من النظريات التي ظهرت في العصر الحديث نظرية داروين، التي تقول إن أصل الإنسان ليس من آدم “عليه السلام” بل من سلالات أخري، وسوف نذكر رد على هذه النظرية الباطلة شرعاً وعقلاً.
نظريات التطور الحديثة ترجع بداياتها إلى القرن الثامن عشر الميلادي، فالنظرية التي قدمها الطبيب الانجليزي اراسموس دارون، وهو جد جارلس دارون بالاشتراك مع العالم الفرنسي كومت دي بوفون، تقول إن الأحياء تكتسب صفات معينة أثناء تكيفها للبيئة، وتنتقل هذه الصفات إلى الأجيال التالية عن طريق الوراثة، فمثلاً: تكتسب بعض الحيوانات المتعرضة للصدمات والجروح جلوداً تشبه الدرع، ثم تنتقل هذه الصفة إلى أسنالها([1]).
إنه يعتقد بأن الإنسان بدأت حياته بجرثومة صغيرة، ظهرت على سطح الماء ثم تحولت إلى حيوان صغير، ثم تدرج هذا الحيوان فأصبح ضفدعاً، فسمكة، فقرداً، ثم ترقى هذا القرد، وتمدن فصار إنساناً، فالإنسان في نظره قرد متمدن، وقد استطاع ذلك القرد بعبقريته ونبوغه، أن يتطور ويتغير فيصبح إنساناً ذكياً بعد أن كان قرداً غبياً، وهكذا جعل دارون نسبنا متصلاً بالحيوان وعشيرتنا منحدرة من الضفادع والفئران، وجدنا هو الشمبانزي، لأنه أقرب القردة شيهاً بالإنسان([2]).
والذي نراه أن ارتباط هذه النظرية بمسائل العقيدة والإيمان هو الجانب الذي أعطى هذه النظرية مثل هذه الأهمية التي لا تشاهدها في النظريات العلمية الأخرى التي قلما اهتم بها أوساط الناس قدر اهتمامهم بهذه النظرية([3]).
فإن الرد على هذه النظرية الباطلة، بالأدلة الشرعية والعقلية، التي قام على غير أساس علمي أو شرعي.
ثانياً: رد على نظرية داروين شرعاً:
أخبرنا القرآن الكريم عن خلق آدم “عليه السلام” أنه أول مخلوق من البشر ظهر على سطح الأرض، وإليه ينتمي جميع سكان الأرض، وليس قبله مخلوق من النوع الإنساني على الإطلاق([4]).
بدء الخليفة آدم أبي البشر “عليه السلام”([5])، في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾([6])، أي خالق في الأرض ومتخذ فيها خليفة، هو آدم أبو البشر، يكون له ذريةٌ ونسلٌ، يخلف بعضهم بعضاً، قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل([7])، بأن تضافرت الأخبار عن جميع أهل الملل والأديان بأن آدم “عليه السلام” أبا الخليقة، وأنه أول مخلوق من البشر على الإطلاق([8])، فالأدلة من القرآن الكريم كثيرة والسنة النبوية الصحيحة، نكتفي بذكر بعضها:
1– تكرر النداء للبشر بنسبتهم إلى أبيهم آدم “عليه السلام”، في قوله تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ﴾([9]).
2– أخبر الله تعالى بأن البشر جميعاً هم من أصل واحد، في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ﴾([10]).
3– ذكر الله تعالى أن كل مخلوق خلق من أبوين بطريق التزاوج إلا آدم “عليه السلام” فقد خلقه الله بيده من طين، ثم نفخ فيه من روحه، لأنه لم يخلق من أبوين، إنما جاء نموذجاً فرداً، كما قال تعالى: ﴿إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ * فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ﴾([11]).
4– التصريح بذكر آدم “عليه السلام” أنه أبو البشر، كما في حديث الشفاعة، عن النبي “صلى الله عليه وسلم”: “لَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ”([12])، وينادي رب العزة والجلال أبا البشر آدم “عليه السلام”([13]).
فإن ذكر الأدلة الشرعية، بالرد على نظرية داروين، فبين الآيات والأحاديث، ونفى هذه النظرية، جملة وتفصيلاً.
ثالثاً: رد على نظرية داروين عقلاً:
الرد على نظرية داروين عقلاً من خلال أسلوب العلمي القوي، أن هذه النظرية هي مجرد افتراضيات وأوهام، وأنها لم تصل إلى الدرجة العلمية المقطوع بصحتها، وشهر هذه النظرية لا تجعلها نظرية صحيحة مقبولة في منطق العلم والعقل، وإن كثيرين من علماء الغرب أنفسهم استسخفوا هذه النظرية، وأبطلوها بالحجج الدامغة، والبراهين القاطعة([14]).
وأثبت بالبرهان الواقعي أن جميع مقومات الحياة الحقيقة، ما كان يمكن أن توجد على كوكب واحد في وقت واحد، بمجرد الصدفة([15]).
فإن ذكر آراء علماء الغرب برد على هذه النظرية، إضافة قوية بليغة، على عدم صحة هذه النظرية.
رابعاً: الهدف الحقيقي من نظرية داروين:
هو إنكار وجود الخالق جل وعلا، وأن الطبيعة هي التي أوجدت هذا العالم، وخلقت الإنسان، ونشر الإلحاد، والدعوة إلى الإفساد، وأنه لا يوجد صانع لهذا العالم، فإن داروين يهودي خبيث دهري ملحد، متنكر للأديان السماوية([16]).
وأن القائلين بنظرية التطور والنشوء والارتقاء، ينقسمون إلى قسمين، قسم جعل إنكار الخالق سبحانه وتعالى أساساً لهذه النظرية، وقسم أقل أحواله أنه لم يتعرض لنفي الخالق، وإنما قدم بحوثه على أساس علمي بحث([17]).
بقلم الدكتور: ابراهيم رزق خالد النجار.
دكتوراة في العقيدة والمذاهب الفكرية المعاصرة.
عضو جمعية أهل السنة والصحابة.
عضو رابطة علماء فلسطين.
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
([1]) دارون ونظرية التطور، شمس الدين آق بلوت، ترجمة: اورخان محمد علي، الناشر: دار الصحوة، مصر القاهرة، ترجمة هذا الكتاب الطبعة السابعة، 1980م، ص10-11.
([2]) النبوة والأنبياء، الصابوني، ص122.
([3]) دارون ونظرية التطور، شمس الدين آق بلوت، ترجمة: اورخان محمد علي، ص5.
([4]) انظر: النبوة والأنبياء، الصابوني، ص119.
([5]) التفسير الواضح الميسر، الصابوني، ص18.
([7]) صفوة التفاسير، الصابوني، ج1، ص56.
([8]) النبوة والأنبياء، الصابوني، ص120.
([12]) صحيح البخاري، البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى )إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوْحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ( [نوح: 1] إلى آخر السورة، ج3، ص 1215، رقم الحديث: 3162.
([13]) الشرح الميسر لصحيح البخاري، الصابوني، ج4، ص23.
([14]) انظر: النبوة والأنبياء، الصابوني، ص124.
([15]) العلم يدعو للإيمان، كريسي مور يسون، ترجمة: محمود صالح الفلكي، تصدير: الشيخ أحمد حسن الباقوري، تقديم الدكتور: أحمد زكي، الناشر: مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، ومكتبة النهضة المصرية، الولايات الأمريكي المتحدة، بنيويوك، مصر القاهرة، بدون رقم طبعة، بدون تاريخ نشر، ص19.
([16]) انظر: النبوة والأنبياء، الصابوني، ص122.
([17]) الإسلام ونظرية داروين، محمد أحمد باشميل، الناشر: دار الفتح للطباعة والنشر، لبنان، بيروت، الطبعة الثالثة، 1404هـ/1984م، ص39.
