الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185)
أكتب هذه الدراسة بعد ثلاثة أيام من رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، وفاءً لرجل جمعتني به علاقة طيبة ولقاءات أعتز بذكراها، ورغبة في توثيق مسيرة قائد ترك أثراً واضحاً في تاريخ وطنه، وكان له حضور فاعل في عدد من قضايا أمته العربية والإسلامية، ومواقف بقيت شاهدة على اهتمامه بشؤونها، وقربه من هموم شعوبها، وانحيازه إلى كثير من قضاياها العادلة.
ولقد اقترن عهد الأمير الوالد (رحمه الله)، بمرحلة مفصلية من تاريخ دولة قطر الحديثة، شهدت خلالها البلاد تحولات واسعة في بناء الدولة ومؤسساتها، وإدارة مواردها، وتطوير اقتصادها، والاستثمار في الإنسان، وتعزيز حضورها العربي والإسلامي والإقليمي والدولي. فمنذ توليه مقاليد الحكم في السابع والعشرين من يونيو عام 1995، مضت قطر في مشروع وطني واسع لم يحصر مفهوم النهضة في وفرة الثروة أو اتساع العمران، وإنما اتجه إلى توظيف الإمكانات المتاحة في بناء الإنسان، وتطوير المؤسسات، وتنمية الاقتصاد، وتوسيع مجالات التعليم والصحة والبحث العلمي والثقافة والإعلام والرياضة، بالتوازي مع بناء سياسة خارجية أكثر حضوراً واستقلالاً وانفتاحاً على قضايا المنطقة والعالم. وقد أسهمت هذه التحولات المتتابعة في رسم جانب كبير من ملامح قطر المعاصرة، وفي انتقالها خلال سنوات قليلة إلى مرحلة جديدة من تاريخها؛ ولذلك ارتبط اسم الأمير الوالد، في الذاكرة القطرية والعربية، بمرحلة تأسيسية مهمة من مراحل النهضة الحديثة، وبمشروع ترك بصماته الواضحة في بنية الدولة، وفي خياراتها التنموية والسياسية، وفي المكانة التي أخذت قطر تبنيها لنفسها إقليمياً ودولياً.
أولاً: الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله): النشأة وسنوات التكوين وبداية مشروع النهضة
وُلد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله) في الدوحة عام 1952، في مرحلة كانت فيها قطر تعيش سنوات التأسيس الأولى لمؤسسات الدولة الحديثة، قبل أن تحصل على استقلالها في الثالث من سبتمبر عام 1971. وفي تلك البيئة التي كانت تتشكل فيها ملامح الدولة وتتسع فيها مسؤولياتها، نشأ الشيخ حمد وتلقى تعليمه في قطر، قبل أن ينتقل إلى بريطانيا للدراسة في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية، والتي تخرج منها عام 1971، ومن ثم عاد إلى وطنه، واِلتحق بالقوات المسلحة القطرية، وبدأ مسيرة طويلة في العمل العسكري والقيادي أسهم خلالها في تطوير المؤسسة العسكرية، وتنظيمها ورفع قدراتها.
وفي الحادي والثلاثين من مايو عام 1977، بويع الشيخ حمد بن خليفة ولياً للعهد، وتولى في المرحلة نفسها مسؤوليات بارزة في شؤون الدفاع، لتبدأ مرحلة امتدت قرابة ثمانية عشر عاماً كان خلالها قريباً من أهم ملفات الدولة وتحولاتها. وقد أتاحت له ولاية العهد في سنواتها الطويلة معرفة مؤسسات الدولة من الداخل، ومتابعة تطور القوات المسلحة، والاقتراب من قضايا التخطيط والاقتصاد والتنمية، إلى جانب اضطلاعه بمسؤوليات في مجالات الشباب والرياضة. وفي عام 1989 تولى رئاسة المجلس الأعلى للتخطيط، فازدادت صلته المباشرة بملفات التنمية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وأصبح أكثر اطلاعاً على موارد قطر وإمكاناتها وما تواجهه من تحديات في مرحلة كانت المنطقة والعالم يدخلان فيها تحولات اقتصادية وسياسية متسارعة.
ومن خلال هذه التجربة الطويلة، تبلورت رؤيته لمستقبل الدولة. فقد أدرك أن صغر المساحة وعدد السكان لا يمنعه من بناء دولة ذات حضور وتأثير كبيرين، كما أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يكفي وحده لتحقيق النهضة؛ فالثروة قد تتحول إلى فرصة تاريخية إذا أحسن استثمارها، وقد تبقى مورداً محدود الأثر إذا استُهلكت عائداتها من دون بناء الإنسان والمؤسسات. وها ما جعله يدرك أهمية ربط الاقتصاد القوي بالإرادة الناجحة، واستقلال القرار بقدرة الدولة الداخلية واستمرار التنمية في جميع المجالات.
وعندما تولى مقاليد الحكم في السابع والعشرين من يونيو عام 1995، كان قد أمضى سنوات طويلة في مواقع القيادة والدفاع والتخطيط، ولذلك دخل مرحلة الحكم، وهو يمتلك معرفة متراكمة بالدولة وإمكاناتها. ومنذ السنوات الأولى بدأت معالم مشروع واسع تتضح في اتجاهات متعددة ومترابطة من تأسيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، وإطلاق قناة الجزيرة، والعمل على مشروعات كبرى لتطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال التي بدأت قطر تصديره تجارياً في أواخر التسعينيات، بالتوازي مع توسيع البنية الأساسية وتحديث مؤسسات الدولة وتعزيز انفتاحها الاقتصادي والدولي.
وقد جاء إطلاق رؤية قطر الوطنية (2030) عام 2008 ليمنح هذه المجالات المتعددة إطاراً استراتيجياً واضحاً، يقوم على أربع ركائز مترابطة هي: التنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية البيئية. وقد عبّرت هذه الركائز عن نضج الفكرة التي بدأت منذ سنوات؛ وهي أن مستقبل قطر لا يمكن أن يبنى بالاقتصاد وحده، وأن الثروة ينبغي أن تتحول إلى مجتمع متعلم وصحي ومتوازن، واقتصاد قادر على الاستمرار، وبيئة تحظى بالحماية.
ثانياً: التحول الاقتصادي في عهد الأمير الوالد رحمه الله؛ الأساس الذي قامت عليه نهضة قطر الحديثة
إن التحول الاقتصادي الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد رحمه الله لا يمكن تفسيره بالوفرة المالية وحدها، فامتلاك الثروة شيء، والقدرة على إدارتها وتحويلها إلى قوة مستدامة شيء آخر. وقد عرفت دول كثيرة موارد طبيعية ضخمة من دون أن تنجح في بناء اقتصاد متين أو مؤسسات قادرة على الاستمرار. وقد كان الغاز الطبيعي في قلب هذا التحول. فقد امتلكت دولة قطر في حقل الشمال واحداً من أكبر مكامن الغاز الطبيعي في العالم. وقد بدأت دولة قطر بتصدير الغاز الطبيعي المسال تجارياً في أواخر عام 1996، ووصلت أول شحنة إلى اليابان في شهر يناير 1997، لتدخل البلاد مرحلة جديدة في تاريخها الاقتصادي. ومنذ ذلك الوقت، اتسعت صناعة الغاز بخطوات متسارعة، وأقيمت في رأس لفان منظومة صناعية ولوجستية كبيرة ربطت الإنتاج بالمعالجة والتسييل والتخزين والنقل البحري، وهذا بالتوازي مع بناء أسطول من ناقلات الغاز وإقامة شراكات مع كبريات شركات الطاقة العالمية، واعتماد عقود طويلة الأجل منحت الصناعة قدراً كبيراً من الاستقرار والقدرة على التوسع.
وخلال أقل من عقد على بدء التصدير، غدت دولة قطر بحلول عام 2006 أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، واستمر التوسع في المشروعات وخطوط الإنتاج حتى بلغت الطاقة الإنتاجية نحو 77 مليون طن سنوياً في عام 2010. وكان ذلك تحولاً استثنائياً في تاريخ دولة محدودة في حجم مساحتها وعدد سكانها، فقد انتقلت الدوحة من موقع المنتج الصغير للطاقة إلى فاعل مؤثر في أسواقها العالمية، وأصبحت علاقاتها الاقتصادية تمتد إلى آسيا وأوروبا ومناطق أخرى، واكتسبت إمداداتها أهمية متزايدة في حسابات أمن الطاقة لدى عدد كبير من الدول.
وكانت إدارة هذا القطاع في غاية الأهمية في فكر الأمير الوالد رحمه الله، فقد كان يدرك أن الاقتصاد الذي يعتمد على مورد واحد يظل معرضاً لتقلبات الأسواق وتحولات التكنولوجيا وأنماط استهلاك الطاقة، مهما بلغت عائداته في مرحلة من المراحل. ولذلك اتجهت الدولة إلى بناء خطين متكاملين: الأول؛ استثمار جزء من الثروة في الداخل لتطوير قدرات البلاد والارتقاء بحياة الإنسان، والثاني؛ تحويل جزء آخر إلى أصول واستثمارات طويلة الأجل تحفظ حقوق الأجيال المقبلة، وتوسع مصادر القوة الاقتصادية للدولة. وفي هذا السياق الإطار تأسس جهاز قطر للاستثمار عام 2005، حتى يكون الذراع السيادية المسؤولة عن استثمار جانب من فوائض الدولة وتنويع أصولها خارج قطاع الطاقة. وكان الهدف من الجهاز هو امتلاك أصول ومصالح اقتصادية موزعة على قطاعات وأسواق متعددة حول العالم. وبالمقابل، فقد أسهمت هذه القاعدة الاقتصادية في صياغة موقع قطر خارج حدودها. فالدولة التي تمتلك موارد مستقرة، واستثمارات دولية، وشبكة واسعة من المصالح والشراكات، تكون أقدر على حماية قرارها وبناء علاقاتها على أساس مصالحها الوطنية.
وقد انعكس هذا التحول على المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بصورة واضحة، حيث تطور الاقتصاد القطري بمعدلات مرتفعة خلال سنوات حكم الأمير الوالد، وارتفع مستوى دخل الفرد إلى مصاف المعدلات الأعلى عالمياً، كما اتسع حجم الاقتصاد بصورة غير مسبوقة. غير أن أهمية هذه الأرقام، في قراءة تجربة الدولة، تأتي أهميتها فيما أتاحته من قدرة على تمويل مشروع وطني واسع، وبناء احتياطيات واستثمارات، وتطوير الخدمات، ومنح الدولة مساحة أكبر للتحرك باستقلال في خياراتها الاقتصادية والسياسية والأمنية والثقافية والاجتماعية.
ثالثاً: الإصلاح الدستوري وبناء المؤسسات الوطنية
كان النمو الاقتصادي الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء قدرات الدولة ومؤسساتها. ففي المجال المؤسسي، شهد عهد الأمير الوالد رحمه الله، حيث شهدت قطر خطوات مهمة في بناء إطارها الدستوري والمؤسسي. ففي الثامن من مارس عام 1999 جرت أول انتخابات للمجلس البلدي المركزي، وشارك فيها المواطنون رجالاً ونساءً انتخاباً وترشحاً، في محطة جديدة في تاريخ المشاركة العامة في قطر. وفي يوليو من العام نفسه شُكلت لجنة إعداد الدستور الدائم، ومن ثم عُرض مشروع الدستور على الاستفتاء الشعبي في التاسع والعشرين من أبريل عام 2003، ونال موافقة واسعة، قبل أن يصدر الدستور الدائم في عام 2004، ويدخل حيز التنفيذ في التاسع من يونيو عام 2005م.
وقد اكتسبت هذه الخطوات أهميتها من المرحلة التي جاءت بها؛ فالدولة كانت تشهد توسعاً اقتصادياً وسكانياً كبيراً، وكان هذا التحول يحتاج إلى تطوير الإطار القانوني المنظم لعمل السلطات والمؤسسات والحقوق والواجبات. وقد أرسى الدستور الدائم مبادئ أساسية تتصل بنظام الحكم وسيادة القانون والفصل بين السلطات، وحدد الأطر الدستورية لعمل مؤسسات الدولة، ليغدو مرجعية قانونية للمرحلة الجديدة التي كانت دولة قطر تدخلها.
لقد كان للعوائد من الغاز دورها في تمكين الدولة من الاستثمار في بنيتها الأساسية ومؤسساتها ومجتمعها. توسعت شبكات الطرق والمرافق، وتطورت قطاعات الكهرباء والمياه والاتصالات، ونمت الخدمات العامة، واتسع الإنفاق على التعليم والصحة والبحث العلمي، وبدأت الدوحة تتحول عمرانياً واقتصادياً إلى مدينة قادرة على استضافة المؤسسات والشركات والفعاليات الدولية.
وتغير وجه الدوحة خلال هذه المرحلة بصورة واضحة، مع تطوير شبكات الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات والمرافق العامة، والشروع في مشروعات استراتيجية كان بعضها يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يكتمل. وإن من أبرزها مشروع مطار الدوحة الدولي الجديد، والذي بدأ التخطيط له في عهد الأمير الوالد ووُضع حجر أساسه عام 2004، قبل أن يُفتتح باسم مطار حمد الدولي عام 2014م، ومشروع الميناء الجديد الذي انطلقت أعماله في عهده وافتتح لاحقاً باسم ميناء حمد. وكما برز مشروع مدينة لوسيل كونه أحد أكبر مشروعات التطوير العمراني في البلاد، ومشروع مشيرب قلب الدوحة الذي أعاد تقديم مفهوم المدينة الحديثة المتصلة بذاكرتها المعمارية، إلى جانب إعادة تأهيل سوق واقف وافتتاح متحف الفن الإسلامي عام 2008. وإن هذه المشروعات، كانت على اختلاف وظائفها، تعبر عن تصور لمدينة تستعد للمستقبل من دون أن تفقد صلتها بتاريخها وهويتها. وإن هذه النهضة العمرانية كانت جزءاً من بناء اقتصاد جديد قادر على الحركة والاتصال بالعالم.
ولقد امتد الاهتمام بالإنسان إلى المجال الاجتماعي؛ فتعزز حضور المؤسسات المعنية بالأسرة والمرأة والطفولة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، واتسعت مشاركة المرأة القطرية في التعليم والعمل والحياة العامة. وقد ارتبط جانب مهم من هذا المسار بالجهود الكبيرة التي قادتها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر في التعليم والتنمية الاجتماعية وتمكين الإنسان، ضمن رؤية جعلت الأسرة والمعرفة وتكافؤ الفرص عناصر أساسية في بناء المجتمع.
وسار تطوير القطاع الصحي في عهد الأمير الوالد رحمه الله في الاتجاه نفسه الذي سار فيه العمران؛ فقد توسعت مؤسسة حمد الطبية، وتطورت قدرات المستشفيات والمراكز التخصصية، وبدأ تأسيس مشاريع طبية وبحثية متقدمة، من بينها مشروع سدرة للطب الذي تطور لاحقاً ليصبح مؤسسة متخصصة في صحة المرأة والطفل والبحث الطبي، فالصحة هي جزء من مشروع متكامل لدعم التنمية البشرية وسلامة الإنسان وقدرته على الإنتاج والعطاء.
وأما في المجال الإعلامي، اتخذت الدولة خطوات كان لها أثر واسع في تشكيل حضور قطر عربياً ودولياً. فقد انطلقت قناة الجزيرة في الأول من نوفمبر عام 1996، وفتحت المجال أمام نمط مختلف من العمل الإخباري والنقاش السياسي في العالم العربي، ومن ثم أُلغيت وزارة الإعلام عام 1998، في سياق توجه نحو إعادة صياغة علاقة الدولة بالمجال الإعلامي. وبصرف النظر عن الجدل الذي صاحب تجربة الجزيرة ومواقفها، فإن أثرها في تغيير البيئة الإعلامية العربية يصعب إنكاره؛ فقد جعلت الدوحة حاضرة في المجال العام العربي، ومنحت قطر إحدى أبرز أدوات قوتها الناعمة.
وشمل بناء قدرات الدولة المجال الدفاعي والأمني أيضاً، وهو جانب كان الأمير الوالد قريباً منه بحكم تجربته الطويلة في القوات المسلحة ووزارة الدفاع. وقد عملت قطر في عهده على تحديث قدراتها الدفاعية وتعزيز شراكاتها الأمنية الدولية، وفي مقدمتها العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع اتباع سياسة خارجية أبقت قنوات التواصل مفتوحة مع قوى إقليمية مختلفة. وكان هذا التوازن مرتبطاً برؤية أوسع للأمن الوطني ترى أن حماية الدولة الصغيرة لا تقوم على القوة العسكرية وحدها، وإنما على الجمع بين القدرة الدفاعية، والتحالفات، والعلاقات المتنوعة، والقوة الاقتصادية، والحضور الدبلوماسي.
رابعاً: التعليم في قائمة أولويات الأمير الوالد (رحمه الله) الاستراتيجة
اعتبر سمو الأمير الوالد رحمه الله أن الإنسان هو محور التنمية وغايتها الأولى، حيث سار التعليم والبحث العلمي والرعاية الصحية والتنمية الاجتماعية جنباً إلى جنب مع التوسع الاقتصادي والعمراني، ضمن تصور يرى أن الدولة القوية هي التي تبني قدراتها البشرية بالقدر نفسه الذي تبني به اقتصادها وبنيتها الأساسية.
وقد تجلت أهم الإنجازات التعليمية للأمير الوالد رحمه الله في تأسيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع عام 1995، في العام نفسه الذي تولى فيه الأمير الوالد مقاليد الحكم، وهو تزامن يحمل دلالة واضحة على المكانة التي احتلها التعليم في مشروع الدولة منذ بداياته. وهذا اعتبر توجهاً إستراتيجياً هدفه جعل المعرفة إحدى ركائز النهوض في دولة قطر، وأن ينقل المجتمع تدريجياً من الاعتماد على الاقتصاد القائم على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد تكون فيه المعرفة والبحث والابتكار عناصر أساسية في صناعة المستقبل. واستقطبت المدينة التعليمية فروعاً لجامعات عالمية مرموقة، ومتخصصة في مجالات نوعية، من بينها الطب والعلاقات الدولية والإعلام والحوسبة وإدارة الأعمال والفنون والتصميم، إلى جانب تطور مؤسسات قطرية بحثية وأكاديمية أصبحت لاحقاً جزءاً من جامعة حمد بن خليفة ومنظومة مؤسسة قطر الأوسع.
وقد توازى الاستثمار في التعليم الجامعي مع توسع ملحوظ في دعم البحث العلمي، وإنشاء المراكز المتخصصة، وتشجيع الدراسات في الطب والطاقة والهندسة والحوسبة والعلوم الاجتماعية والإنسانية وغيرها من المجالات، بما يعكس تحولاً في فهم وظيفة الجامعة نفسها؛ فلم تعد مجرد مكان لمنح الشهادات، وإنما مؤسسة لإنتاج المعرفة، وإعداد الباحثين، وطرح الأسئلة المتعلقة بمستقبل الدولة والمجتمع.
ولم يتوقف الاهتمام بالتعليم عند حدود دولة قطر، وإنما تطور ليصبح جزءاً من حضورها الإنساني الدولي، ولا سيما من خلال المبادرات التي قادتها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر لخدمة الأطفال والشباب الذين حُرموا من حقهم في التعليم بسبب الفقر أو الحروب والعنف أو النزوح. ومن أبرز هذه المبادرات مؤسسة التعليم فوق الجميع التي أُطلقت عام 2012، واستهدفت توسيع فرص الوصول إلى التعليم في المجتمعات الأكثر هشاشة، من خلال برامج متعددة عملت بالشراكة مع منظمات دولية وحكومات ومؤسسات إنسانية.
ولهذا أصبح الدفاع عن حق التعليم جزءاً من الرسالة الإنسانية التي ارتبطت باسم قطر، وتطور هذا المسار بعد عهد الأمير الوالد حتى تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بمبادرة قطرية، قرار تخصيص التاسع من سبتمبر يوماً دولياً لحماية التعليم من الهجمات، في امتداد واضح للفلسفة التي جعلت التعليم حقاً إنسانياً لا يجوز أن تسلبه الحروب من الأطفال والشباب.
خامساً: الرياضة ومونديال قطر… مشروع وطني سرّع بناء الدولة الحديثة
تبوأت الرياضة مكانةً متقدمة في رؤية الأمير الوالد (رحمه الله)، وكان هذا الاهتمام هو جزء من مشروع بناء الدولة وتعزيز حضورها الدولي، وقد تحولت تدريجياً إلى إحدى أدوات التنمية والقوة الناعمة والتواصل بين الشعوب، فاستثمرت قطر في المنشآت الرياضية، واستضافة البطولات الدولية، وتطوير المؤسسات المعنية بإعداد الرياضيين، حتى جاء فوزها في ديسمبر عام 2010 بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022 تتويجاً لمسار طويل بدأ في عهد الأمير الوالد، وأصبح في الوقت نفسه نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من التطور العمراني والبنية التحتية، استكملت بقيادة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وقد اكتسب هذا الإنجاز دلالة تاريخية خاصة، حيث أصبحت دولة قطر أول دولة عربية وشرق أوسطية تستضيف نهائيات كأس العالم لكرة القدم، وهو ما منح المشروع بعداً يتجاوز حدود الرياضة إلى تمثيل المنطقة العربية وثقافتها أمام العالم.
وقد أسهم الاستعداد للمونديال في تسريع تنفيذ مجموعة واسعة من المشروعات الاستراتيجية التي كانت قطر تحتاج إليها في مسار نموها المستقبلي؛ فتوسعت شبكات الطرق والجسور والأنفاق، وتطورت منظومة النقل العام بصورة غير مسبوقة، وفي مقدمتها مترو الدوحة الذي أعاد تشكيل حركة التنقل داخل العاصمة وربط عدداً من المناطق الحيوية والمنشآت الرياضية، كما شهد مطار حمد الدولي توسعات متلاحقة لرفع طاقته الاستيعابية، وتطورت المرافق والخدمات العامة وشبكات الاتصالات والمناطق المحيطة بالملاعب، بالتوازي مع التوسع العمراني في مدينة لوسيل وغيرها من المناطق الجديدة.
كما أسهمت الاستضافة في تطوير قطاعات السياحة والضيافة والنقل والأمن وإدارة الفعاليات والخدمات الرقمية، ووفرت خبرة مؤسسية واسعة في تنظيم الأحداث الكبرى واستقبال ملايين الزائرين، كما دفعت إلى التفكير في مفهوم “الإرث” بعد انتهاء البطولة. وقد تجسد هذا التوجه بصورة واضحة في تصميم عدد من المنشآت والمناطق المحيطة بها على أساس الاستخدام طويل الأمد، وفي ربط الاستثمار الرياضي بمشروعات المدن الحديثة والمواصلات والمرافق العامة، وهو ما جعل التحضير للمونديال جزءاً من عملية تحديث أوسع أعادت تشكيل مساحات مهمة من العمران القطري. وكان البعد الرمزي والحضاري للمونديال بالغ الأهمية كذلك؛ فقد أتاحت البطولة لقطر أن تقدم نفسها والعالم العربي من خلال حدث تابعته شعوب العالم، وأن تستثمر الرياضة جسراً للتعارف بين الثقافات، وأداة لتعزيز هوية الدولة العربية والإسلامية على الصعيد الدولي.
سادساً: الدبلوماسية والعلاقات الخارجية في عهد الأمير الوالد (رحمه الله)
شكّلت السياسة الخارجية في عهد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أحد أهم ميادين التحول في تجربة الدولة القطرية الحديثة، إذ لم يكن تمكين الدولة من الداخل منفصلاً عن بناء مكانتها في الخارج، وتحولت القوة الاقتصادية إلى قاعدة مكنت الدوحة من توسيع هامش قرارها، وتنويع علاقاتها، والدخول في ملفات إقليمية ودولية معقدة، والانتقال من موقع الدولة الصغيرة في الجغرافيا إلى موقع الدولة الحاضرة بالفعل السياسي والدبلوماسي والإنساني. وقد ظهر هذا التحول تدريجياً منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين، حين بدأت الدوحة تصوغ لنفسها نهجاً يقوم على استقلال القرار، والانفتاح على مختلف القوى، والمحافظة على قنوات التواصل حتى مع الأطراف المتعارضة. وقد أسهم هذا النهج في جعل قطر لاحقاً واحدة من العواصم التي يُلجأ إليها عند تعقد الأزمات وانسداد قنوات الحوار، وهو ما ظهر بوضوح في عدد من القضايا الإقليمية والدولية التي ارتبط فيها اسم الدوحة بالوساطة والمصالحة وتقريب وجهات النظر.
- دبلوماسية الوساطة؛ نهج قطري ثابت
أخذت دبلوماسة الوساطة مع الزمن تتبلور كأحد أهم أعمدة السياسة الخارجية القطرية، وقامت على عدد من الأسس المتداخلة؛ أولها الاحتفاظ بقنوات اتصال مع أطراف يصعب جمعها في مكان واحد، وثانيها بناء قدر من الثقة يجعل الدوحة مقبولة بوصفها ساحة للحوار، وثالثها عدم الاكتفاء بالاتصال السياسي المباشر، وإنما ربط الوساطة في بعض الحالات بجهود الإغاثة وإعادة الإعمار ودعم الاستقرار، ورابعها التعامل مع النزاعات بوصفها أزمات مركبة لا يكفي فيها وقف إطلاق النار إذا بقيت أسباب التوتر والحرمان والدمار قائمة.
ففي لبنان، برز الدور القطري في مرحلتين مترابطتين؛ الأولى إنسانية وإعمارية بعد حرب يوليو 2006، حين شاركت قطر في إعادة إعمار عدد من المناطق المتضررة، والثانية سياسية حين استضافت الدوحة الفرقاء اللبنانيين في مايو 2008 بعد أزمة داخلية حادة كادت تدفع البلاد إلى مزيد من الانقسام والعنف. وقد انتهت تلك المباحثات إلى اتفاق الدوحة، الذي فتح الطريق أمام انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وأسهم في إخراج لبنان من واحدة من أخطر أزماته السياسية في تلك المرحلة.
وفي السودان، كان الملف أكثر تعقيداً، لأن نزاع دارفور لم يكن مجرد خلاف سياسي بين قوى متنافسة، بل مأساة إنسانية طويلة خلفت أعداداً كبيرة من النازحين ومجتمعات فقدت مساكنها ومواردها ومرافقها الأساسية. ولذلك، جاءت الوساطة القطرية ضمن مسار طويل من المفاوضات انتهى إلى وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011، غير أن قيمة الدور القطري لم تكن في استضافة المفاوضات وحدها، وإنما في محاولة ربط التسوية بالبعد التنموي والإنساني، لأن السلام الذي لا يجد الناس أثره في المدرسة والماء والصحة والسكن والعمل يبقى هشاً، معرضاً للانهيار عند أول أزمة.
وأما الإنجاز الدبلوماسي الأبرز للدوحة هو في حل الملف في أفغانستان، فقد مثّلت نموذجاً واضحاً لسياسة فتح قنوات التواصل مع الأطراف التي يصعب التواصل معها. ففي يونيو 2013 افتتح المكتب السياسي لحركة طالبان في الدوحة، وهو ما أتاح لأول مرة إطاراً مستقراً نسبياً للحوار خارج ساحات القتال. ومع أن النتائج الكبرى لهذا المسار تحققت لاحقاً في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، فإن تأسيس القناة السياسية بدأ في نهاية عهد الأمير الوالد، وكان ذلك امتداداً لنهج يرى أن حتى أكثر النزاعات استعصاء لا يمكن أن تبقى إلى الأبد من دون نافذة للحوار.
- الأمير الوالد (رحمه الله) ودعم تطلعات الشعوب والوقوف ضد الظلم والعدوان
إلى إلى جانب دور الوسيط الذي اضطلعت به قطر في عدد من النزاعات الإقليمية، اتخذ الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، في قضايا أخرى مواقف تجاوزت الحياد الدبلوماسي إلى مساندة حقوق الشعوب وتطلعاتها في الحرية والكرامة والعدالة. وهنا ينبغي التمييز بين الملفات التي سعت فيها الدوحة إلى التقريب بين أطراف متنازعة، والقضايا التي رأت القيادة القطرية أن جوهرها يتعلق بحقوق شعوب تطالب بالإصلاح أو تواجه القمع والعنف. وقد ظهر هذا التوجه بصورة واضحة مع الثورات العربية التي انطلقت أواخر عام 2010 ومطلع عام 2011، حين دخلت المنطقة مرحلة تاريخية خرجت فيها جماهير واسعة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها مطالبةً بالإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية وإنهاء عقود من الاستبداد والفساد. وكان الأمير الوالد، رحمه الله، من القادة العرب الذين أظهروا قدراً كبيراً من التفهم لهذه التحولات، انطلاقاً من قناعة بأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الخوف والقوة وحدهما، وأن تجاهل مطالب الشعوب قد يؤجل الأزمات لكنه لا يعالج أسبابها.
وكانت تونس مهد هذه الموجة من التحولات، وقد تعاملت قطر مع التغيير الذي أعقب سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي لأنه كان تعبيراً عن إرادة الشعب التونسي في بناء مرحلة سياسية جديدة، وساندت مسار الانتقال السياسي والاقتصادي، وأقامت علاقات وثيقة مع الحكومات والقوى السياسية التي أفرزتها المرحلة الجديدة. ولم يكن الموقف القطري قائماً على اختيار الشعب التونسي بديلاً عنه، وإنما على احترام ما أفرزته صناديق الاقتراع ودعم التجربة الجديدة في مرحلة كانت تواجه تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية كبيرة. وقد استمر الاهتمام القطري بتونس عبر التعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي، انطلاقاً من رؤية ترى أن نجاح التحولات السياسية يحتاج إلى تنمية توفر للناس فرص العمل والحياة الكريمة، وإلا بقيت أسباب الغضب الاجتماعي قائمة مهما تغيرت الحكومات.
وفي مصر، تابع الأمير الوالد باهتمام الثورة الشعبية التي اندلعت في الخامس والعشرين من يناير 2011 وانتهت بتنحي الرئيس حسني مبارك في الحادي عشر من فبراير من العام نفسه، وتعاملت الدوحة مع المرحلة الجديدة باعتبارها اختياراً مصرياً ينبغي احترامه. وبعد الانتخابات التي أعقبت الثورة، دعمت الدوحة الدولة المصرية اقتصادياً في مرحلة شديدة الصعوبة، وقدمت مساعدات وودائع واستثمارات هدفت إلى مساندة الاقتصاد المصري والحفاظ على قدرته على مواجهة الضغوط المتزايدة. وكان جوهر الموقف الذي تبلور في عهد الأمير الوالد (رحمه الله) ارتبط بتأييد حق المصريين في اختيار قيادتهم عبر الوسائل السياسية والانتخابية، والنظر إلى الإرادة الشعبية بوصفها أساساً مهماً للاستقرار السياسي المستدام.
أما في اليمن، فقد جمع الدور القطري بين مساندة تطلعات اليمنيين في الإصلاح والتغيير وبين محاولة تجنيب البلاد الانزلاق إلى حرب واسعة. وكانت قطر قد راكمت قبل عام 2011 خبرة في الوساطة في النزاعات اليمنية، ثم تعاملت مع الاحتجاجات الشعبية الواسعة بوصفها أزمة سياسية لا يمكن حلها بالقوة وحدها، ودعمت الجهود الرامية إلى انتقال السلطة وحقن الدماء. ولم ينفصل هذا الاهتمام السياسي عن البعد الإنساني والتنموي، فقد امتد الحضور القطري إلى مشروعات الإغاثة والصحة والتعليم والمياه ودعم المجتمعات الفقيرة، وهو ما يعكس فهماً أوسع يرى أن مشكلات اليمن لا يمكن اختزالها في الصراع على السلطة، وإنما ترتبط كذلك بالفقر وضعف التنمية وهشاشة مؤسسات الدولة.
أما في السودان، فقد اتخذ اهتمام الأمير الوالد (رحمه الله)، موقفاً يتناسب مع خصوصية هذا البلد وتعقيد أزماته؛ إذ لم يكن الدور القطري قائماً على دعم تغيير سياسي أو الانحياز إلى طرف في مواجهة آخر، بقدر ما انصب على مساندة الشعب السوداني في الوصول إلى السلام والاستقرار، والعمل على تخفيف آثار الحروب والنزاعات التي أنهكت مناطق واسعة من البلاد. وقد برز هذا الدور بصورة خاصة في ملف دارفور، حيث استضافت الدوحة مفاوضات طويلة بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة، وانتهت إلى توقيع وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011، في محاولة لفتح طريق أمام إنهاء الصراع ومعالجة بعض أسبابه السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد امتد الحضور القطري إلى دعم مشروعات التنمية وإعادة الإعمار والخدمات الأساسية في دارفور، بما في ذلك إنشاء قرى ومجمعات خدمية ومرافق تعليمية وصحية ومشروعات للمياه وسبل العيش، في محاولة لمعالجة البيئة التي تتجدد فيها النزاعات عندما يجتمع الفقر والتهميش وغياب الخدمات مع الانقسامات السياسية والاجتماعية.
وفي لبنان، برز موقف الأمير الوالد (رحمه الله)، بصورة واضحة خلال العدوان الإسرائيلي في صيف عام 2006، إذ وقفت دولة قطر إلى جانب لبنان وشعبه، وأدانت الاعتداءات التي استهدفت المدنيين والبنية التحتية، وتحركت سياسياً ودبلوماسياً دعماً لوقف الحرب وحماية الشعب اللبناني. ولم يتوقف الموقف القطري عند حدود الإدانة، بل انتقل بعد انتهاء الحرب إلى المساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضررة، ولا سيما في جنوب لبنان، من خلال إعادة بناء بلدات وقرى ومساكن ومرافق عامة دمرتها الحرب، في موقف جمع بين التضامن السياسي والعمل الإنساني والتنموي المباشر. وقد حرص الأمير الوالد على زيارة المناطق المتضررة بعد الحرب، في خطوة حملت دلالة إنسانية وسياسية على الوقوف إلى جانب اللبنانيين في محنتهم. ثم اكتمل هذا الحضور القطري لاحقاً بالدور الذي أدته الدوحة في جمع الفرقاء اللبنانيين، وصولاً إلى اتفاق الدوحة في مايو 2008، وهو ما يعكس جانباً مهماً من رؤيته في التعامل مع أزمات الأمة: الوقوف مع الشعوب في مواجهة العدوان الخارجي، والمساهمة في تضميد آثار الحرب وإعادة البناء، ثم العمل على جمع أبنائها بالحوار عندما تهددهم الانقسامات الداخلية.
وفي سوريا، كانت العلاقات بين الدوحة ودمشق قبل عام 2011 وثيقة سياسياً واقتصادياً، ولهذا اكتسب التحول في الموقف القطري دلالة خاصة؛ فمع اتساع الاحتجاجات وتصاعد استخدام القوة ضد المدنيين، انتقلت قطر من الدعوة إلى الإصلاح والحوار إلى مساندة مطالب الشعب السوري، ثم أصبحت من أبرز الدول الداعمة للمعارضة السورية سياسياً وإنسانياً. واستضافت الدوحة في نوفمبر 2012 الاجتماعات التي أفضت إلى تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ثم شهدت القمة العربية المنعقدة في الدوحة في مارس 2013 مشاركة ممثلي المعارضة السورية في مقعد سوريا. واستمر الموقف القطري الداعم لتطلعات السوريين بعد انتقال الحكم من الأمير الوالد إلى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وبقيت قطر من أكثر الدول العربية ثباتاً في موقفها السياسي والإنساني تجاه الشعب السوري، ثم انتقل هذا الدعم، بعد التحولات التي شهدتها سوريا في أواخر عام 2024، إلى مساندة استقرار الدولة السورية الجديدة ووحدتها وتعافيها وإعادة بناء قطاعاتها الأساسية.
وفي ليبيا، اتخذ الموقف القطري شكلاً أكثر مباشرة بسبب التصعيد العسكري الذي رافق الثورة منذ أسابيعها الأولى؛ فدعمت قطر القوى المناهضة لنظام العقيد معمر القذافي، وساندت التحرك العربي والدولي لحماية المدنيين، وشاركت في الجهود السياسية والدولية التي رافقت سقوط النظام. ومع ما شهدته ليبيا لاحقاً من انقسامات وصراعات معقدة، بقي الموقف القطري المعلن مؤيداً لوحدة البلاد واستقرارها، وللوصول إلى تسوية سياسية تتيح لليبيين بناء مؤسسات دولتهم بعيداً عن دوامة الحرب والانقسام.
وكانت القضية الفلسطينية أعمق من أن توضع في سياق الثورات العربية، فهي من أكثر قضايا الأمة حضوراً في فكر الأمير الوالد وسياساته، وقد جمع موقفه منها بين الدفاع السياسي عن الحقوق الفلسطينية والعمل الإنساني والتنموي المباشر. ومثلت زيارته إلى قطاع غزة في 23 أكتوبر 2012 محطة بارزة في هذا المسار، حيث أعلنت قطر خلال الزيارة عن مشروعات لإعادة الإعمار بقيمة تقارب 400 مليون دولار، شملت الإسكان والطرق والبنية الأساسية ومشروعات خدمية أخرى. وتوسع الحضور القطري لاحقاً ليشمل قطاعات التعليم والصحة والإغاثة والمرافق العامة، فأصبح الدعم مرتبطاً بفكرة واضحة مفادها أن الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني لا ينفصل عن مساعدته على البقاء والصمود والحياة بكرامة على أرضه.
ولم تنحصر هذه الرؤية في تلك الدول وحدها؛ فقد امتد اهتمام قطر، بدرجات وأدوات مختلفة، إلى الصومال ولبنان ودارفور وأفغانستان وغيرها من المجتمعات التي عانت الحروب أو الانقسامات أو الأزمات الإنسانية. وكان الجامع بين هذه المواقف، رغم اختلاف ظروف كل بلد، محاولة الجمع بين السياسة والواجب الإنساني، وبين احترام إرادة الشعوب والعمل على تخفيف معاناتها، وبين دعم الحقوق والسعي إلى منع انهيار الدول والمجتمعات. ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب مهم من رؤية الأمير الوالد، رحمه الله، لقضايا الأمة؛ إذ لم يكن ينظر إلى قوة قطر باعتبارها قدرة على حماية مصالحها الوطنية فحسب، وإنما باعتبارها مسؤولية تتيح لها أن تسهم، بقدر استطاعتها، في نصرة المظلوم، وإغاثة المنكوب، وفتح أبواب الحوار، ومساندة الشعوب في سعيها إلى حياة أكثر أمناً وعدلاً وكرامة.
سابعاً: العمل الإنساني… الإغاثة العاجلة والتنمية المستدامة
شكّل العمل الإنساني أحد الأبعاد المهمة في الحضور الخارجي لدولة قطر خلال عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، إذ شهدت تلك المرحلة اتساع نشاط المؤسسات الخيرية والإنسانية القطرية، وفي مقدمتها قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري، ثم المؤسسات والمبادرات الأخرى التي نشطت في مجالات الإغاثة والتعليم والصحة والتنمية. ومع اتساع هذا النشاط جغرافياً، لم يعد العمل الإنساني مقتصراً على الاستجابة للكوارث والحروب وتقديم المساعدات العاجلة، بل أخذ يتجه بصورة متزايدة نحو مشروعات أكثر استدامة تساعد المجتمعات على استعادة قدرتها على الحياة والإنتاج.
وقد تنوعت مجالات هذا العمل بين بناء المدارس والمراكز الصحية والمساجد، وحفر الآبار وتوفير مصادر المياه، وكفالة الأيتام، وإغاثة اللاجئين والنازحين، وإنشاء المساكن والقرى السكنية، إلى جانب دعم المشروعات الزراعية والمهنية والمشروعات الصغيرة ومصادر كسب العيش. وامتدت هذه الجهود إلى مناطق واسعة من العالم العربي والإسلامي وآسيا وأفريقيا وغيرها، بحسب احتياجات كل مجتمع وطبيعة الظروف التي يمر بها، فكانت الأولوية في مناطق النزاع للإغاثة والعلاج والإيواء والتعليم، بينما اتجهت البرامج في المجتمعات الفقيرة والمتضررة من الجفاف إلى المياه والزراعة والصحة والتعليم وتمكين الأسر اقتصادياً.
وتكشف التجارب التي سبقت الإشارة إليها في فلسطين وسوريا والسودان والصومال واليمن وأفغانستان وغيرها أن العمل الإنساني القطري أخذ يجمع بين الاستجابة للحاجة المباشرة ومعالجة أسباب الهشاشة على المدى الأبعد؛ فإلى جانب الغذاء والدواء والإيواء، ظهرت مشروعات لإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات وشبكات المياه، وبناء المساكن والقرى، ودعم الزراعة والأمن الغذائي والتدريب المهني والمشروعات المنتجة. وقد تطورت هذه المقاربة في السنوات اللاحقة بصورة أوسع، حتى وصلت بعض البرامج إلى دعم سلاسل الإنتاج الزراعي والغذائي المتكاملة، في انتقال واضح من تقديم المساعدة للإنسان وقت الحاجة إلى مساعدته على امتلاك الأدوات التي تمكنه من الاعتماد على نفسه واستعادة دوره المنتج في مجتمعه.
وكان لهذا التوجه بعد إنساني واضح؛ فالإنسان المتضرر من الحرب أو الفقر لا يحتاج إلى معونة عاجلة فحسب، وإنما يحتاج أيضاً إلى مدرسة تحفظ مستقبل أطفاله، ومستشفى يصون صحته، وماء نظيف يحفظ حياته، ومسكن يعيد إليه شيئاً من الاستقرار، وفرصة عمل تحفظ كرامته وتعينه على إعالة أسرته. ومن هنا اكتسبت مشروعات التعليم والصحة والمياه والإسكان والزراعة وتمكين الأسر أهمية خاصة في النشاط الإنساني القطري، لأنها نقلت جانباً من مفهوم العمل الخيري من معالجة نتائج الأزمات إلى المساهمة في بناء قدرة المجتمعات على تجاوزها.
وهكذا تكامل البعد الإنساني مع بقية أدوات الحضور الخارجي القطري؛ فإلى جانب الدبلوماسية والوساطة ومساندة القضايا العادلة، كان هناك عمل ميداني يصل إلى حياة الناس واحتياجاتهم اليومية. وقد واصلت دولة قطر في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، تطوير هذا المسار وتوسيع نطاقه، حتى أصبح العمل الإنساني والتنموي، إلى جانب الوساطة والحوار، من الملامح البارزة لحضور قطر في كثير من مناطق الأزمات حول العالم.
ثامناً: الأمير الوالد (رحمه الله) وأهل العلم والعلماء …
كان اهتمام الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالعلماء والمفكرين والباحثين وأهل العلم والأدب جزءاً من رؤيته للدولة القطرية الحديثة ودورها في النهوض الحضاري. ومن يتابع الحياة العلمية في دولة قطر خلال عهده يلحظ المكانة التي حظي بها العلماء وطلبة العلم والمشايخ والدعاة وأساتذة الجامعات ومراكز البحوث، فقد شهدت البلاد توسعاً في المؤتمرات الفكرية والشرعية، والندوات العلمية، وحلقات الحوار التي جمعت نخبةً من علماء العالم الإسلامي ومفكريه، وأصبحت الدوحة محطةً يلتقي فيها أصحاب الرأي والفكر من مختلف المدارس والاجتهادات، في إطارٍ يقوم على الاحترام والحوار وخدمة قضايا الأمة.
ولعل من أبرز الشخصيات العلمية التي ارتبط اسمها بقطر خلال تلك المرحلة فضيلة العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي (رحمه الله)، والذي أقام في دولة قطر عقوداً طويلة، وأسهم في نهضتها العلمية والدعوية، وترأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين منذ تأسيسه عام 2004. وقد حظي الشيخ القرضاوي بمكانةٍ علميةٍ كبيرة في الدولة، وكان حضوره يعكس تقدير القيادة القطرية في عهد الأمير الوالد للعلم الشرعي، وحرصها على أن يبقى للعلماء دورهم في توجيه المجتمعات، وترسيخ قيم الاعتدال، وتعزيز ثقافة الحوار والاجتهاد.
وإلى جانب الشيخ يوسف القرضاوي، استضافت الدوحة، في عهد الأمير الوالد، عدداً كبيراً من العلماء والمفكرين والدعاة، ولعل من بينهم الدكتور علي محيي الدين القره داغي، والذي يتولى رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في الوقت الحاضر، والدكتور أحمد الريسوني، والذي ترأس الاتحاد سابقاً، كما شهدت الدوحة حضور شخصياتٍ علمية بارزة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي في مؤتمرات الحوار، والفقه، والاقتصاد الإسلامي، والتعليم، وقضايا الأسرة، والوقف، والعمل الإنساني.
وفي السياق نفسه، أولى الأمير الوالد اهتماماً بالمؤسسات العلمية التي تخدم الفكر الإسلامي الوسطي، وفي مقدمتها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي اتخذ من الدوحة مقراً رئيسياً له، وجمع في عضويته مئات العلماء من مختلف أنحاء العالم، والمدارس الفقهية والفكرية، وسعى إلى معالجة قضايا الأمة من منظور شرعي يجمع بين أصالة النص وفقه الواقع، ويؤكد أهمية الاجتهاد الجماعي والحوار والتعاون بين العلماء. وقد وفر وجود الاتحاد في قطر بيئة مناسبة لعقد مؤتمراته وندواته واجتماعاته، وأسهم في تعزيز حضور العلماء في النقاشات المتعلقة بقضايا ومشاكل الأمة.
وقد كان الأمير الوالد (رحمه الله)، حريصاً في لقاءاته مع العلماء والمثقفين على الاستماع أكثر من الحديث، وكان كثير السؤال عن تجارب الأمم، وأسباب نهضتها وتعثرها، وعن تاريخ الحضارة الإسلامية، وسير القادة والمصلحين، والدروس التي يمكن الإفادة منها في بناء الحاضر والمستقبل. ولم يكن اهتمامه بالتاريخ ترفاً ثقافياً ولا ميلاً إلى استعادة الماضي من أجل الماضي، بل كان ينظر إليه باعتباره سجلاً لتجارب البشر، ومرآة لفهم السنن التي تحكم صعود الدول وتراجعها، ووسيلة لفهم الواقع على ضوء ما راكمته الأمم من خبرات وأخطاء وإنجازات.
ولعل هذه الروح هي التي جعلت دولة قطر بيئة جاذبة للمؤسسات العلمية والثقافية ومقصداً للعلماء والباحثين، ومكاناً تتلاقى فيه الأفكار وتُناقش فيه قضايا الأمة بعيداً عن قدر كبير من القيود التي كانت تعوق مثل هذا الحوار في أماكن أخرى. وكان لدى الأمير الوالد رحمه الله قناعة راسخة بأن الاستثمار في الإنسان يبدأ بالعلم، وأن احترام العلماء وإفساح المجال لهم، وحماية مؤسساتهم الدعوية، للإسهام في نهضة المجتمع من علامات تقدم الأمم ورقيها، وأن الدولة التي تملك الثروة ولا تملك المعرفة تظل عاجزة عن صناعة مستقبلها بنفسها.
تاسعاً: عام 2013 … سابقة سياسية في تجديد القيادة واستمرار مشروع الدولة
شكّل الخامس والعشرون من يونيو عام 2013، مرحلة مهمة في التاريخ السياسي الحديث لدولة قطر، حين أعلن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، في خطاب مباشر إلى الشعب القطري، تسليم مقاليد الحكم إلى ولي عهده آنذاك الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي كان في الثالثة والثلاثين من عمره. وقد اكتسب هذا القرار أهمية خاصة؛ لأنه جاء في وقت كان فيه الأمير الوالد لا يزال في موقع القوة والقدرة على مواصلة الحكم وقد عبّر الأمير الوالد في خطابه التاريخي حين تنازل عن الحكم عن فلسفة عميقة في فهم السلطة ومسؤوليتها حين أكد أن الحكم لم يكن عنده غاية في ذاته، وإنما مسؤولية اقتضتها مصلحة الوطن، فقال: “الله يعلم أنني ما أردت السلطة غاية في ذاتها، ولا سعيت إليها من دوافع شخصية، وإنما هي مصلحة الوطن أملت علينا أن نعبر به إلى مرحلة جديدة”.
إن قرار الأمير الوالد كان خاتمة منطقية لمرحلة من مشروعه السياسي، وبداية لمرحلة أخرى من تاريخ قطر؛ مرحلة انتقلت فيها الدولة من قيادة أسست لتحول واسع في بنيتها ومكانتها، إلى قيادة شابة واصلت البناء على تلك الأسس وواجهت تحديات عصرها، ولتقدم التجربة القطرية نموذجاً في أن تجديد القيادة يمكن أن يكون جزءاً من قوة الدولة واستقرارها، حين يجري في إطار مؤسسي واضح، وفي ظل ثقة متبادلة بين الأجيال، وإيمان بأن الوطن أبقى من الأشخاص، وأن بناء الدولة لا يكتمل إلا حين تكون قادرة على مواصلة السير بعد انتقال مؤسسيها عن مواقع القرار.
عاشراً: شهادة شخصية: الأمير الوالد (رحمه الله) كما عرفته
من خلال ما جمعني بالأمير الوالد (رحمه الله) من لقاءات وجلسات، عرفت فيه اهتماماً واضحاً بتاريخ الأمة العربية والإسلامية، وسير القادة والمصلحين، وقضايا الحاضر والمستقبل. وكان حريصاً على الاستماع إلى العلماء والمفكرين وأهل التاريخ، يناقشهم ويسألهم عن كثير من القضايا، ويطرح أسئلة تدل على اهتمامه بالمعرفة وإدراكه لأهمية الفكر والرأي في فهم الواقع وصناعة القرار. وقد تركت تلك اللقاءات في نفسي صورة رجل يقدر أهل العلم، ويرى أن لهم دوراً مهماً في بناء وعي المجتمع، والمحافظة على هويته، والإسهام بالرأي والنصيحة في القضايا الكبرى.
وقد لاحظت في حديثه أنه لم يكن يقف عند تفاصيل الأحداث التاريخية وحدها، بل كان يهتم بما وراءها من أسباب ودروس وعبر، وما يمكن أن نستفيده من تجارب الماضي في فهم الحاضر وبناء المستقبل. وكان يستمع باهتمام إلى من يحدثه، ويمنحه فرصة كافية لعرض فكرته، ثم يناقشه في تفاصيلها. كما كانت قضايا الأمة حاضرة في تلك المجالس، وفي مقدمتها فلسطين، وأحوال الشعوب العربية والإسلامية، وأسباب الحروب والنزاعات التي أنهكت كثيراً من البلدان، والسبل التي يمكن أن تساعد الأمة على تجاوز أزماتها والنهوض من جديد.
وقد ساعدتني هذه اللقاءات على فهم جانب من تجربة الأمير الوالد في بناء قطر الحديثة؛ فالنهضة التي شهدتها البلاد في عهده لا يمكن تفسيرها بالثروة وحدها، لأن المال يحتاج إلى رؤية تحسن توجيهه، وعقول تحدد الأولويات، ومؤسسات تحول الإمكانات إلى أعمال باقية ونافعة. ولعل هذا يفسر جانباً من اهتمامه بالتعليم والجامعات ومراكز البحث والثقافة والإعلام، وقربه من العلماء والمفكرين؛ فقد كان يدرك أن بناء الدولة لا يكتمل بقوة الاقتصاد وحدها، وإنما يحتاج أيضاً إلى بناء الإنسان والعقل والوعي. وهذه شهادة شخصية أذكرها وفاءً لما رأيته وعرفته، ولعلها تسهم في إضاءة جانب من شخصيته الفكرية والإنسانية لا تستطيع الوثائق الرسمية والأرقام وحدها أن تنقله.
الحادي عشر: وفاة الأمير الوالد رحمه الله … رحيل الرجل وبقاء الأثر
في صباح يوم الأحد الثاني عشر من يوليو عام 2026، أُعلن عن وفاة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، عن عمر ناهز أربعةً وسبعين عاماً، بعد حياة ارتبطت بمرحلة واسعة من التحول في تاريخ دولة قطر الحديث. وقد وصفته تغطيات دولية عند رحيله بأنه أحد أبرز مهندسي التحول الذي نقل قطر خلال سنوات حكمه، الممتدة من عام 1995 إلى عام 2013، إلى موقع متقدم في الطاقة والاستثمار والإعلام والدبلوماسية الدولية.
وقد كشفت أصداء رحيل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، وما توالى من كلمات التعزية والمواساة من قادة الدول والعلماء والشخصيات العامة في العالم العربي والإسلامي وخارجه، عن قدرٍ كبير من المحبة والتقدير لمسيرة رجلٍ لم يحصر اهتمامه في حدود وطنه، بل امتد أثره إلى قضايا أمته وآلام شعوبها وتطلعاتها. وقد استحضرت كلمات الوفاء دوره في نهضة قطر الحديثة، وفي بناء مكانتها وحضورها الدولي، كما استذكرت جهوده في الوساطة وتقريب وجهات النظر، ومواقفه الإنسانية تجاه الشعوب التي أنهكتها الحروب والأزمات، وهي معانٍ تؤكد أن الأثر الطيب الذي يتركه الإنسان في حياة الناس قد يكون أبقى من المناصب، وأصدق من كل ما يقال بعد الرحيل.
ولم يكن الحزن على رحيل الأمير الوالد (رحمه الله)، مقتصراً على المواقف الرسمية وبرقيات التعزية، وإنما ظهر أثره واضحاً في مشاعر الشعب القطري وحزنه الكبير، وفي أوساط واسعة من الشعوب العربية والإسلامية، وحتى بين كثير من أبناء الشعوب التي وصل إليها الخير والعمل الإنساني القطري. فقد أدرك أهل قطر أنهم يودعون قائداً ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تاريخ بلادهم، وشهدوا في عهده ما تحقق من نهضة وبناء وتطور وبناء دولة قطر الحديثة.
الخاتمة
وفي ختام هذه الصفحات، يبقى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، حاضراً بما تركه من أثر في وطنه وأمته، وبما ارتبط باسمه من مرحلة مهمة في تاريخ قطر الحديث؛ مرحلة اتسع فيها البناء، وتقدمت فيها مؤسسات الدولة، وتعزز الاهتمام بالإنسان والعلم والتعليم، وحملت فيها قطر حضوراً واضحاً في قضايا أمتها وفي ميادين الوساطة والعمل الإنساني ونصرة المظلومين.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة واسعة، وغفر له وأكرم نزله وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن دولة قطر وشعبها وأمته خير الجزاء، وجعل ما قدمه من خير، وما أسهم فيه من علم وتعليم وبناء، وما بذله في إغاثة المنكوبين ونصرة المظلومين والإصلاح بين الناس، في ميزان حسناته.
ونسأل الله أن يحفظ قطر وأهلها، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، وأن يوفق الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لكل خير، وأن يسدد خطاه في مواصلة مسيرة البناء وخدمة الإنسان وقضايا الأمة، وأن تبقى الدوحة دار خير وعلم وسلام، وسنداً للحق، وعوناً للمحتاجين والمظلومين في كل مكان.
المراجع
- الديوان الأميري لدولة قطر. «السيرة: حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني». الديوان الأميري، دولة قطر.
- مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع. «نبذة عنا: مبادئنا وتاريخنا وقيمنا». مؤسسة قطر.
- مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع. «استعراض عام 2021». مؤسسة قطر، 2021.
- مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع. «مؤسسة قطر تحتفي باليوم الوطني رافعة لواء “العلوم لخدمة الإنسان”». 17 ديسمبر/كانون الأول 2013.
- الهاجري، فالح بن حسين. «وضع أسس نهضتها الحديثة ورسم مكانتها العالمية.. الأمير الوالد.. رجلٌ غيَّر وجه قطر». صحيفة العرب، 13 يوليو/تموز 2026.
- وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، دولة قطر. «استراتيجية وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي 2024–2030: إيقاد شعلة التعلم». الدوحة: وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي.
- الجزيرة نت. «أمير قطر يسلم الحكم لولي عهده». 25 يونيو/حزيران 2013.
- الجزيرة نت. «النص الكامل لكلمة الشيخ حمد بن خليفة». 25 يونيو/حزيران 2013.
