فَلَمَّا أَسْلَمَا
وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
بقلم: عبدالله مكرم
بيرقدار
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فإن من أعظم مقاصد الإسلام، بل هو
جوهره وحقيقته، هو “الاستسلام” المطلق لرب العالمين. هذا الاستسلام ليس
مجرد كلمة تنطق بها الألسن، ولا شعيرة تُؤدى في معزل عن واقع الحياة، بل هو عقيدة
ومنهج حياة، تذوب أمامه حظوظ النفس، وتتلاشى عنده الهواجس والظنون.
ولعل المظهر الأسمى والنموذج
الأكمل لهذا الاستسلام يتجلى في أدق تفاصيله في مسيرة شيخ الأنبياء سيدنا إبراهيم
وولده سيدنا إسماعيل -عليهما السلام-. لقد كان الاستسلام لله طابع حياتهما،
والمعيار الثابت لجميع تصرفاتهما، ولذلك عظّم الله تعالى هذا الصنيع فقال في محكم
تنزيله: {وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ
بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124]؛ فقد خاض الخليل -عليه السلام-
غمار الابتلاءات المتلاحقة، فما تبرّم ولا توانى، بل أتمّهنّ بامتثالٍ كاملٍ،
واستسلامٍ عظيمٍ في كل شأن من شؤونه.
وإذا تتبعنا السيرة الإبراهيمية
العطرة، نجدها سلسلة متصلة من حلقات الانقياد المطلق لأمر الله؛ فقد تجلى هذا
الاستسلام حين فارق موطنه وأهله، وهاجر طاعةً لربه يبحث عن أرض بكر يبذر فيها دعوة
التوحيد، ثم تعاظمت هذه التضحية في أبهى صورها حين ترك زوجته هاجر وولده الرضيع
إسماعيل في وادٍ قفرٍ شاحبٍ، لا ماء فيه ولا أنيس، مستسلماً للوحي وموقناً برعاية
الموحِي. لتأتي بعد ذلك قمة الابتلاء والذروة العظمى في الاستسلام؛ حين أُمِر
بـذبح الولد البِكْر الذي جاءه على كِبَر، فلم يتردد الأب، ولم يتمرد الابن، بل
قال الغلام في طمأنينة الواثق: {يَا أَبَتِ افْعَلْ
مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}
[الصافات: 102]. هذا الموقف التأسيسي هو الذي بوّأ سيدنا إبراهيم مرتبة
“الخُـلّة”؛ والخليل مرتبة من المحبة والاصطفاء ليست بالقليلة، بل هي
منتهى القرب وصفاء المودة مع الله سبحانه وتعالى.
وفي هذا السياق، يقف المفكر
الإسلامي سيد قطب -رحمه الله- في كتابه “في ظلال القرآن” وقفة إيمانية
عميقة أمام قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا
وَتَلَّلهُ لِلْجَبِينِ}، حيث يحلل هذا المشهد بعبارات تنبض بالحياة،
فيقول:
“إنه الاستسلام الصامت،
الواثق، الراضي، المطمئن.. إسلام الأب وإسلام الابن. لا التواء فيه ولا تردد، ولا
فزع ولا جزع.. لقد أسلما. هذا هو الإسلام في حقيقته. إسلام النفس بكليتها لله، ثقة
به، وطاعة له، ورضى بقدَره، واستسلاماً لتدبيره.. وتلّه للجبين.. ألقاه على وجهه
ليذبحه من قفاه، كي لا يرى وجهه وهو يذبحه، فترقّ عاطفة الأبوة أو تتحرك فتقعد به
عن الطاعة! والابن مستسلم لا يتحرك.. وهنا كان الابتلاء قد تم، وكان الامتحان قد
وقع، وكانت النفس الإنسانية قد أعلنت عن ذاتها في أرفع مجاليها”.
ويوضح قطب أن مقصود الابتلاء لم
يكن إراقة الدماء، بل كان صياغة هذه النفوس وتجريدها لله بالكلية، فما دام أن
الهدف التربوي قد تحقق، وفُكّت الحبال بين القلوب والأهواء، جاء الفداء الإلهي
ليعلن نجاح التجربة الكبرى.
وهنا ندرك يقيناً أن الله سبحانه
تبارك وتعالى إنما يريد من عباده حقيقة الاستسلام ومكنون القلوب، ولا يريد القشور
أو الشكليات الجوفاء؛ فحتى في شعيرة الأضحية التي نتقرب بها، قرر القرآن الكريم
هذا الأصل العظيم فقال: {لَن يَنَالَ اللَّهَ
لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ}
[الحج: 37]. فالغاية لم تكن يوماً إراقة دمٍ أو تقديم قربانٍ مادي، وإنما الغاية
هي انقياد الجوارح والقلوب لإرادة الله تبارك وتعالى. فإذا استقامت النفوس على
جادة الطاعة، وانقاد الناس لربهم واستسلموا لأمره؛ فقد تمت الأمور وصَلُحت، وبلغت
التربية مداها، وتحقق الهدف الإلهي من التكليف، إذ إن رب العزة غني عن خلقه، لكنه
يطلب منهم المحرك الأساس لكل صلاح، وهو ديدن الاستسلام ونبذ المظاهر الشكلية التي
لا روح فيها.
إننا اليوم، وأمام واقع الأمة
المعاصر، أحوج ما نكون إلى هذا الاستسلام الشامل، غير أن الآفة الخطيرة التي
يعيشها الفرد المسلم، وتتخبط فيها العائلة والبيت المسلم اليوم، هي
“الاستسلام الجزئي”؛ إذ تجد الإنسان يستسلم لله وينقاد لشرعه في الأمور
البسيطة والمسائل اليسيرة التي لا تتصادم مع هواه أو مصالحه المادية، ولكنه إذا
وُضع أمام أمرٍ كبير، أو تشريعٍ يصطدم مع رغباته، أو نظامٍ أسري واجتماعي يفرضه
الدين، نكص على عقبيه، وضاق بذرع الشريعة، ولم يستسلم لأمر الله.
هذا الانفصام في التدين هو السبب
الرئيس وراء ما نشهده اليوم من تشتت الأفراد، حيث يعيش المرء في صراع داخلي وقلق
نفسي دائم لأنه لم يسلم زمام أمره بالكلية لبارئه، وهو العلة ذاتها التي أدت إلى
تصدع البيوت والمجتمعات؛ إذ تشتعل المشاكل الأسرية حين يغيب تحكيم شرع الله
والاستسلام لأمره عند الخلاف، فيطغى الكبر والأنانية وحب الذات على التنازل
والامتثال للحق.
إن الاستسلام الحقيقي لله سبحانه
وتعالى هو بوابة الصلاح، وطريق النجاة، والبلسم الشافي لراحة البال؛ فحين يستسلم
الإنسان لربه، يمتلئ قلبه سكينة وطمأنينة؛ لأنه يعلم يقيناً أن له رباً عظيماً،
حكيماً، رحيماً، هو الذي يدبر له شؤونه، ويقضي في أمره، فيرتاح من همّ التدبير،
وعناء التفكير في غدٍ مجهول، لعلمه أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه.
فاللهم ارزقنا استسلاماً كاستسلام
خليلك إبراهيم، وانقياداً كالانقياد الذي ترضاه، وأصلح أحوالنا وبيوتنا، واجعل
راحة بالنا في طاعتك والرضا بقضائك. والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)