المعالم
الدعوية والإصلاحية في خطبة الوداع
د. دحـّام
إبراهيم الهسنياني
خطبة الوداع ذلك اللقاء
الأخير بين سيد البشر محمد بن عبد الله رسول الله وبين هذه الجموع الغفيرة من
الأمة الإسلامية.. ها هو النبي صلى الله عليه وسلم يلتقي اليوم في ضاحية من ضواحي
مكة.. مكة التي خرج منها مطارداً ثاني اثنين إذ هما في الغار قبل عشر سنوات، يلتقي
اليوم في عرفات بجموع هائلة من مختلف أنحاء الجزيرة العربية، جموع هائلة يقدرها
كتاب السير بين مائة وعشرين ألفاً ومائة وأربعين ألفا، يحتشدون خلف النبي الخاتم صلى
الله عليه وسلم يأخذون عنه مناسكهم ويزيلون عن أنفسهم آخر أدران الجاهلية لينعموا
بروعة الإيمان.
وبدأت مراسيم الحج فانطلق آلاف المسلمين، القدماء
والجدد، وراء نبيهم ومعلمهم وهو يريهم مناسكهم ويعلمهم سنن حجهم. ورأى أن يفيد من
فرصة التجمع الكبير هذه فيلقي في أتباعه خطابا جامعا يؤكد فيه القيم والتعاليم
التي بعث من أجلها، وكأنه كان يدرك، بإحساسه العميق، أن هذه هي آخر فرصة يلتقي
فيها بحشد كبير من أتباعه كهذا الذي يلتقي به اليوم، فوقف بين أيديهم في عرفات،
وشفق المغيب يلقي على جبهته مزيدا من النور والمهابة والجلال، وراح يلقي كلماته
التي سميت فيما بعد بخطبة الوداع، ومن ورائه رجل جهوري الصوت يصرخ بكلمات الرسول ليسمعها
ألوف الحجيج.
لقد جاؤوا من كل حدب وصوب يلتمسون رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وتعلم المناسك منه، فمنهم جبال الإيمان
كالسابقين الأولين من الصحابة، ومنهم حديث العهد بالإيمان، فأراد النبي صلى الله
عليه وسلم بخطبته تلك الجامعة أن يلخص لهم مبادئ الإسلام وأسسه، وأن يرسي مرتكزات
أي إصلاح سواء للفرد أو للمجتمع، وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وذللت له البلاغة تذليلاً.
وقد احتوَت هذه الخطبةُ المبارَكة على خُلاصةٍ من
الوصايا النبوية العظيمة، مثل: حُرمة دمِ المسلم ومالِه، وتحريم الربا وإهدار
دماءَ الجاهلية، والتوصية بالنساء خيراً، والدعوة إلى المساواة بين الناسِ وعدم
المفاضلة بينَهم إلا بالتقوى، والنهي عن الوصية للوارث، والمحافظة على الأنساب.
لقد كانت خُطبةُ الوداعِ نَمُوذجاً من الهديِ
النبوي الشاملِ والخطابِ الإسلامي المتكامِل، حيث جَمعَ صلى الله عليه وسلم في
خُطبتِه توجيهاً عقدياًّ واجتماعياًّ واقتصادياًّ. قد كانت وَصيةً إلى الالتزام
بالدين القيم الكاملِ الشاملِ لجوانبِ الاعتقاد والعبادة والعناية بالإصلاح
الاجتماعي في شأن المرأة والأسرة والمجتمع.
إنِّ هذه الخطبةَ النبوِيةَ تُمثِّلُ رُؤيةً
واضِحةً ومنهَجاً اجتماعياًّ مُتوازِناً مُتناسِقاً بين مُراعاةِ حُقوقِ الفردِ
والجماعة، وحُقوقِ الرجلِ والمرأةِ والأُسرةِ؛ تقومُ على قاعِدةِ الالتزامِ
بالحقوقِ والواجبات؛ وهذه الخطبةُ في الحقيقةِ دُستُورٌ رائعٌ لبناءِ مجتمعٍ
مُتكاتِفٍ مُتكافلٍ يشُدُّ بعضُه بعضاً، وتتكاملُ فيه جهودُ الفردِ والجماعةِ
والأسرةِ والمجتمع. وقد جاء نزولُ الآيةِ الكريمة: )اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي
ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا(، (المائدة: 3)، إتْماماً لهذا المشروعِ
الحضاري العظيم: مشروع إكمالِ الدينِ وإتمامِ النعمة.
ونستطيع من خلال تحليل خطبة الوداع أن نتبين
أسساً لأي دعوة إصلاح إسلامية حوتها كلمات النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة في
خطبته هذه وهي:
أولاً: تحديد المرجعية العليا للمجتمع المسلم:
وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا
أبداً، أمراً بيناً: كتاب الله وسنة نبيه). فبين النبي الكريم صلى الله عليه وسلم
وقرر مبدأ “الحاكمية” أي المرجعية العليا في كل شأن من شئون الحياة سواء
كان من جانب العقيدة أو العبادة أو الأخلاق أو المعاملات أو السياسة أو غيرها، فإن
مرجعيته إلى الله تعالى، لأن التمسك بالكتاب والسنة هو ضمان العصمة من الزلل والضلال
والانحراف عن منهج الإسلام القويم، فبهما معاً نفهم الإسلام، وبتحكيمهما معاً يطبق
الإسلام ويسود، فما كانت السنة إلا تفسيراً عملياً للقرآن الكريم، وما كان القرآن
الكريم إلا دستور المسلمين الخالد الذي أنزله الله لهم هادياً ومرشداً وقائداً لما
فيه سعادة الدارين معاً، “لقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب
الله وسنة رسوله”.
إن أي مشروع حضاري، أو دعوة إصلاحية، لابد أن
تنطلق أولاً من تحديد الأيديولوجية التي ترتكن إليها، والمرجعية الإسلامية، وإعلاء
الكتاب والسنة فوق كل المناهج والأيديولوجيات، فالمرجعية الإسلامية هي أيديولوجية
المجتمع المسلم.
إن تحديده هذه المرجعية بالنسبة للمجتمع الذي
يدين بالإسلام في منتهى الأهمية لا سيما في أيامنا هذه، حيث تتصارع الأيديولوجيات
المختلفة والمذاهب المتباينة، وتحاول كل واحدة منها كسب مزيد من الأرض والبشر حتى
صار العالم كله معتركاً لهذا الصراع.
وإذا كان المنطلق الأول لأي مشروع حضاري أو دعوة
إصلاح هو تحديد المرجعية كما سبق فإن مرجعية الكتاب والسنة للمجتمع المسلم من
مقتضيات الإيمان ومستلزمات الخضوع لرب العالمين، التي لا خيار لمسلم فيها([1]).
والمتأمل في هذه الصياغة البديعة لهذه الفقرة من
خطبة الوداع: (إن اعتصمتم به فلن تضلوا…)، يجد تحقيق مدلولها، حيث صار من
البين الواضح، مدى الضياع التي تعانيه المجتمعات المسلمة حين تركت الاعتصام
بالكتاب والسنة كمرجعية عليا، ودستور حاكم، وقانون ملزم، واستبدلت بهما غيرهما، أو
فرض عليها غيرهما بتعبير أدق.
ثانياً: صياغة الفرد النموذج:
وهذا الفرد النموذج يمثل الأساس، واللبنة الأولى
في أي نهضة، أو دعوة للإصلاح، وتمثَّل هذا في فقرتين من خطبة الوداع، وهما قوله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم
لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى).
إسلام يقيم المجتمع على أواصر الإخاء والوحدة بين
أبنائه، فلا مكان فيه لصراع الأجناس، ولا لصراع الأديان، ولا لصراع الطبقات، ولا
لصراع المذاهب. فالناس كلهم أخوة، تجمع بينهم العبودية لله، والبنوة لآدم،
“إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد” واختلافهم واقع بمشيئة الله تعالى
وحكمته، وهو يفصل بينهم يوم القيامة، فيما كانوا فيه يختلفون.
وهكذا تسقط جميع الفوارق، وتسقط جميع القيم،
ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة، وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر، وإلى هذه القيمة
يرجع اختلاف البشر في الميزان.
وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في
الأرض؛ وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس. ويظهر سبب ضخم واضح للألفة
والتعاون: ألوهية الله للجميع، وخلقهم من أصل واحد. كما يرتفع لواء واحد يتسابق
الجميع ليقفوا تحته: لواء التقوى في ظل الله.
وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية
من عقابيل العصبية للجنس، والعصبية للأرض، والعصبية للقبيلة، والعصبية للبيت.
وكلها من الجاهلية وإليها، تتزيا بشتى الأزياء، وتسمى بشتى الأسماء. وكلها جاهلية
عارية من الإسلام!([2]).
والتحذير من مكر الشيطان
وحيله.. لقد انتهت الوثنية الصريحة العارية من الأرض الإسلامية أبداً، لكن حيل
الشيطان ستتخذ أشكالاً جديدة أكثر خبثاً وأقل حدة ووضوحاً لتصرف الناس عن الطريق
السوي المستقيم، وقد
بشَّرَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم المسلمين بغلبةِ هذا الدِّين وهزيمة الشياطين،
فقال: (أما بعدُ أيها الناس فإنَّ الشيطانَ قد يئس من أنْ يُعبُدَ بأرضِكم هذه
أبدا، ولكنه إنْ يُطَعْ فيما سوى ذلك فقد رضيَ به بما تحقرون من أعمالِكم؛
فاحذرُوه على دينكم)!
إن المجتمعات المسلمة في حاجة ماسة إلى بناء
الفرد على أساس الإسلام ومبادئه وأخلاقياته.
إن مخاطبة الغرائز الدنيا للفرد المسلم، وإسكار
الناس باللهاث وراء الشهوات حيناً، ووراء لقمة العيش وضروراته حيناً آخر، لتغييب
وعيهم، إن هذا كله أبعد ما يكون عن أي بناء سليم لمجتمع قوى، فضلاً عن أن يكون
إسلامياً يتصدى لما يحاك له من مؤامرات.
ثالثاً: بناء الأسرة الصالحة:
وتنبع أهمية بناء الأسرة المسلمة من كونها اللبنة
التالية لبناء المجتمع المسلم، بعد تحديد مرجعيته، وصياغة الفرد على التقوى، وذلك
قوله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقاً، ولهن
عليكم حقاً، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة
مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضرباً غير
مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن
عندكم عوان – أي أسيرات – لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة
الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله).
وقد جاء في بعضِ الرواياتِ أنه بدأ بالوصيةِ
بالنساء خيراً. كما روى ابنُ ماجه عن سليمان بن عمرو بن الأحوص حدثني أبي أنه شهد
حجةَ الوداع مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فحمدَ الله وأثنَى عليه وذكَّرَ
ووعظ ثم قال: (استوصُوا بالنساءِ خيرا؛ فإنهن عندَكم عَوانٌ؛ ليس تملكون منهن شيئا
غير ذلك؛ إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبيِّنة، فإن فعَلْن فاهجُروهن في المضاجعِ
واضربوهن ضرباً غير مُبرِّح؛ فإنْ أطَعْنَكم فلا تبغُوا عليهن سبيلا. إنَّ لكم مِن
نسائكم حقاًّ ولنسائكم عليكم حقاًّ، فأما حقُّكم على نسائكم فلا يوطئن فُرُشَكم مَن
تكرَهون ولا يأذَنَّ في بُيوتِكم لمن تكرهون، ألا وحقُّهن عليكم أنْ تحسِنوا إليهن
في كِسْوَتِهن وطعامِهن)([3]).
أن المرأة كالضلع (أي لا تخلو من عوج)، إن ذهبت
تقيمها كسرتها، وإن استمتعت بها، استمتعت بها وفيها عوج”، ويراد بالعوج في
المرأة: غلبة الجانب العاطفي عليها أكثر من الرجل، فلا بد من مداراتها والصبر
عليها، استبقاء لدوام العشرة، وإلا فتقويم الضلع لا يكون إلا بكسره، وهو أمر غير
مرغوب ولا محمود.
فانظُرْ إلى هذه العنايةِ النبويةِ بشأنِ
العلاقةِ الزوجِية والحياة الأُسَرية والوصية بالنساء خيراً، قبلَ مواثيقِ حقوق
الإنسانِ والمرأة والطفل بقُرُون!
وقد وردَ في بعضِ الروايات تكمِلةٌ لشأنِ الأسرة
تتعلقُ بالالتزامِ بالأنْصِبَة الشرعيةِ المحدَّدةِ من الميراث، وعدم الوصية
للوارث، وعدم الزيادة على الثلثِ في الوصية، والمحافظة على الأنساب: (أيها الناس
إنَّ الله قد قسمَ لكلِّ وارثٍ نصيبَه من الميراث، ولا تجوز لوارثٍ وصيتُه ولا
تجوز وصيةٌ في أكثرَ من الثلث، والولدُ للفراش وللعاهر الحجر. مَن ادَّعَى إلى
غيرِ أبيه أو تولَّى غيرَ موالِيه فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا
يقبل منه صرفاً ولا عدلا)([4]).
وللمرأة والرجل الحق بالمشاركة في المجتمع بما
يحفظ لهما كيانَ الأسرة وفي الحدود التي أباحتها الشريعة، كالمشاركة في التعليم
والطبّ والأعمال الاجتماعية، حتى أن المرأة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
شاركتْ الرجلَ في الدفاع عن الإسلام والمسلمين في معارك شتى. وكانت المرأة
تُسْتَشارُ من الرجال في كثيرٍ من الشؤون التي تخصّ الأمة، فلقد كانت أم المؤمنين
السيدة عائشة رضي الله عنها حُجّةً ومرجعاً في كثير من القضايا والأحكام الشرعية.
إن بناء هذه الأسرة المسلمة يقوم على تحديد
الحقوق والواجبات لكل من الزوجين، حتى يتفرغ كل منهما للمهمة الجسيمة الموكلة إليه
في بناء صرح الإسلام في الأرض.
رابعاً: إقامة المجتمع القوي المتماسك:
وفي الخطبة إشارات متعددة إليه، يمكن جمعها في
خطين عريضين:
الأول: علاقة أفراد المجتمع بعضهم ببعض.
والثاني: علاقة الحاكم بالمحكوم.
ففي الخط الأول يرى المتأمل في الخطبة أن هذا
المجتمع القوي ينبني على العلاقة الحميمة القوية بين أفراده، وتقوم هذه العلاقة
على:
ــ الأخوة: في قوله صلى الله عليه وسلم: (واعلموا أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين
إخوة).
فالأخوة الإسلامية
العالمية أساس من أسس الإسلام استحق التأكيد مرة بعد مرة، لذلك استهل النبي صلى
الله عليه وسلم خطبته بالتأكيد على حرمة الدماء والأموال والأعراض ثم ختمها
بتأكيده على معنى الأخوة الإسلامية الجامعة، وحذر من قتال المسلمين بعضهم البعض
معتبرا إياه ضلالاً بعد هدى ورجعية بعد إيمان.. “تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم،
وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن
أنفسكم، وستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض”.
ــ المساواة: في قوله: (إن ربكم واحد: كلكم لآدم
وآدم من تراب).. فما أروع هذا وأجمله وأعدله! الناس لآدم، فهم في ذلك أَكْفَاء …
والناس يتفاضلون بالأعمال، فواجبهم التنافس في الخير.. دعامتان قويمتان لو بنيت
عليهما الإنسانية لارتفعت بالبشر إلى علياء السموات، الناس لآدم فهم إخوان فعليهم
أن يتعاونوا وأن يسالم بعضهم بعضا، ويرحم بعضهم بعضا، ويدل بعضهم بعضا على الخير،
والتفاضل بالأعمال. فعليهم أن يجتهدوا كل من ناحيته حتى ترقى الإنسانية، فهل رأيت
سموا بالإنسانية أعلى من هذا السمو أو تربية أفضل من هذه التربية؟([5]).
فشعور المسلم بأخوته لبني الإنسان جميعاً ليس
أمراً ثانوياً عنده، ولا نافلة في دينه، إنما هو عقيدة يدين الله بها ويلقاه يوم
القيامة ويرطب بها لسانه ذكراً لله يرجو به عند الله القربة. روى الإمام أحمد وأبو
داوود عن زيد ابن أرقم رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
في دبر كل صلاة: اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك،
اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمداً عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا
شهيد أن العباد كلهم اخوة).
أن المسلمين عالميون إنسانيون بحكم تكوينهم
العقدي والفكري، وليسوا ضد أي عرق من العروق أو نسب من الأنساب، وقد علمهم دينهم
أن البشرية كلها أسرة واحدة، تجمعهم العبودية لله، والبنوة لآدم، كما قال الله
تعالى: )يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن
ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( (الحجرات: 13).
وكذلك في عدل الإسلام
المطلق والمساواة الحقيقية والشفافية النزيهة، فلا حصانة ولا استثناء، إن كان
الربا قد حرمه الله فأول ربا محرم هو ربا العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وإن
كانت دماء الجاهلية موضوعة فأول دم يضعه النبي صلى الله عليه وسلم تحت قدمه هو دم
بن ربيعة بن الحارث عم النبي صلى الله عليه وسلم “وإن أول دم أضع من دمائنا
دم ابن ربيعة بن الحارث، وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب”..
وهذه هي البراءة من قيم
الجاهلية وأهمها إراقة الدماء وأكل الربا، وهما الطريقتان الأساسيتان اللتان يأكل
بهما القوي الضعيف حيث يستبيح دمه بالقتل ويأكل ماله بالربا فيزداد القوي الغني
قوة وغنى، ويزداد الضعفاء الفقراء ضعفاً على ضعف وفقراً فوق فقر “ألا وأن كل
شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة، وربا الجاهلية
موضوع”.
فهل عرفت الدنيا عدلاً
مثل ذلك العدل!
أما الخط الثاني، وهو بيان العلاقة بين الحاكم
والمحكوم، فقد أقامته الخطبة على دعامتين:
الأولى: طاعة أولي الأمر بالمعروف:
وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، وإن أمِّر
عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله)، فشرط طاعته إقامة كتاب الله، إشارة
إلى إعلاء المرجعية الإسلامية، والحكم بكتاب الله وسنة رسوله، فإن فعل ذلك وجبت
طاعته مهما كان اسمه وصفته، أما إن حاد عن ذلك فلا سمع له ولا طاعة، بل تجب
مقاومته بالوسائل التي شرعها الإسلام… من النصح، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر… إلخ.
إن طاعة الأمراء واجبة
لكنها مشروطة باتباع الكتاب والسنة، فالطاعة للحكام إنما هي طاعة لله ولأوامره
ابتدءاً وانتهاء، وهي على هذا لا تكون للحاكم بقدر وجاهته الشكلية ولا مكانته
الاجتماعية، لكن الطاعة تكون للحاكم بقدر تمسكه واعتصامه بالكتاب والسنة مصدري
التشريع، فالطاعة في الإسلام طاعة مبصرة عاقلة ناصحة مسترشدة..
الثانية: تقديم القدوة والنموذج من قبل الحاكم
لرعيته:
حتى تكمل طاعتهم له، وقد ضرب الرسول القائد صلى
الله عليه وسلم المثل في خطبته بحكمين يتصلان ببعض أقاربه، فقد وضع في ربا عمه
العباس ودم أحد بني عبدالمطلب، وذلك قوله: (وربا الجاهلية موضوع، وإن أول دم أضع
من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع
من ربانا ربا عباس بن عبدالمطلب فإنه موضوع كله).
وقد قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه تعليقاً على
إحضار جنوده كنوز كسرى وقيصر بين يديه، دون طمع فيها: (عففت فعفوا، ولو رتعت
لرتعوا).
إن هذه الأسس الأربعة([6]): تحديد المرجعية، وبناء الفرد، وتكوين الأسرة،
وإقامة المجتمع القوي، بتفاصيلها وجزئياتها التي تؤخذ من الكتاب والسنة هي السبيل
لأي نهضة، أو إصلاح لأحوال المجتمعات التي تدين بالإسلام، للوصول إلى المجتمع
المسلم الواحد، الذي يقوم بأداء مهمته المتمثلة في قيادة البشرية الحائرة، إلى
ربها، والأخذ بيدها إلى حياة سعيدة تحقيقاً لأستاذية العالم والشهادة على الناس: )وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
لِتَكُونُوا شُهَداءَعَلَى النَّاسِ( (البقرة: 143).
خامساً: رسول الإسلام صلى
الله عليه وسلم أكمل رجال العالم:
وإذا كانت الشهادة في
أمر عادي ولو بسيطا، لا تصح إلا ممن كان عدلا، تتوفر فيه شروط من العقل والعلم
والصدق ومكارم الأخلاق… فكيف الأمر بمن يكون شهيدا على الناس، كل الناس؟ وهكذا
كانت أمة الإسلام (أمة وسطاً) وسطا بكل معاني الكلمة: شرفا.. وإحسانا.. وفضلا.. وتوازنا..
واعتدالا.. وقصدا.. وعقيدة.. ونظاما.. وشريعة.. ومنهاجا.. ومناخا.. وموقعا في
الأرض.. وتاريخا… إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا، فتقيم بينهم
العدل والقسط، وتضع لهم الموازين والقيم، وتبدي فيهم رأيها، فيكون هو الرأي
المعتمد، وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها([7])
-150x150.jpg)