أمةٌ واحدة… تتجلّى وحدتها في مواسم الإيمان
بقلم: د. عبدالمجيد عكروت
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
في كل
عام، ومع حلول المواسم الدينية الكبرى في العالم الإسلامي، تتجلّى صورة فريدة
لأمةٍ تمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، لكنها تجتمع على كلمةٍ واحدة، وشعائر
واحدة، ومشاعر متقاربة، حتى ليبدو المسلمون وكأنهم جسدٌ واحد مهما اختلفت أوطانهم
وألسنتهم وأعراقهم.
ففي شهر
رمضان، تتوحّد المواعيد والوجوه والدعوات؛ ملايين المسلمين يمسكون في وقتٍ معلوم،
ويجتمعون على موائد الإفطار، وتُرفع الأكف بالدعاء في اللحظات نفسها تقريبًا، وكأن
الأرض كلها تنبض بإيقاعٍ إيماني واحد.
ثم يأتي
الحج، ذلك المشهد العظيم الذي تتجلّى فيه وحدة الأمة الإسلامية بأوضح صورها؛
ملايين المسلمين من مختلف القارات والأعراق يلبّون نداءً واحدًا: “لبيك اللهم
لبيك”، يلبسون لباسًا واحدًا، ويتوجهون إلى ربٍ واحد، ويقفون على صعيدٍ واحد، في
صورة تُذيب الفوارق بين البشر، وتعيد تعريف معنى الأخوة الإنسانية والإيمانية.
ولأن
الحج ليس مجرد عبادة فردية، بل رمزٌ لوحدة الأمة واجتماعها، فإن فرحته تمتد إلى
المسلمين كافة، حتى أولئك الذين لم يحجّوا. فيأتي عيد الأضحى وكأنه احتفال عالمي
بوحدة المسلمين؛ فما إن تُشرق شمس العيد حتى تمتلئ الساحات والمساجد والطرقات في
مختلف بلدان العالم بملايين المصلين الذين يقفون صفوفًا متراصة، يكبرون التكبير
نفسه، ويرددون الكلمات نفسها، ويعيشون المشاعر ذاتها.
ومشهد
صلاة العيد في العالم الإسلامي يحمل دلالة عميقة؛ ففي اللحظة التي تُرفع فيها
تكبيرات العيد من جاكرتا إلى إسطنبول، ومن القاهرة إلى الرباط، ومن القرى الصغيرة
إلى أكبر العواصم، يشعر المسلم أنه ينتمي إلى أمةٍ واحدة حيّة، يجمعها الإيمان قبل
اللغة، والعقيدة قبل الحدود.
هذه
المشاهد ليست مجرد طقوس متكررة، بل رسائل حضارية وروحية تؤكد أن الأمة الإسلامية
ما تزال تملك من عوامل الوحدة ما يجعلها مختلفة في تماسكها وشعورها الجمعي. فبينما
تتغير الهويات وتذوب كثير من الخصوصيات الثقافية في عالم اليوم، يبقى المسلمون
محافظين على شعائر جامعة توحّد قلوبهم ومواسمهم ومشاعرهم.
وقد عبّر
القرآن الكريم عن هذه الحقيقة العظيمة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ
هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.
لقد جعل
الإسلام المشتركات بين المسلمين أكبر بكثير من مواطن اختلافهم؛ فقبلتهم واحدة،
وكتابهم واحد، ونبيهم واحد، وأعيادهم واحدة، وشعائرهم الكبرى واحدة، ولذلك بقيت
رابطة الأمة الإسلامية حاضرة رغم تعاقب القرون واختلاف الثقافات والحدود السياسية.
وحين
ينظر العالم إلى هذا التلاحم، فإنه يرى قوةً معنوية وحضارية نادرة؛ أمة تستطيع أن
تجتمع حول قيمها وشعائرها، وأن تتحرك بمشاعر متقاربة، وأن تحافظ على هويتها رغم كل
محاولات التفكيك والذوبان.
وفي
المقابل، فإن هذه المواسم تمنح المسلمين رسالةً واضحة: أن الأمة التي ما زالت
تجتمع على الأذان نفسه، والقرآن نفسه، والحج نفسه، وتكبيرات العيد نفسها، قادرة -إذا
أحسنت استثمار وحدتها- على أن تستعيد حضورها الحضاري، وأن تُحدث أثرًا عظيمًا في
العالم.
إن الأمة
الإسلامية، رغم ما تمر به من تحديات واختلافات، ما تزال تملك من عناصر الوحدة ما
يفوق كثيرًا عوامل الفرقة، وما تزال شعائرها الكبرى شاهدة على أن الروابط
الإيمانية أعمق من كل الحدود والانقسامات.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن
رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)