آخر الأخبار

المشروع الذي تناساه أهل الإفراط والتفريط (صلح الحسن بن علي بن أبي طالب مع معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنهم) -01-

شارك المقال على:

صلح الحسن بن علي مع معاوية رضي الله عنهم

بويع الحسن رضي الله عنه بيعة عامة، وبايعه الأمراء الذين كانوا مع والده، وكل الناس الذين بايعوا لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وباشر سلطته كخليفة، فرتب العمال وأمّر الأمراء وجند الجنود وفرق العطايا، وزاد المقاتلة في العطاء مئة مئة فاكتسب بذلك رضاءهم[(1611)]، وكان في وسعه أن يخوض حرباً لا هوادة فيها ضد معاوية، وكانت شخصيته الفذة من الناحية السياسة والعسكرية والأخلاقية، والدينية تساعد على ذلك، مع وجود عوامل أخرى، كوجود قيس بن سعد بن عبادة، وحاتم بن عدي الطائي وغيرهم من قادة المسلمين الذين لهم من القدرات القيادية الشيء الكثير، إلا أن الحسن بن علي، مال إلى السلم والصلح لحقن الدماء، وتوحيد الأمة، ورغبة فيما عند الله وزهده في الملك وغير ذلك من الأسباب التي سيأتي بيانها وتفصيلها.

وقد قاد الحسن بن علي مشروع الإصلاح الذي توّج بوحدة الأمة، وظل زمام الموقف في جانبه وبيده ويد أنصاره، وكانت جبهته العسكرية قوية كما جاء في رواية البخاري وقد عبر عن ذلك عمرو بن العاص عندما قال: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها[(1612)]، وقال الحسن بن علي: كانت جماجم العرب بيدي تحارب من حاربت وتسالم من سالمت[(1613)].

ولو لم يكن الحسن مرهوب الجانب لما احتاج معاوية رضي الله عنه إلى أن يفاوضه ويوافق على ما طلب من الشروط والضمانات، ولكان عرف ضعف جانب الحسن وانحلال قوته عن طريق عيونه، ولدخل الكوفة من غير أن يكلف نفسه مفاوضة أحد أو ينزل على

شروطه، ومطالبه ، وتفوُّق جانب معاوية على الحسن لا مِرَاء فيه ، فهل صالح الحسن معاوية لهذا السبب؟[(1614)].

قال ابن تيمية في منهاج السنة:

فقد كان بمقدور الحسن أن يقاتل معاوية بمن كان معه وإن كان أقل ممن كان مع معاوية، صنيع الذين قاتلوا خصومهم على قلةِ من كان معهم من الأعوان والأنصار، ولكن الحسن كان ذا خلق يجنح إلى السلم وكراهة الفتنة ونبذ الفرقة، جعل الله به رأب الصدع، وجمع الكلمة[(1615)].

وكان رضي الله عنه يملك رؤية إصلاحية واضحة المعالم، خضعت لمراحل، وبواعث، وتغلب على العوائق، وكتبت فيها شروط، وترتبت عليها نتائج، وأصبح هذا الصلح من مفاخر الحسن بن علي رضي الله عنهما على مر العصور وتوالي الأزمان، حتى قال الدكتور خالد الغيث حفظه الله: كان الحسن رضوان الله عليه في صلحه مع معاوية رضي الله عنه، وحقنه لدماء المسلمين، كعثمان في جمعه للقران، وكأبي بكر في الردة[(1616)]، ولا أدل على ذلك في كون هذا الفعل من الحسن يعد علماً من أعلام النبوة، والحجة في ذلك ما أخرجه البخاري من طريق أبي بكرة رضي الله عنه قال: رأيت النبي (ﷺ) على المنبر، والحسن بن علي على جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»[(1617)]. إن صلح الحسن مع معاوية رضي الله عنه من الأحداث العظام في تاريخ الأمة الإسلامية.

وقد أسهم في تبوُّءِ هذا الحدث لهذه المنزلة عدة أسباب منها:

1 ـ كونه علماً من أعلام النبوة.

2 ـ إن من ثمار هذا الصلح حقن دماء المسلمين وجمع كلمتهم على إمام واحد بعد سنوات من الفرقة.

3 ـ كون الحسن رضي الله عنه أول خليفة يتنازل عن منصبه ويخلع نفسه طواعية، وبدون أي ضغوط، ومن مركز قوة لا من مركز ضعف، من أجل إصلاح ذات بين المسلمين.

4 ـ كون الحسن رضي الله عنه اخر خلفاء مرحلة النبوة.

من هذه الأسباب وغيرها امتلأت كتب العقيدة والسنة والتاريخ والأدب وغيرها من المصادر بأخبار صلح الحسن مع معاوية رضي الله عنهما، والقارئ لتلك المصادر بما فيها تاريخ الطبري ـ يلاحظ كثرة روايات الصلح وتضاربها مع بعضها، واختلاط ضعيفها بصحيحها، وتشابه بعض أحداثها، يضاف إلى ذلك عدم مراعاة المصادر للترتيب الزمني لوقوع الحدث، مع أن التسلسل الزمني لمجريات الصلح يعد بالغ الأهمية لفهم الحدث[(1618)].

ولقد قام الأخ الكريم الدكتور خالد الغيث بجهد كبير في دراسة تلك المصادر واستخراج الروايات الصحيحة منها، واعتمدها في ترتيب أحداث الصلح ترتيباً زمنياً، كما استفاد من بعض الروايات الضعيفة المتوافقة مع الروايات الصحيحة ـ وفقاً للمنهج الذي بينه في رسالته المعروفة، بمرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري من أجل استكمال تفاصيل الحدث[(1619)]، ولقد استفدت من ذلك الجهد الرائع، والترتيب المبدع، والتسلسل الجميل لمجريات الصلح.

أولاً ـ أهم مراحل الصلح:

المرحلة الأولى:

دعوة الرسول (ﷺ) للحسن بأن يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فتلك الدعوة المباركة التي دفعت الحسن رضي الله عنه إلى الإقدام على الصلح بكل ثقة وتصميم[(1620)]، فقد قال (ﷺ): «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»[(1621)]، فلم تكن نبوءة رسول الله (ﷺ) عن الحسن بن علي أنه سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين مجرد إنباء يسمعه الحسن والمسلمون ويصدقونه كالنبوءات النبوية الأخرى، بل كانت الكلمة الموجهة الرائدة للحسن بن علي رضي الله عنهما في اتجاهاته وتصرفاته ومنهج حياته، لا بدّ أنها حلَّت في قرارة نفسه، واستولت على مشاعره، وامتزجت بلحمه ودمه، واعتبرها كوصيّة من الرسول (ﷺ) ـ وهو نبيه وجدُّه ـ يتكلم بهذه الكلمات رأى

السرور في أسارير وجهه، والبريق في عينيه (ﷺ)، فتمسك بها كهدف من أهداف حياته، وكالمثل الأعلى له في مستقبله.

وقد ظهرت اثار هذه النبوءة في جميع حركاته وسكناته، حتى في الحديث مع والده الكبير الذي يحبه حبّ الأبناء البَررَة للاباء العِظام الذين خصهم الله بمواهب ومناقب، قلّما يشاركهم فيها أفراد الأمة، وكان من أعرف الناس بها بحُكم البنوّة والصحبة، ويجلّه إجلال العارفين والمعجبين، وقد أشار على أبيه عليّ بن أبي طالب بعد مقتل عثمان أن يعتزل الناس إلى حيث شاء من الأرض، حتى تثوب إلى العرب عوازب أحلامها، وقال له: لو كنت في جُحر ضَبّ لاستخرجوك منها فبايعوك دون أن تعرض نفسك لهم، ولما عزم عليٌّ على قتال أهل الشام، وعزم على التجهّز، وخرج من المدينة وهو عازم على أن يقاتل بمن أطاعه من عصاه، جاء إليه الحسن بن علي وقال: يا أبتِ دع هذا؛ فإن فيه سفك دماء المسلمين ووقوع الاختلاف بينهم[(1622)].

ولكنّ علياً لم يقبل ما أشار به الحسن، ولم يكن ليترك الناس في فتنة دون أن يؤدي ما يدين لله به من أمر بمعروف ونهي عن منكر، وردَّ الأمر إلى نصابه، والحقّ إلى أصحابه ولكُلٍّ وجهة هو مولّيها[(1623)]، وكان علي رضي الله عنه مصيباً في رأيه، وقد ظهرت المعجزة النبوية، وبلغت ذروتها بتربية الحسن بن علي التربية الإسلامية الربانية، من كون هذا الإمام الفذّ سيداً جليلاً.

وليست السيادة بالقهر وسفك الدماء، أو إهدار الأموال والحرمات، بل السيادة بصيانتها وإزالة البغضاء والشحناء، فصلحه وحقنه لدماء المسلمين بلغ فيه ذروة السيادة، التي لا يستطيعها من فكر بالقوة وهو يملك طرفاً منها، وقد صالح الحسن معاوية وحوله الألوف فيهم من هو طامع مدسوس، ولكن فيهم الكثير الكثير من المخلصين الأوفياء، فما أراد أن تراق بسببه قطرة دم، أو يخدش مسلم في هذا السبيل، وإن الرئاسة للأقوام إن لم تكن لصيانتها، وحياطتها وحفظها، وترقيتها فهي نوع من الطاغوت الأعمى والتهور الأحمق، والمغامرة والمقامرة التي تجلب معها الدمار والخراب، والإذلال والسباب وينتهي أصحابها إلى غضب الله، ولعنة التاريخ، وهل تَدافَع أمواج الدماء البشرية عبر

العصور والقرون إلا من الحرص على الرئاسة والسلطان والتكالب على الدنيا [(1624)]؟!!.

لقد كان الحسن زاهداً في الدنيا والملك والرئاسة، ولو أرادها لأدار الحرب الطحون سنين وسنين، ولكنه كان ينظر إلى الدار الاخرة، ويريد حفظ دماء أمة محمد (ﷺ)، قال الحسن البصري: فلما ولي الحسن ما أهريق في سببه محجمة دم[(1625)]. وكان يعلنها صريحة ويفتخر بذلك ويعتز بتنفيذه للوصية النبوية، وسلوكه مسلك التربية الإيمانية[(1626)]، فقد أصلح الله بالحسن بين أهل العراق والأمة كلها، فجعل النبي (ﷺ) الإصلاح من فضائل الحسن، مع أن الحسن نزل عن الأمر وسلم الأمر إلى معاوية، فلو كان القتال هو المأمور به دون ترك الخلافة ومصالحة معاوية لم يمدحه النبي (ﷺ) على ترك ما أمر به وفعل ما لم يؤمر به، ولا مدحه على ترك الأولى وفعل الأدنى، فعلم أن الذي فعله الحسن هو الذي كان يحبه الله ورسوله لا القتال[(1627)].

المرحلة الثانية:

شرط البيعة الذي وضعه الحسن رضي الله عنه أساساً لقبوله مبايعة أهل العراق له، ذلك الشرط الذي نص على أنهم يسالمون من يسالم ويحاربون من يحارب[(1628)]، فعن ميمون بن مهران، قال: إن الحسن بن علي بن أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين، بايعهم على الإمرة، وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه ويرضوا بما رضي به[(1629)]، وفي رواية أخرى، من طريق خالد بن مُصرَّب، قال: سمعت الحسن بن علي يقول: والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم، قالوا: ما هو؟ قال: تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت[(1630)]، ويستفاد من الروايتين ابتداء الحسن رضي الله عنه في تبييته لنية الصلح قبل استخلافه، وذلك تحقيقاً منه لنبوة المصطفى[(1631)]، وأدخل الحسن رضي الله عنه بشرطه في عقلية العراقيين بأن خيار السلم قابل للنقاش والأخذ والعطاء، وليس فيه تقديم إرادة السّلم

على الحرب، فهو يشتمل عليهما معاً، وإن كان يوحي بالسلم، وهذا دليل على عبقريته وحسن قيادته، ومعرفته بالأمور، كما أنه رضي الله عنه تقدم للخلافة لما كانت مصلحة الإسلام والمسلمين في ذلك.

المرحلة الثالثة:

وقوع المحاولة الأولى لاغتيال الحسن رضي الله عنه بعد أن كشف عن نيته في الصلح مع معاوية رضي الله عنه، وهذه المحاولة يبدو أنها قد جرت بعد استخلافه بقليل، وهو ما أشارت إليه الروايات التالية: ما أخرجه ابن سعد في طبقاته من طريق أبي جميلة[(1632)]: أن الحسن بن علي لما استخلف حين قتل علي، فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر ـ وزعم حصين بن عبد الرحمن السلمي أنه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد ـ وحسن ساجد، قال حصين: وعمي أدرك ذلك، قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه، فمرض منها أشهراً ثم برئ، فقعد على المنبر فقال: يا أهل العراق اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، أهل البيت الذين قال الله: [الأحزاب: 33]. قال: فما زال يقول ذلك حتى ما رؤي أحد من أهل المسجد إلا وهو يخن[(1633)] بكاء

وما أخرجه ابن سعد في طبقاته من طريق هلال بن يساف[(1634)]، قال: سمعت الحسن بن علي وهو يخطب وهو يقول: يا أهل الكوفة، اتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم وإنا أضيافكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله: قال: فما رأيت يوماً قط أكثر باكياً من يومئذ

المرحلة الرابعة:

خروج الحسن رضي الله عنه بجيش العراق من الكوفة إلى المدائن، وإرساله للقوة

الضاربة من الجيش وهي شرطة الخميس إلى مسكن بقيادة قيس بن سعد بن عبادة[(1635)]، وقد أشار ابن سعد في طبقاته إلى ذلك في الرواية التي أخرجها من طريق الشعبي، قال: بايع أهل العراق بعد علي بن أبي طالب الحسن بن علي، ثم قالوا له: سر إلى هؤلاء القوم الذين عصوا الله ورسوله؛ ارتكبوا العظيم وابتزوا[(1636)] الناس أمورهم، فإنا نرجو أن يمكن الله منهم، فسار الحسن إلى أهل الشام، وجعل على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة في اثني عشر ألفاً، وكانوا يسمون شرطة الخميس[(1637)].

من خلال الرواية السابقة يتضح أن أهل العراق هم الذين دفعوا الحسن رضي الله عنه إلى الخروج لقتال أهل الشام من غير رغبة منه، وهذا الأمر قد أشار إليه ابن كثير رحمه الله بقوله: ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحداً، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعاً عظيماً لم يُسمع بمثله، فأمّر الحسن بن علي، قيس بن سعد بن عبادة، على المقدمة في اثنى عشر ألفاً بين يديه، وسار هو بالجيوش في أثره قاصداً بلاد الشام، فلما اجتاز بالمدائن نزلها وقدّم المقدمة بين يديه[(1638)]، وقد أظهر الحسن حنكة كبيرة دلت على سعة أفقه ودهائه وبصيرته، عندما لم يشأ أن يواجه أهل العراق من البداية بميله إلى مصالحة معاوية وتسليمه الأمر؛ لأنه يعرف خفتهم وتهورهم، فأراد أن يقيم من مسلكهم الدليل على صدق نظرته فيهم، وعلى سلامة ما اتجه إليه، فوافقهم على المسير لحرب معاوية وعبأ جيشه[(1639)]، وكان خروج الحسن بن علي من الكوفة إلى المدائن على ما رجحه الدكتور خالد الغيث في شهر صفر من السنة التالية وهي سنة 41هـ[(1640)].

المرحلة الخامسة:

خرج معاوية رضي الله عنه من الشام وتوجه إلى العراق بعد أن وصل خبر خروج الحسن من الكوفة إلى المدائن بجيوشه، يقول ابن سعد في طبقاته: وأقبل معاوية في أهل الشام يريد الحسن حتى نزل جسر منيح[(1641)]. ثم أضاف قائلاً: فأقبل من جسر منيح إلى مسكن في

خمسة أيام وقد دخل يوم السادس[(1642)]، وقد تأخر خروج معاوية وكان ذلك بعد سماعه لخروج الحسن بجيوشه، وكان معاوية قد أصيب إصابة بليغة من جراء محاولة الاغتيال التي تعرض لها من قبل الخارجي البرك بن عبد الله التميمي، حين خرج لصلاة الفجر، وهي المحاولة التي نفذت في نفس فجر اليوم الذي اغتيل فيه علي رضي الله عنه، وهو فجر يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان سنة 40 هـ على الصحيح المشهور من الأقوال[(1643)].

وقد أشار الخلاَّل إلى شدة إصابة معاوية رضي الله عنه في الرواية التي أخرجها من طريق جندب قال: كنا مع سعد بن أبي وقاص في ركب فنزل سعد ونزلت واغتنمت نزوله قال: فجعلت أمشي إلى جانبه، فحمدت الله وأثنيت عليه وقلت: إن معاوية طعن طعناً بيَّناً لا أراها إلا قاتلته، وإن الناس[(1644)] قاتلون بقية أصحاب الشورى، وبقية أصحاب رسول الله (ﷺ)، فأنشدك الله إن وليت شيئاً من أمرهم، أو تشق عصاهم وأن تفرق جمعهم، أو تدعوهم إلى أمر مهلكة. فحمد سعد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد؛ فو الله لا أشق عصاهم ولا أُفَرَّق جمعهم، ولا أدْعُهُم إلى أمر هلكة حتى يأتوني بسيف يقول: يا سعد هذا مؤمن فدعه، وهذا كافر فاقتله[(1645)].

وبينما الحسن في المدائن، إذ نادى منادٍ من أهل العراق إن قيساً قد قتل، فسرت الفوضى في الجيش، وعادت إلى أهل العراق طبيعتهم في عدم الثبات، فاعتدوا على سرادق الحسن ونهبوا متاعه حتى إنهم نازعوه بساطاً كان تحته، وطعنوه وجرحوه، وهنا حدثت حادثة لها دلالة كبيرة؛ فقد كان والي المدائن من قبل علي: سعد بن مسعود الثقفي، فأتاه ابن أخيه المختار بن أبي عبيد بن مسعود، وكان شاباً، فقال له: هل لك في الغنى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: توثق الحسن، وتستأمن به إلى معاوية، فقال له عمه: عليك لعنة الله، أثب على ابن بنت رسول الله (ﷺ)، فأوثقه بئس الرجل أنت[(1646)]، فلما رأى الحسن صنع أصحابه أيقن أنه لا فائدة منهم، ولا نصر يُرجى على أيديهم، وهذه كانت قناعته من البداية[(1647)]، فدفعه ذلك إلى قطع خطوات أوسع والاقتراب أكثر من الصلح.

المرحلة السادسة:

تبادل الرسل بين الحسن ومعاوية، ووقوع الصلح بينهما رضوان الله عليهما، فقد سجل الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه تلك اللحظات الحرجة من تاريخ الأمة المسلمة حين التقى الجمعان، جمع أهل الشام وجمع أهل العراق، وذلك في الرواية التي أخرجها من طريق الحسن البصري، قال: استقبل ـ والله ـ الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية ـ وكان والله خير الرجلين ـ: أي عمرو، وإن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس، مَنْ لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟[(1648)] فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس ـ عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز؛ فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه. فأتياه، فدخلا عليه، فتكلما، وقالا له، وطلبا إليه.

فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال[(1649)]، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك قال: فمن لي بهذا؟[(1650)] قالا: نحن لك به[(1651)]، فما سألهما شيئاً إلا قالا: نحن لك به، فصالحه فقال الحسن، أي البصري: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله (ﷺ) على المنبر ـ والحسن ابن علي إلى جنبه ـ وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين[(1652)]، وقد تحدث ابن حجر رحمه الله عن الفوائد المستنبطة من رواية الصلح فقال:

1) ـ وفي هذه القصة من الفوائد علم من أعلام النبوة.

2) ـ ومنقبة للحسن بن علي، فإنه ترك الملك لا لقلة، ولا لذلة، ولا لعلة، بل لرغبته

فيما عند الله لما راه من حقن دماء المسلمين، فراعى مصلحة الدين ومصلحة الأمة.

3) ـ وفيها رد على الخوارج الذين كانوا يكفرون علياً ومن معه، ومعاوية ومن معه، بشهادة النبي (ﷺ) بالطائفتين بأنهم من المسلمين.

4) ـ وفيها فضيلة الإصلاح بين الناس، ولا سيما في حقن دماء المسلمين.

5) ـ ودلالة على رأفة معاوية بالرعية، وشفقته على المسلمين، وقوة نظره في تدبير الملك، ونظره في العواقب.

6) ـ وفيه ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل؛ لأن الحسن ومعاوية ولي كل منهما الخلافة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد في الحياة وهما بدريان.

7) ـ وفيه جواز خلع الخليفة نفسه، إذا رأى في ذلك صلاحاً للمسلمين، والنزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه، بعد استيفاء شرائطه، بأن يكون المنزول له أولى من النازل، وأن يكون المبذول من مال الباذل؛ فإن كان في ولاية عامة وكان المبذول من بيت المال اشترط أن تكون المصلحة في ذلك عامة[(1653)].

كما أخرج ابن سعد رحمه الله رواية لا تقل أهمية عن رواية البخاري في الصلح، وتعد مكملة لها، وهي من طريق عمرو بن دينار[(1654)]: إن معاوية كان يعلم أن الحسن أكره الناس للفتنة؛ فلما توفي علي بعث إلى الحسن، فأصلح الذي بينه وبينه سراً، وأعطاه معاوية عهد إن حدث به حدث والحسن حي ليُسَمَّينَّه[(1655)]، وليجعلن هذا الأمر إليه، فلما توثق منه الحسن، قال ابن جعفر[(1656)]: والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لأقوم فجذب بثوبي وقال: اقعد يا هَناه[(1657)]، واجلس، فجلست قال: إني قد رأيت رأياً وأحب أن تتابعني عليه، قال: قلت: ما هو؟ قال: قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي بين معاوية، وبين

هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسقطت فيها الدماء، وقطعت فيها الأرحام، وقطعت السبل، وعُطَّلت الفروج ـ يعني الثغور ـ فقال ابن جعفر: جزاك الله عن أمة محمد، فأنا معك على هذا الحديث، فقال الحسن: ادع لي الحسين، فبعث إلى الحسين فأتاه فقال: يا أخي قد رأيت رأياً وإني أحب أن تتابعني عليه.

قال: ما هو؟ قال: فقصّ عليه الذي قال لابن جعفر، قال الحسين: أعيذك بالله أن تكذب علياً في قبره وتصدق معاوية. قال الحسن: والله ما أردت أمراً قط إلا خالفتني إلى غيره، والله لقد هممت أن أقذفك في بيت فأطينه عليك حتى أقضي أمري. قال: فلما رأى الحسين غضبه قال: أنت أكبر ولد علي، وأنت خليفته، وأمرنا لأمرك تبع، فافعل ما بدا لك[(1658)]، ويلاحظ على روايتي البخاري وابن سعد اتفاقهما على أن معاوية رضي الله عنه كان صاحب المبادرة في الاتصال بالحسن رضي الله عنه وعرض الصلح عليه[(1659)].

* مَنِ المبادر إلى الصلح الحسن أم معاوية؟

وهنا قد يسأل سائل: من المبادر إلى الصلح، أهو الحسن رضي الله عنه ـ الذي ورد حديث الرسول في الصلح بحقه، والذي كاد أن يقتل في المحاولة الأولى لاغتياله بسبب شرط البيعة الذي اشترطه على أهل العراق، والذي يفهم منه عزمه على صلح معاوية ـ أم معاوية رضي الله عنه؟

وجواب ذلك: أن الرغبة في الصلح كانت موجودة لدى الطرفين، فقد سعى الحسن رضي الله عنه إلى الصلح، وخطط له منذ اللحظات الأولى لمبايعته، ثم جاء معاوية فأكمل ما بدأه الحسن، فكان عمل كل واحد منهما مكملاً للاخر رضوان الله عليهم أجمعين[(1660)]، والقدح المعلَّى في السعي في نجاح الصلح للحسن.

المرحلة السابعة:

* محاولة أخرى لاغتيال الحسن رضي الله عنه:

بعد نجاح مفاوضات الصلح بين الحسن ومعاوية رضي الله عنهما، شرع الحسن رضي الله عنه في تهيئة نفوس أتباعه على تقبل الصلح الذي تم، فقام فيهم خطيباً ليبين لهم ما تم

بينه وبين معاوية، وفيما هو يخطب هجم عليه بعض عسكره محاولين قتله، لكن الله سبحانه وتعالى أنجاه كما أنجاه من قبل، وقد أورد البلاذري خطبة الحسن التي ألقاها في أتباعه، ومحاولة قتله رضي الله عنه فقال:

إني أرجو الله أن أكون أنصح خلقه لخلقه، وما أنا محتمل على أحد ضغينة، ولا حقداً، ولا مريداً به غائلة، ولا سوءاً، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا علي، غفر الله لي ولكم.

فنظر بعض الناس إلى بعض وقالوا: عزم والله على صلح معاوية، وضعف وخار، وشدوا على فسطاطه، فدخلوه، انتزعوا مصلاه من تحته، وانتهبوا ثيابه، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي جعال الأزدي، فنزع مطرفه[(1661)] عن عاتقه، فبقي متقلداً سيفه فَدُهِش ثم رجع ذِهْنُهُ، فركب فرسه، وأطاف به الناس، فبعضهم يعجزه ويضعفه، وبعضهم ينحي أولئك منه، ويمنعهم منه.

وانطلق رجل من بني أسد بن خزيمة من بني نضر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، يقال له: الجراح بن سنان[(1662)]، وكان يرى رأي الخوارج ـ على مظلم ساباط[(1663)]، فقعد له فيه ينتظره، فلما مر الحسن دنا من دابته فأخذ بلجامها، ثم أخرج معولاً[(1664)]، وكان معه وقال: أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، وطعنه بالمعول في أصل فخذه، فشق في فخذه شقاً كاد يصل إلى العظم، وضرب الحسن وجهه، ثم اعتنقا وخرا إلى الأرض، ووثب عبد الله بن الخضل الطائي[(1665)]، فنزع المعول من يد الجراح، وأخذ ظبيان بن عمارة التميمي[(1666)]، بأنفه فقطعه، وضرب بيده إلى قطعة اجرة فشدخ بها

وجهه ورأسه حتى مات، وحُمل الحسن إلى المدائن… ثم إن سعد بن مسعود أتى الحسن بطبيب، وقام عليه حتى برِأى وحوله إلى أبيض المدائن[(1667)][(1668)].

وقد يعترض بشأن خطبة الحسن رضي الله عنه، وأنها وردت عند البلاذري وأبي حنيفة الدينوري قبل صلح الحسن ومعاوية رضي الله عنه.

وجواب ذلك: أن ما ورد في رواية البخاري من وصف لجيش الحسن، يفيد قوة جيش الحسن وتماسكه مما يعني أن جيش العراق قد قابل جيش الشام وهو في أحسن حالاته المادية والمعنوية، وحيث إن جيش أهل العراق قد اضطرب حاله بعد خطبة الحسن فإن هذا يعني انتفاء مقابلة جيش العراق لجيش الشام بعد الخطبة، لذا فإن الأقرب للواقع أن خطبة الحسن في معسكره كانت بعد التقاء الجيشين العراقي والشامي، وبعد وقوع الصلح بين الحسن ومعـاوية رضي الله عنهما[(1669)]، هذا بالإضافة إلى أن خطبة الحسن هذه كانت مدخلاً وتمهيداً منه رضي الله عنه لإخبار أتباعه بالصلح الذي تم بينه وبين معاوية وهذا ما تبينه الروايات التالية:

ما أخرجه ابن سعد من طريق رياح بن الحارث[(1670)]: إن الحسن بن علي قام بعد وفاة علي رضي الله عنه ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن كل ما هو ات قريب، وإن أمر الله واقع، وإن كره الناس، وإني والله ما أحببت أن ألي من أمر أمة محمد ما يزن مثقال حبة من خردل يهراق فيه محجمة من دم، قد علمت ما يضرني مما ينفعني، فالحقوا بطيتكم[(1671)][(1672)]، وقد يقول قائل: إن هذه الرواية قد قيلت في الكوفة، وليست في المدائن، والجواب على ذلك: أن أحمد بن حنبل أخرج الرواية نفسها من طريق رياح بن الحارث وبإسناد صحيح[(1673)]، وفيها: أن الناس اجتمعوا إلى الحسن بن علي بالمدائن [(1674)].. ثم ذكر بقية رواية ابن سعد، وحيث إن هذه الخطبة قد قيلت في المدائن فإن الأرجح أنها قيلت بعد

صلح الحسن مع معاوية رضي الله عنهما ـ حيث يرد بشأنها ما ورد بشأن خطبة الحسن التي عند البلاذري ـ بل لعلها كانت جزءاً من خطبة الحسن التي أوردها البلاذري، وأسفرت عن اضطراب معسكر الحسن.

وقد بقيت الإشارة إلى موقف الحسن رضي الله عنه تجاه ما حصل له في معسكره، وهو ما أخرجه ابن سعد من طريق هلال بن خباب[(1675)]، قال: جمع الحسن بن علي رؤوس أصحابه في قصر المدائن، فقال: يا أهل العراق، لو لم تذهل نفسي[(1676)]، عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلكم أبي، ومطعنكم بغلتي، وانتهابكم ثقلي، أو قال: ردائي عن عاتقي، وإنكم قد بايعتموني أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا ، قال: ثم نزل فدخل القصر[(1677)].

1) ـ موقف شرطة الخميس من الصلح:

أما موقف شرطة الخميس ـ وهم مقدمة جيش العراق إلى مسكن ـ من الصلح، فقد أخرج الحاكم عن أبي الغَريف[(1678)]، قال: كنا في مقدمة جيش الحسن بن علي اثني عشر ألفاً، تقطر أسيافنا من الحدة على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العمَّرطة[(1679)]، فلما أتانا صلح الحسن بن علي ومعاوية كأنّما كسرت ظهورنا من الحرد[(1680)] والغيظ، فلما قدم الحسن بن علي على الكوفة، قام إليه رجل منا يكنى أبا عامر سفيان بن الليل[(1681)]، فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال الحسن: لا تقل ذلك يا أبا عامر، لم أذلَّ المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك[(1682)]، ويبدو أن أبا العمّرطة كان أميراً على مجموعة من جيش الخميس في المقدمة، وكان فيهم أبو الغريف، لأنه من الثابت أن جيش الخميس كان عليه قيس بن سعد رضي الله عنه، كما أن الروايات الصحيحة لا تذكر أي وجود لعبيد الله بن

العباس على جيش الخميس، مما يثير الشك حول وجود عبيد الله بن العباس في العراق في هذه الفترة[(1683)]، ولا يلتفت إلى الروايات الساقطة والموضوعة التي تزعم أن عبيد الله خان الحسن مقابل رشاوى مالية من معاوية.

أما قيس بن سعد فقد تردد في الدخول في الصلح، واعتزل بما أطاعه ثم شرح الله صدره، ودخل في الصلح وبايع معاوية رضوان الله عليهم أجمعين، وفي الروايات التالية بيان موقف قيس حين جاءه خبر الصلح، أخرج ابن حجر من طريق حبيب بن أبي ثابت[(1684)]، أنه قال:.. فبعث الحسن بالبيعة إلى معاوية، فكتب بذلك الحسن إلى قيس بن سعد، فقال قيس بن سعد في أصحابه فقال: يا أيها الناس، أتاكم أمران، لابد لكم من أحدهما: دخول في الفتنة، أو قتل مع غير إمام، فقال الناس: ما هذا؟ فقال: الحسن بن علي، قد أعطى البيعة معاوية، فرجع الناس، فبايعوا معاوية[(1685)].

تشير الرواية السابقة إلى دخول قسم كبير من شرطة الخميس في الصلح فور سماعهم نبأ وقوع الصلح بين الحسن ومعاوية رضي الله عنهما، ولكنها لا تذكر دخول قائدهم قيس ابن سعد في الصلح، وقد أشار ابن كثير رحمه الله إلى ذلك بقوله: وبعث الحسن بن علي إلى أمير المقدمة قيس بن سعد: أن يسمع ويطيع، فأبى قيس بن سعد قبول ذلك، وخرج من طاعتهما جميعاً، واعتزل بمن أطاعه، ثم راجع الأمر، فبايع معاوية[(1686)]، كما تحدث ابن أبي شيبة عن موقف قيس بن سعد رضي الله عنه ـ ومن تابعه من شرطة الخميس ـ من الصلح، فقال: عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: كان قيس بن سعد بن عبادة مع الحسن ابن علي رضي الله عنه على مقدمته، ومعه خمسة الاف قد حلقوا رؤوسهم بعدما مات علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ، وتبايعوا على الموت، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل، وقال لأصحابه: ما شئتم، إن شئتم جالدت بكم حتى يموت الأعجل منا، وإن شئتم أخذت لكم أماناً، فقالوا: خذ لنا أماناً، فأخذ لهم كذا وكذا، وألا يعاقبوا بشيء، وأنه رجل منهم، ولم يأخذ لنفسه خاصة شيئاً فلما ارتحل نحو المدينة ومضى بأصحابه جعل ينحر لهم كل يوم جزوراً حتى بلغ[(1687)]، وفي الرواية السابقة ـ على ما فيها من

تقديم وتأخير في تسلسل الأحداث ـ إشارة لعدد الذين تابعوا قيساً من المجموع الكلي لتعداد شرطة الخميس الذي هو اثنا عشر ألفاً[(1688)].

2) ـ مواقف أمراء علي رضي الله عنه من الصلح:

اتسمت مواقف أمراء علي رضي الله عنه من الصلح بالتباين والتفاوت، حيث قبله بعضهم وكرهه بعضهم الاخر، وفيما يلي تبيان لتلك المواقف:

أ ـ موقف القبول والاستحسان، ويأتي في مقدمة هؤلاء عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.

ب ـ موقف الرفض ثم القبول، ويأتي في مقدمة هؤلاء قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما، وزياد بن أبيه.

ج ـ وهناك فريق ثالث دخل في الصلح وهو كاره له، هؤلاء ينقسمون إلى قسمين:

– قسم يرى أن الصلح ملزم له في ظل حياة الحسن رضي الله عنه فقط، ويمثل هؤلاء حجر ابن عدي رضي الله عنه.

– قسم يرى أن الصلح ملزم له في ظل حياة الحسن ومعاوية رضي الله عنهما، أو الاخر موت منهما، ويمثل هؤلاء الحسين بن علي رضي الله عنهما.

المرحلة الثامنة:

تنازل الحسن بن علي عن الخلافة، وتسليمه الأمر إلى معاوية رضوان الله عليهم أجمعين: بعد أن أنجى الله سبحانه وتعالى الحسن بن علي من الفتنة التي وقعت في معسكره، ترك المدائن وسار إلى الكوفة، وقد تحدث البلاذري عن مسير الحسن إلى الكوفة فقال: قالوا: ولما أراد الحسن المسير من المدائن إلى الكوفة، حين جاءه ابن عامر[(1689)]، وابن سمرة[(1690)]، بكتاب الصلح، وقد أعطاه فيه معاوية ما أراد، خطب فقال في خطبته: وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وسار إلى الكوفة[(1691)]، بعد ذلك سار معاوية رضي الله عنه من مسكن إلى النخيلة[(1692)]، وفي ذلك يقول البلاذري:

قالوا: وشخص معاوية من مسكن إلى الكوفة ونزل بين النخيلة ودار الرزق[(1693)].

ثم خرج الحسن رضي الله عنه من الكوفة إلى النخيلة ليقابل معاوية رضي الله عنه ويسلم الأمر له، فعن مجالد[(1694)]، عن الشعبي[(1695)]، قال: شهدت الحسن بن علي رضي الله عنه بالنخيلة حين صالحه معاوية رضي الله عنه، فقال معاوية: إذا كان ذا فقم فكلم وأخبر الناس أنك قد سلمت هذا الأمر لي، وربما قال معاوية: أخبر الناس بهذا الأمر الذي تركته لي، فقام فخطب على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ـ قال الشعبي: وأنا أسمع ـ ثم قال: أما بعد فإن أكيس الكيس[(1696)] التُّقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما كان حقاً لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة وحقن دمائهم، أو يكون حقاً كان لامرئ كان أحق به مني ففعلت ذلك [(1697)] {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ *}

كما أخرج هذه الرواية ابن سعد[(1698)]، والحاكم[(1699)]، وأبو نعيم الأصفهاني[(1700)]، والبيهقي[(1701)]، وابن عبد البر[(1702)]، كلهم بنحو رواية الطبراني من طريق الشعبي، كذلك أخرج رواية البيعة أحمد بن حنبل من طريق أنس بن سيرين، قال: قال الحسن بن علي يوم كلم معاوية: ما بين جابلص وجابلق[(1703)] رجل جده نبي غيري، وإني رأيت أن أصلح بين أمة محمد (ﷺ)، وكنت أحقهم بذاك، ألا إنا قد بايعنا معاوية ولا أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين[(1704)].

وجاء في رواية ابن سعد من طريق عمرو بن دينار، وفيها:.. فقام الحسن فقال: أيها

الناس، إني كنت أكره الناس لأول هذا الحديث، وأنا أصلحت اخره لذي حق أديت إليه حقه أحق به مني، أو حق جدت به لصلاح أمة محمد، وإن الله قد ولاك يا معاوية هذا الحديث لخير يعلمه عندك أو لشر يعلمه فيك ثم نزل وأما الرواية التي تشير أن عمرو بن العاص {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ *} الأعور السُّلمي قالوا لمعاوية لما بايع الحسن بن علي معاوية قالوا له: لو أمرت الحسن فصعد المنبر فتكلم؛ عيي[(1705)] عن المنطق فيزهد فيه الناس، فقال معاوية: لا تفعلوا؛ فوالله لقد رأيت رسول الله (ﷺ) يمصُّ لسانه وشفته، ولن يَعْيَ لسان مصه النبي (ﷺ) أو شفتين، فأبوا على معاوية، فصعد الحسن المنبر فحمد الله وأثنى عليه.. فهذه رواية باطلة من حيث الإسناد والمثنى، فإسنادها ضعيف ومتنها منكر[(1706)] وليس معاوية بمن يجهل القدرات البلاغية والخطابية للحسن.

وجاء في رواية البلاذري أن الحسن دخل بقيس على معاوية ليبايعه، فعن جرير بن حازم، قال سمعت محمد بن سيرين يقول: لما بايع الحسن معاوية، ركب الحسن إليه إلى عسكره، وأردف قيس بن سعد بن عبادة خلفه، فلما دخلا المعسكر، قال الناس: جاء قيس، جاء قيس، فلما دخلا على معاوية، بايعه الحسن، ثم قال لقيس: بايع. فقال قيس بيده: هكذا. وجعلها في حجره ولم يرفعها إلى معاوية، ومعاوية على السرير، فبرك معاوية على ركبتيه، ومدّ يده حتى مسح على يد قيس، وهي في حجره قال ـ جرير بن حازم ـ: وحكى لنا محمد بن سيرين صنيعه، وجعل يضحك، وكان قيس رجلاً جسيماً[(1707)].

وبتنازل الحسن بن علي عن الخلافة ومبايعته معاوية رضوان الله عليهم أجمعين تنتهي بذلك فترة خلافة النبوة وهي ثلاثون سنة، والحجة في ذلك قول الرسول (ﷺ): «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك، أو ملكه من يشاء»[(1708)]، وقال (ﷺ): «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك»[(1709)]. وقد علق ابن كثير على هذا الحديث فقال: وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من

سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله (ﷺ)، فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل النبوة صلوات الله وسلامه عليه وتسليماً[(1710)]، وبذلك يكون الحسن بن علي رضي الله عنه خامس الخلفاء الراشدين[(1711)].

المراجع:

ـ[1611]​الطبقات (2/19، 20) تحقيق: السّلمي، إسناده ضعيف منقطع.

ـ[1612]​المصدر السابق نفسه (2/19).

ـ[1613]​تاريخ دمشق (29/200).

ـ[1614]​المصدر السابق نفسه (29/195).

ـ[1615]​البداية والنهاية (12/301).

ـ[1616]​الاستيعاب (3/881).

ـ[1617]​سير أعلام النبلاء (3/462).

ـ[1618]​نسبة إلى سيل الجحاف. الطبقات، تحقيق: السُّلمي (2/25).

ـ[1619]​الحجون: جبل بأعلى مكة. معجم البلدان (2/215).

ـ[1620]​البداية والنهاية (12/296).

ـ[1621]​الاستيعاب (3/881).

ـ[1622]​تاريخ دمشق (29/200).

ـ[1623]​تاريخ العراق في ظل الحكم الأموي، ص 67، مقاتل الطالبيين، ص 55.

ـ[1624]​البخاري، كتاب الصلح، 2704.

ـ[1625]​المستدرك (3/170)، صحيح على شرط الشيخين.

ـ[1626]​دراسة في تاريخ الخلفاء الأمويين ، بطاينة، ص 60، 61.

ـ[1627]​منهاج السنة (4/536)، دراسة في تاريخ الخلفاء الأمويين، ص 61.

ـ[1628]​مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، خالد الغيث، ص 134.

ـ[1629]​البخاري، رقم 7109.

ـ[1630]​مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص 125.

ـ[1631]​المصدر السابق نفسه.

ـ[1632]​المصدر السابق نفسه.

ـ[1633]​البخاري، رقم 7109.

ـ[1634]​البداية والنهاية (7/229 ـ 230)؛ نقلاً عن المرتضى للندوي، ص 198.

ـ[1635]​المرتضى للندوي، ص 198.

ـ[1636]​الدوحة النبوية الشريفة، ص 94.

ـ[1637]​دلائل النبوة للبيهقي (6/443)؛ الدوحة النبوية الشريفة، ص 95.

​[(2079)]الدوحة النبوية الشريفة، ص 95.

ـ[1638]​الفتاوي (28/300).

ـ[1639]​مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص 156.

ـ[1640]​الطبقات، تحقيق: السُّلمي (1/316،317)، إسناده حسن.

ـ[1641]​المصدر السابق نفسه (1/386، 387)، إسناده صحيح. ـ[1642]​مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص 111.

ـ[1643]​ميسرة بن يعقوب، أبو جميلة الطهوي الكوفي، ذكره ابن حبان في ثقاته (5/427).

ـ[1644]​الخنين: البكاء في الأنف، القاموس المحيط، ص 1541.

ـ[1645]​الطبقات، تحقيق: السُّلمي (1/323).

ـ[1646]​هلال بن يساف الأشجعي، أخرج له البخاري حديثه معلقاً، ومسلم، والأربعة: التقريب، ص 576.

ـ[1647]​الطبقات، تحقيق: السُّلمي (1/381)، إسناده صحيح.

ـ[1648]​المصدر السابق نفسه (1/321).

ـ[1649]​الابتزاز: أخذ الشيء بجفاء وقهر.

ـ[1650]​الطبقات، تحقيق: السُّلمي (1/319 ـ 321)، إسناده لا بأس به.

ـ[1651]​البداية والنهاية (11/132).

ـ[1652]​العالم الإسلامي في العصر الأموي، د. عبد الشافي محمد، ص 101.

ـ[1653]​مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص 130.

ـ[1654]​جسر منيح: قرية في الجزيرة الفراتية، الطبقات، السّلمي (1/321).

ـ[1655]​الطبقات، تحقيق: السُّلمي (1/323).

ـ[1656]​البداية والنهاية (11/131).

ـ[1657]​يقصد الخوارج.

ـ[1658]​السنة للخلال، تحقيق: د. الزاهراني، ص 474، 475، إسناده صحيح.

ـ[1659]​تاريخ الطبري (5/159)، نقلاً عن العالم الإسلامي في العصر الأموي، ص 101.

ـ[1660]​العالم الإسلامي في العصر الأموي، ص 101.

ـ[1661]​قال ابن حجر رحمه الله: يشير ـ يقصد معاوية ـ إلى أن رجال العسكرين معظم من في الإقليمين، فإذا قتلوا ضاع أمر الناس وفسد حالهم بعدهم وذراريهم، والمراد بقوله: ضيعتهم؛ الأطفال والضعفاء سمّوا بما يؤول إليه أمرهم، لأنهم إذا تركوا ضاعوا لعدم استغلالهم بأمر المعاش.

ـ[1662]​أي: فرقنا منه في حياة علي وبعده ما رأينا في ذلك صلاحه، فنبه على ذلك خشية أن يرجع عليه بما تصرف فيه. الفتح (13/69، 70).

ـ[1663]​أي: من يضمن لي الوفاء من معاوية. الفتح (13/70).

ـ[1664]​أي: نحن نضمن، لأن معاوية كان فوض لهما ذلك الفتح (13/70).

ـ[1665]​البخاري، رقم 7109.

ـ[1666]​فتح الباري (13/71 ، 72).

ـ[1667]​عمرو بن دينار المكي الجمحي مولاهم، ثقة ثبت، من الطبقة الرابعة مات 126 هـ، أخرج له الستة. التقريب، ص 421.

ـ[1668]​أي: يرشحه للخلافة من بعده، وعندما نتعرض لشروط الصلح، بإذن الله، سوف نبين أن الأمر الذي استقر هو أن يكون بعد وفاة معاوية شورى بين المسلمين.

ـ[1669]​أي: عبد الله بن جعفر.

ـ[1670]​يا هَناه: يا رجل.

ـ[1671]​الطبقات، تحقيق: السُّلمي (1/330، 331).

ـ[1672]​مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص 138.

ـ[1673]​مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص 141.

ـ[1674]​مطرفه: أي: رداءه. الفيروز ابادي، القاموس المحيط، 1075.

ـ[1675]​الجراح بن سنان الأسدي له سابقة في الشر، حيث كان من الذين بهتوا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. وسعوا في عزله في الكوفة أيام خلافة عمر، فدعا عليهم سعد، فكان له من سوء الخاتمة نصيب، الطبري (4/141).

ـ[1676]​ساباط المدائن: موضع على الضفة الغربية لنهر دجلة، ومظلم: موضع هناك، معجم البلدان (3/166)(5/152). ـ[1677]​معولاً: حديده ينقر بها الصخر، القاموس المحيط، ص 1340.

ـ[1678]​عبد الله بن الخضل الطائي، قائد التوابين الذين طالبوا بدم الحسين 65 هـ.

ـ[1679]​ظبيان بن عمارة، يروي عن علي من تابعي أهل الكوفة.

ـ[1680]​يسمى القصر الأبيض، يقع على الضفة الشرقية لنهر دجلة، الروض المعطار، ص 9.

ـ[1681]​أنساب الأشراف للبلاذري ، مخطوطة نقلاً عن مرويات خلافة معاوية، ص 142.

ـ[1682]​مرويات خلافة معاوية رضي الله عنه، ص 142.

ـ[1683]​رياح بن الحارث: ثقة، التقريب، ص 211.

ـ[1684]​بطيتكم: أي بوجهتكم، لسان العرب (15/2).

ـ[1685]​الطبقات، تحقيق: السلمي (1/317).

ـ[1686]​فضائل الصحابة (2/773).

ـ[1687]​المصدر السابق نفسه، إسناده صحيح.

ـ[1688]​هلال بن خباب العبدي، صدوق، التقريب: 575.

ـ[1689]​تذهل نفسي: تسلو نفسي، لسان العرب (11/259).

ـ[1690]​الطبقات، تحقيق: السُّلمي (1/324).

ـ[1691]​عبيد الله بن خليفه الهمداني المرادي، صدوق، رمي بالتشيع، التقريب: 370. ـ[1692]​اسمه عمير بن يزيد الكندي، شارك في حركة حجر بن عدي سنة 51 هـ، تاريخ الطبري (5/259)، مرويات معاوية، ص 146.

ـ[1693]​الحَرَد: الغضب. القاموس المحيط، ص 353.

ـ[1694]​من الذين شاركوا المختار الثقفي في الطلب بدم الحسين 66 هـ.

ـ[1695]​المستدرك (3/175).

ـ[1696]​مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص 114.

ـ[1697]​حبيب بن أبي ثابت بن دينار الأسدي: التقريب 150.

ـ[1698]​المطالب العالية (4/317 ـ 319)، هذا الإسناد صحيح.

ـ[1699]​البداية والنهاية (8/16).

ـ[1700]​البداية والنهاية (8/16).

ـ[1701]​مصنف ابن أبي شيبة (7/472).

ـ[1702]​هو عبد الله بن عامر رضي الله عنه.

ـ[1703]​هو عبد الرحمن بن سمرة.

ـ[1704]​أنساب الأشراف، مخطوط 447، نقلاً عن مرويات معاوية، ص 150.

ـ[1705]​النخيلة موضع قرب الكوفة على سمت الشام ، معجم البلدان (5/278).

ـ[1706]​أنساب الأشراف نقلاً عن معاوية، ص 150.

ـ[1707]​مجالد بن سعيد الهمزاني، فيه كلام.

ـ[1708]​عامر الشعبي ثقة.

ـ[1709]​أكيس: أعقل، والكيس العقل لسان العرب (16/201).

ـ[1710]​المعجم الكبير (3/26) إسناده حسن.

ـ[1711]​الطبقات، تحقيق: السُّلمي (1/329).

وللمزيد انظر كتاب خامس الخلفاء الراشدين أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما)، للدكتور علي محمَّد الصلَّابي، طبعة دار ابن كثير 2024م، ص287 -338 في التعليق الأول ..

د.علي محمد الصلابي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

تجارب تطبيقية للأبعاد الحضرية للهجرة النبوية – الحلقة الثالثة

لقد هاجر نبي الله موسى لطلب علمٍ يوجد عند غيره،

وفاة شيخنا السيد سلمان الحسيني الندوي رحمه الله تعالى

بقلم: الدكتور محمد أكرم الندويأوكسفورد29/6/2026 ما أثقل بعض الأيام على

آخر المقالات

100%