الحَجُّ
جمع والترتیب: عبدالله
احمد درانی
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ،
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْ
آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاهْتَدَى بِهَدْيِهِ إِلَى
يَوْمِ الدِّينِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ
إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، نَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ
الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
الدَّاعِي إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ، صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا
اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَزَوَّدُوا، فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى،
وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، مَا
زِلْنَا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَفِي هٰذِهِ الخُطْبَةِ المُبَارَكَةِ نَتَكَلَّمُ
عَنْ الرُّكْنِ الخَامِسِ مِنْ أَرْكَانِ هٰذَا الدِّينِ العَظِيمِ، أَلَا وَهُوَ
الحَجُّ.
لَقَدْ شَرَعَ اللهُ هٰذِهِ
الشَّعِيرَةَ لِعِبَادِهِ لِمَا فِيهَا مِنَ الأَجْرِ العَظِيمِ، وَالمَصَالِحِ
الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُخْرَوِيَّةِ الجَمَّةِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ
اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا
بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ». مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
وَمَعْنَى الحَجِّ المَبْرُورِ:
الحَجُّ الَّذِي خَلَصَ مِنَ الإِثْمِ وَالرِّيَاءِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ،
تُعَدُّ فَرِيضَةُ الحَجِّ مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ هٰذَا الدِّينِ العَظِيمِ،
وَيَدُلُّ عَلَى ذٰلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى تَحَدَّثَ عَنْهَا فِي مَوَاضِعَ
كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ العَزِيزِ، بَلْ إِنَّ سُورَةَ الحَجِّ هِيَ السُّورَةُ
الوَحِيدَةُ الَّتِي سُمِّيَتْ بِاسْمِ هٰذَا الرُّكْنِ، فَلَا نَجِدُ سُورَةً
بِاسْمِ الصَّلَاةِ أَوِ الزَّكَاةِ أَوِ الصِّيَامِ.
وَقَدْ فَصَّلَ سُبْحَانَهُ فِي
تَنْزِيلِهِ الحَكِيمِ الحَدِيثَ عَنْ أَعْمَالِ الحَجِّ مَا لَمْ يُفَصِّلْ فِي
غَيْرِهِ مِنَ العِبَادَاتِ، وَهٰذَا إِنْ دَلَّ عَلَى شَيْءٍ فَإِنَّمَا يَدُلُّ
عَلَى عِنَايَةِ اللهِ بِهٰذَا الرُّكْنِ العَظِيمِ وَمَكَانَتِهِ الكَبِيرَةِ
عِنْدَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَالمُتَدَبِّرُ لِحَدِيثِ
القُرْآنِ عَنِ الحَجِّ يَلْمَسُ عَدَدًا مِنَ المَقَاصِدِ وَالأَسْرَارِ الَّتِي
يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ مَعَهَا، لَا سِيَّمَا الحَاجُّ، وَأَنْ يَضَعَهَا
نُصْبَ عَيْنَيْهِ؛ لِأَنَّ فَهْمَ المَقَاصِدِ وَالحِكَمِ يُسَاعِدُ بِشَكْلٍ
كَبِيرٍ عَلَى تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللهِ وَحُضُورِ القَلْبِ عِنْدَ القِيَامِ
بِهَا.
أَوَّلًا: تَحْقِيقُ
تَوْحِيدِ اللهِ وَالإِخْلَاصِ لَهُ سُبْحَانَهُ.
فَاللهُ لَمْ يَأْمُرْ
إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبِنَاءِ البَيْتِ إِلَّا لِتَحْقِيقِ
تَوْحِيدِهِ سُبْحَانَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ
بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ
يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
وَالمَقْصَدُ
الثَّانِي: تَحْقِيقُ مَعْنَى العُبُودِيَّةِ وَالانْقِيَادِ
لِلهِ.
وَيَظْهَرُ ذٰلِكَ بِوُضُوحٍ
عِنْدَ اسْتِجَابَةِ الحَاجِّ لِلْقِيَامِ بِهٰذِهِ الفَرِيضَةِ، وَارْتِدَائِهِ
لِبَاسَ الإِحْرَامِ، وَطَوَافِهِ بِالبَيْتِ العَتِيقِ، وَسَعْيِهِ بَيْنَ
الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَوُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ؛ فَهُوَ يَقُومُ بِهٰذِهِ الأَعْمَالِ
مُنْقَادًا لِأَمْرِ اللهِ، وَتَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ: «خُذُوا
عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
وَالمَقْصَدُ
الثَّالِثُ: تَنْقِيَةُ النَّفْسِ مِنَ الأَخْلَاقِ
المَذْمُومَةِ وَالرَّذَائِلِ.
فَقَدْ نَهَى اللهُ الحَاجَّ
عَنِ الفُحْشِ وَالسِّبَابِ وَاللَّغْوِ وَالجِدَالِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ
الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا
مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾.
وَذٰلِكَ تَعْظِيمًا
لِفَرِيضَةِ الحَجِّ مِنْ جِهَةٍ، وَلِتَعْوِيدِ المُسْلِمِ عَلَى الابْتِعَادِ
عَنْ هٰذِهِ الأَخْلَاقِ المَذْمُومَةِ وَالأَفْعَالِ الرَّذِيلَةِ مِنْ جِهَةٍ
أُخْرَى.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي
القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ
وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هٰذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ
وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ للهِ الَّذِي
بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِفَضْلِهِ تَتَنَزَّلُ الخَيْرَاتُ
وَالبَرَكَاتُ، وَبِتَوْفِيقِهِ تَتَحَقَّقُ المَقَاصِدُ وَالغَايَاتُ، وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، إِنَّ
فَرِيضَةَ الحَجِّ فَرِيضَةٌ اسْتِثْنَائِيَّةٌ ذَاتُ أَبْعَادٍ فَرِيدَةٍ،
وَهُنَاكَ عَامِلَانِ أَسَاسِيَّانِ تَجِدُهُمَا فِي جَمِيعِ المَنَاسِكِ.
أَمَّا العَامِلُ الأَوَّلُ
فَهُوَ الذِّكْرُ؛ فَالحَجُّ مَدْرَسَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، رُوحُهَا وَسِرُّهَا
ذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالقُرْآنُ الكَرِيمُ يَرْبِطُ كُلَّ مَنْسَكٍ
بِالذِّكْرِ. نَكْتَفِي بِبَعْضِ الآيَاتِ:
﴿وَاذْكُرُوا
اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾،
﴿فَإِذَا
أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾،
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ
كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
كَأَنَّ اللهَ يَقُولُ: لَيْسَ
المَقْصُودُ مِنَ الحَرَكَةِ فِي الحَجِّ حَرَكَةَ الجَسَدِ فَقَطْ، بَلْ حُضُورُ
القَلْبِ مَعَ اللهِ.
وَقَدْ قَالَتْ أُمُّ
المُؤْمِنِينَ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رضي الله عنها: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ
بِالبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الجِمَارِ؛ لِإِقَامَةِ
ذِكْرِ اللهِ».
اللهُ أَكْبَرُ، كُلُّ
المَنَاسِكِ تَدُورُ حَوْلَ مَعْنًى وَاحِدٍ: أَنْ لَا يَغِيبَ اللهُ عَنْ
قَلْبِكَ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، مَا
سِرُّ الذِّكْرِ؟
إِنَّ الذِّكْرَ يُعِيدُ
تَرْتِيبَ الدَّاخِلِ، وَيَنْقُلُ الإِنْسَانَ مِنْ غَفْلَةٍ إِلَى يَقَظَةٍ،
وَمِنْ تَشَتُّتٍ إِلَى حُضُورٍ، وَمِنْ قَلَقٍ إِلَى سَكِينَةٍ.
فَلَا تَقُلْ: قَلْبِي غَافِلٌ،
بَلْ قُلْ: أُدَاوِي قَلْبِي بِذِكْرِ اللهِ.
فَاجْعَلْ لِسَانَكَ رَطْبًا
بِذِكْرِ اللهِ فِي حَجِّكَ، وَفِي طَوَافِكَ، وَفِي سَعْيِكَ، وَفِي وُقُوفِكَ
بِعَرَفَةَ، وَفِي كُلِّ نَفَسٍ مِنْ أَنْفَاسِكَ، وَقُلْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ:
اللَّهُمَّ اجْعَلْ حَجَّنَا
ذِكْرًا، وَذِكْرَنَا حُضُورًا، وَحُضُورَنَا قَبُولًا.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ
وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، سَيِّدِ الذَّاكِرِينَ وَإِمَامِ
المُوَحِّدِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبَنَا، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا، وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا لِسَانًا
ذَاكِرًا، وَقَلْبًا خَاشِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا.
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنْ
سُوءِ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ دَوْلَةَ
قَطَرٍ أَمْنَهَا وَأَمَانَهَا وَإِيمَانَهَا، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ
الرَّاحِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ
يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى، وَيَنْهَىٰ عَنِ
الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
-150x150.jpg)