: أنهم إذا اعتزلوا قتالنا، وطلبوا الصلح منا، وكفُّوا أيديهم عن إيذائنا: لم يجُز لنا قتالهم ولا قتلهم. انتهى. وهو واضح بيِّن.

• ثالثا : الهدف الاقتصادي للجهاد مرفوض:

أم هل هدف الجهاد في الإسلام: هدف اقتصادي؟ مثل البحث عن الغنائم والخزائن والكنوز التي يملكها الكفار، ليرثها المسلمون، أو البحث عن أراضٍ خضراء، فيها جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، يجد فيها العرب البداة عوضا عن صحرائهم وباديتهم المُقفِرة، ويخرجون من اللبن والتمر إلى أطعمة الحضر، وحياة الحضر، ونعيم الحضر، كما نجد دول الاستعمار تبحث عن بلاد خِصبة التربة لتستولي على محاصيلها، أو غنية بالمعادن والنفط، لتسيطر على معادنها ونفطها.

والحقُّ أن الإسلام يمنع الفرد المجاهد، أو الجماعة المجاهدة، أن تدخل في نيتها وفي غاياتها: المغانم الدنيوية، سواء كانت مادية مثل الأموال والمغانم والمكاسب، أم كانت معنوية مثل الجاه والشهرة والمحمدة عند الناس.

وإذا دخل شيء من ذلك في غاية الجهاد أو نية المجاهد: أفسد الجهاد، وأضاع أجره، وأخرجه من اعتباره جهادا في سبيل الله، وهو جهاد المؤمنين.

بخلاف قتال الكافرين، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء:76]، وما أعظم الفرق بين الغايتين والسبيلين!

وقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمَن في سبيل الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [4[

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا قال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد، وهو يريد عَرَضًا من الدنيا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أجر له". فأعظم ذلك الناس، وقالوا للرجل: عُدْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك لم تفهمه. فقال الرجل: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي من عَرَض الدنيا؟ قال: "لا أجر له". فأعظم ذلك الناس، وقالوا للرجل: عُدْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له الثالثة: رجل يريد الجهاد وهو يبتغي عَرَضًا من الدنيا؟ فقال: "لا أجر له" [5[

ومن هنا كانت النية الغالبة على الجهاد الإسلامي، هي: إعلاء كلمة الله في أرض الله، ليحقَّ الله الحقَّ، ويبطل الباطل، ولو كره المجرمون. أما النيات المدخولة والملوَّثة بحبِّ الدنيا، فهي مغمورة في بحر هذه النيات الصالحة. والحمد لله ربِّ العالمين.

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن غزا في سبيل الله ولم يَنوِ إلا عِقالا فله ما نوى" [6[

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يُرى موطني؟ فلم يردَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف:110]. رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين [7[

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول الناس يُقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد، فأُتي به، فعرَّفه نعمته فعرَفها. قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدتُ. قال: كذبتَ ولكن قاتلتَ لأن يقال: هو جريء؛ فقد قيل. ثم أُمر به فسحب على وجهه، حتى أُلقي في النار …". رواه مسلم واللفظ له، والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة في صحيحه [8[

وعند الترمذي قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله - تبارك وتعالى - إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد، ليقضي بينهم، وكلُّ أمة جاثية، فأول ما يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثير المال" فذكر الحديث إلى أن قال: "ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله، فيقول الله له: في ماذا قتلتَ؟ فيقول: أي ربِّ أُمرتُ بالجهاد في سبيلك، فقاتلتُ حتى قُتلتُ؛ فيقول الله له: كذبتَ. وتقول له الملائكة: كذبت. ويقول الله تبارك وتعالى: بل أردتَ أن يقال: فلان جريء[9]، فقد قيل ذلك".

ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيَّ؛ فقال: "يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خَلق الله؛ تُسعَّر بهم النار يوم القيامة" [10[

وعن شدَّاد بن الهَاد رضي الله عنه: أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه.

فلما كانت غزاته غنم النبي صلى الله عليه وسلم فقسم وقَسَم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه، فجاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قال: "قسمتُه لك".

قال: ما على هذا اتَّبعتك، ولكن اتَّبعتك على أن أُرمى إلى هاهنا - وأشار إلى حَلقه - بسهم، فأموت، فأدخل الجنة؛ فقال: "إن تصْدُقِ اللهَ يصدُقْك".

فلبثوا قليلا، ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأُتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم يُحمل، قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهُوَ هوَ؟" قال: نعم، قال: "صدق الله فصدقه".

ثم كفَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في جُبَّته التي عليه، ثم قدَّمه فصلى عليه، وكان مما ظهر من صلاته: "اللهم هذا عبدك، خرج مهاجرا في سبيلك، فقتل شهيدا، أنا شهيد على ذلك" [11[

 

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من غازية - أو سرية - تغزو في سبيل الله يَسلمون، ويصيبون، إلا تعجَّلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية - أو سرية - تُخفق[12] وتصاب إلا تمَّ أجرهم" [13[

وفي رواية: "ما من غازية - أو سرية - تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجَّلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تمَّ لهم أجرهم". رواه مسلم وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه [14[

 


: الأوسمة



التالي
كتاب : الحق المر - تأليف : الشيخ محمد الغزالي الحلقة [ 43 ] : سر هزائمنا المتلاحقة

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع