زادُ
الحاج… إلى حجٍّ مبرورٍ وذنبٍ مغفور
بقلم
الدكتور عبدالعزيز رجب
الحمد لله ربِّ
العالمين، أمر بالحجِّ إلى بيته الحرام، وجعله من أعظم شعائر الإسلام، أحمده
سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل القلوب لا تطمئن
إلا بذكره، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُه ورسولُه، دلَّ الأمة على طريق الهدى،
وتركها على المحجة البيضاء، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الحجاج
الكرام… أنتم على موعدٍ مع رحلةٍ ليست كسائر الرحلات، رحلةٍ ينتقل فيها الإنسان من
ضجيج الدنيا إلى سكينة الطاعة، ومن التعلق بالخلق إلى التعلق بالخالق، ومن ازدحام
الحياة إلى لحظات الصفاء بين يدي الله. قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ
بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ
عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 27-28].
فالحج ليس
انتقالًا من بلدٍ إلى بلد، بل انتقالٌ من الغفلة إلى اليقظة، ومن قسوة القلب إلى
حياة الروح. وبعد أيام سترون الكعبة بأعينكم، لا عبر صورةٍ ولا شاشة، سترون البيت
الذي تهفو إليه أفئدة المؤمنين، والذي جعله الله مثابةً للناس وأمنًا ورحمة. قال
تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:
125].
وهنا ينبغي
للحاج أن يقف مع نفسه وقفة صدق، فيسأل قلبه: لماذا اختارني الله لهذه الرحلة؟ كم
من إنسانٍ يملك المال والصحة ولم يُكتب له الحج، وكم من إنسانٍ كان يتمنى الوصول
إلى تلك البقاع، فحال بينه وبينها مرضٌ أو موت. أما أنتم فقد ساقكم الله إلى بيته،
واختاركم من بين ملايين البشر لتكونوا من ضيوفه، وهذه نعمةٌ عظيمة تستحق الشكر
والإخلاص والانكسار بين يديه. قال ابن القيم رحمه الله: “فمن أراد الله به خيرًا
فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللجوء إلى الله تعالى والافتقار إليه” مدارج
السالكين.
ولهذا فإن أعظم
أسرار الحج ليست في كثرة الحركة، بل في حضور القلب وصدق التوجه إلى الله، فالكعبة
ليست أعظم من رب الكعبة، والمشاعر ليست غايةً في ذاتها، وإنما المقصود أن يصل
العبد إلى الله بقلبٍ خاشعٍ سليم.
أيها الأحبة…
حين يلبس الحاج ثياب الإحرام تتساقط كثيرٌ من الفوارق التي صنعتها الدنيا، فلا فرق
بين غنيٍ وفقير، ولا بين قويٍّ وضعيف، الجميع يقفون بلباسٍ واحد، وهيئةٍ واحدة،
يرجون رحمة ربٍّ واحد. وكأن الإحرام يذكّر الإنسان بحقيقته الأولى، ويذكّره بيومٍ
يخرج فيه من الدنيا بلا مالٍ ولا جاهٍ ولا منصب. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ
عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
[الرحمن: 26-27].
ولهذا كان السلف
يخافون من ردِّ العمل أكثر من خوفهم من التعب والمشقة، لأن القضية ليست في كثرة
الأعمال، وإنما في قبولها عند الله. عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه
عن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى» رواه البخاري
ومسلم.
وعن أبي هريرة
رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» —
رواه البخاري ومسلم.
أيُّ فضلٍ أعظم
من أن يعود الإنسان من الحج وقد غفر الله ذنوبه، وكأن الله فتح له باب بدايةٍ
جديدة، وصفحةٍ جديدة، وحياةً جديدة؟
أيها الحجاج
الكرام… يظن بعض الناس أن الحج رحلة مشاعر ودموع فقط، لكن الحقيقة أن الحج مدرسةٌ
عظيمة للأخلاق والصبر والتواضع. فالعبادة في أوقات الراحة سهلة، أما العبادة وقت
التعب والزحام والانتظار فهي التي تكشف حقيقة الإيمان، وتظهر معدن الإنسان. قد
يشتد الحر، وقد يطول الطريق، وقد تختلف طبائع الناس، وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي:
هل يبقى القلب متعلقًا بالله؟ وهل يحفظ الإنسان لسانه وأخلاقه؟ قال الله تعالى:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ
وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197].
فتأملوا كيف قرن
الله الحج بحفظ الأخلاق واللسان، لأن المقصود ليس كثرة الطواف وحدها، بل أن يعود
الإنسان بقلبٍ أنقى، ولسانٍ أطهر، ونفسٍ أرحم. ولهذا فإن الحج ليس سباقًا للوصول
إلى الحجر الأسود، بل سباقٌ للوصول إلى رضا الله. ورب كلمةٍ طيبة، أو رحمةٍ بضعيف،
أو إعانةٍ لمحتاج، تكون عند الله أعظم من أعمالٍ كثيرة خلت من الإخلاص والرحمة.
ومن أعظم ما
ينبغي للحاج أن يحافظ عليه الصلاة والذكر والدعاء، فإن الحج موسم قربٍ من الله.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ
آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200]. عن عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما قال: كانت تلبية النبي ﷺ: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد
والنعمة لك والملك، لا شريك لك» رواه البخاري ومسلم.
ولا ينبغي للحاج
أن ينشغل بكثرة التصوير أو الأسواق أو متابعة الهاتف عن المقصود الأعظم من هذه
الرحلة، فإن من الناس من يصل إلى مكة بجسده، لكن قلبه يبقى مشغولًا بدنياه، ومنهم
من يدخل الحرم بقلبٍ خاشعٍ منكسر، فيخرج وقد امتلأ نورًا وسكينة.
أيها الأحبة… إن
شعائر الحج ليست حركاتٍ مجردة، بل كلها معانٍ تربوية وإيمانية عظيمة. فالطواف حول
الكعبة يعلّم المؤمن أن الله هو مركز الحياة، وأن الطمأنينة لا تكون إلا بالقرب
منه. قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:
28].
الصفا والمروة يعلّم اليقين والتوكل، فهاجر عليها السلام سعت في الصحراء بقلبٍ
مؤمنٍ أن الله لن يضيّعها، فجاءها الفرج من حيث لا تحتسب. وهكذا يتعلم المؤمن أن
يأخذ بالأسباب، وهو موقنٌ برحمة الله وحكمته. وأما الوقوف بعرفة فهو من أعظم مشاهد
العبودية، يومٌ يقف الناس فيه حفاة القلوب بين يدي الله، يرجون رحمته ويخافون
عذابه. عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «ما من يومٍ أكثر من أن يعتق الله
فيه عبدًا من النار من يوم عرفة» رواه مسلم.
وأما رمي
الجمرات فهو تذكيرٌ بمعركة الإنسان مع نفسه وهواه ووساوس الشيطان، فلكل إنسانٍ
جمراته التي ينبغي أن يتخلص منها: كِبرٌ، أو حسدٌ، أو غفلةٌ، أو تعلقٌ زائد
بالدنيا. ولهذا فالحج ليس رحلةً خارجية فقط، بل رحلة إصلاحٍ داخلي عميق.
أيها الحجاج
الكرام… أنتم لا تمثلون أنفسكم فقط، بل تمثلون الإسلام بأخلاقكم وأعمالكم، وربما
فتح الله قلوب الناس بسبب رحمة مسلمٍ وصدقه وحسن تعامله. عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن النبي ﷺ قال: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق» رواه أحمد.
فاجعلوا الرحمة
شعاركم، والرفق خُلُقكم، والصبر زادكم، واحرصوا على احترام الأنظمة، والتعاون مع
الناس، وإعانة كبار السن والضعفاء، فإن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس. ثم
تذكروا دائمًا أن السؤال الحقيقي ليس: كيف كانت رحلة الحج؟ بل: ماذا بقي من الحج
بعد العودة؟ هل بقيت الصلاة عامرةً في حياتنا؟ هل بقي القرآن قريبًا من قلوبنا؟ هل
أصبحنا أكثر تواضعًا ورحمةً وصدقًا؟ فالحج المبرور ليس أيامًا تنتهي، بل بداية
طريقٍ جديد مع الله. وقد قال الحسن البصري رحمه الله: “علامة الحج المبرور أن يرجع
العبد زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة” لطائف المعارف.
نسأل الله تعالى
أن يتقبل منكم حجكم، وأن يجعل سعيكم مشكورًا وذنبكم مغفورًا، وأن يرزقكم الإخلاص
والقبول، وأن يردكم إلى أهليكم سالمين غانمين. اللهم اجعل حجهم حجًا مبرورًا،
وسعيهم سعيًا مشكورًا، وذنبهم ذنبًا مغفورًا، وافتح لهم أبواب رحمتك ورضوانك،
وأصلح قلوبهم وأعمالهم، واجعل هذه الرحلة بداية خيرٍ واستقامةٍ ونور. وصلى الله
وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
-150x150.jpg)