كانت هناك عوامل وأسباب متعددة ساهمت في دفع أمير المؤمنين الحسن للصلح مع معاوية رضي الله عنهما؛ فمنها:
أولاً ـ الرغبة فيما عند الله وإرادة صلاح هذه الأمة:
قال الحسن بن علي رضي الله عنهما؛ رداً على نفير الحضرمي عندما قال له: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة. فقال: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله[(1712)].
وقال في خطبته التي تنازل فيها لمعاوية:… إما كان حقاً لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة[(1713)]، إن استحضار الحسن رضي الله عنه إرادة وجه الله تعالى وتقديم ذلك، والحرص على إصلاح ذات البين من أسباب الصلح ودوافعه عند الحسن بن علي رضي الله عنهما، فمكانة الصلح في الإسلام عظيمة، وهو من أجل الأخلاق الاجتماعية، إذ به يرفع الخلاف وينهي المنازعة التي تنشأ بين المتعاملين مادياً أو اجتماعياً، ويعود بسببه الوُدُّ والإخاء بين المتنازعين، لكونه يرضي طرفي النزاع ويقطع دابر الخصام، ولذلك كان الصلح من أسمى المطالب الشرعية لتتحقق به الأخوة التي ينشدها لهم ويصفهم بها، كما في قوله عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10]، وهي الأخوة التي يذهبها الخلاف والتنازع بينهم[(1714)]، ولذلك اعتنى القران الكريم بالصلح كثيراً، أمراً به، وترغيباً فيه، وتنويهاً به وبأهله وإليك البيان.
1) ـ الأمر بالإصلاح:
ففي مثل قوله سبحانه وتعالى:
{وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *} [الأنفال]
وقوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *} [الحجرات: 10].
فترى أن الله تعالى أمر عباده بأن يصلحوا ذات بينهم لما بينهم من الإخاء، كما صرح به في اية الحجرات حيث قال: إذ بيَّنت هذه الاية علِّيَّة الأمر بالإصلاح بين المؤمنين بصيغة القصر، المفيدة لحصر حالهم في حال الأخوة، مبالغة في تقرير هذا الحكم بين المسلمين، لما بينهم من انتساب إلى أصل واحد وهو الإيمان الذي هو منشؤه البقاء الأبدي في الجنات، فأشارت جملة: ، إلى وجوب الإصلاح بين {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}
ومن هذه الأوامر القرانية يُعلم أن الإصلاح بين الناس ليس من نافلة القول، بل هو تكليف إلهي للقادرين عليه، حتى لا تفسد أواصر الأخوة الإيمانية بين المؤمنين، وهو مع ذلك من التعاون على البر والتقوى، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللّذيْن أمر الله تعالى بهما في غير ما اية، ومعلوم أن هذين من الواجبات الشرعية التكليفية على المؤمنين في علاقتهم الاجتماعية، فكل هذه الأمور تحتِّم على المسلم القيام بالإصلاح بين المسلمين بل وبين الناس عامّه، ولتستقر الحياة الاجتماعية عامرة بالود والإخاء[(1715)]، كانت هذه الأوامر دافعة للحسن بن علي رضي الله عنهما للسعي في الإصلاح.
2) ـ الترغيب في القيام بالإصلاح:
ولقد رتب الله تعالى على القيام به فضلاً كبيراً وأجراً عظيماً، يناله القائم بذلك ابتغاء مرضات الله تعالى، كما قال الله جل شأنه: [النساء: 114]. ووعد القائمين به مغفرة ورحمة، كما يفيده قول الله جل ذكره: [النساء: 129] فإن في هذه الاية إشارة إلى مغفرة الله ورحمته للمصلحين، كما أذن به ختم الاية بصفتي المغفرة والرحمة لله سبحانه وتعالى[(1716)]، ومثل هذه الاية قوله تعالى: [البقرة: 182]، فإن فيها من الإشارة إلى مغفرته ورحمته سبحانه للمصلح ما في سابقتها، بدلالة نفي الإثم، وتذييلها بصفتي المغفرة والرحمة، وهي إشارة جليَّة[(1717)]، وقد وصف سبحانه نفسه بقوله: {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ *} [الأعراف]
3) ـ التنويه بالصلح والقائمين عليه:
وتكرار هذا الوعد يدل على علو شأن الإصلاح بين الناس عند الله تعالى، ولذلك أجزل للقائم به تلك المثوبة الكريمة والأجر العظيم، وقد دلّ على ذلك أيضاً تنويه الله تعالى به بمثل قوله سبحانه: [النساء: 128]، فإن وصفه بالخيرية دليل على علو منزلته عند الله تعالى، وذلك لما له من عظيم الأثر في إصلاح ذات البين بين الناس، الذي طالما تشوف الشارع الحكيم إليه في المجتمعات الإنسانية، ولما له من دلالة على كريم أخلاق القائم به أو الراضي عنه، ولهذا كان من أبرز أخلاق الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله تعالى على لسان شعيب عليه السلام: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ً ïإِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ *} [هود: 88]، كما قال على لسان موسى وهو يخاطب أخاه هارون عليهما السلام: [الأعراف: 142] إلى غير ذلك من الايات، {وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ *} [في مثل هاتين الايتين عام فيشمل الإصلاح في الدين والدنيا، ومنه الإصلاح بين الناس عند حدوث المقتضى لذلك من نزاع ونحوه ممَّا لا يخلو منه مجتمع من المجتمعات البشرية[(1718)].
فهذا المقصد القراني الكريم، كان دافعاً للحسن بن علي في الصلح، وقد تتبع خطوات جده (ﷺ) في الحرص على الصلح، فقد كان النبي (ﷺ) يجهد نفسه في الإصلاح ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فقد حدث ذات يوم أن أهل قباء اقتتلوا[(1719)]، حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله (ﷺ) بذلك فقال: «اذهبوا بنا نصلح بينهم»[(1720)]، فانظر كيف أن النبي (ﷺ) لم يتوانَ عن الذهاب للإصلاح بين المسلمين حينما بدر الشقاق بينهم ليَحسِم الخلاف، ويعيد الوئام قبل أن يستفحل الأمر ويتسع الخرق على الراقع[(1721)].
ولأهمية الصلح بين الناس وفضله أجاز الإسلام الكذب فيه إذا كان القصد من ذلك الإصلاح بين المتخاصمين، فقد قال (ﷺ): «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً»[(1722)]، وقال رسول الله (ﷺ): «لا يحل الكذب إلا في ثلاث: الرجل يحدث امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس»[(1723)]، وما ذلك إلا لعظم خطر الخلاف بين المسلمين وفساد ذات بينهم كما بينه (ﷺ): «إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة»[(1724)] أي: الخصلة التي من شأنها أن تحلق، أراد أنها خصلة سوء تذهب الدين كما تذهب الموسى الشعر[(1725)].
ولقد بين عليه الصلاة والسلام ما للصلح من أجر عظيم بقوله: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة»[(1726)]، ولذلك كان من أمله الكبير ورجائه العظيم في نسله المبارك الحسن السِّبط ـ رضي الله عنه ـ أن يصلح الله به فساد ذات البين الذي أعلمه الله بحدوثه في أمته بعد وفاته، فمن حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله (ﷺ) على المنبر والحسن ابن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»[(1727)]، فرغبة الحسن بن علي رضي الله عنهما في الأجر والمثوبة وإرادته للإصلاح دفعته لهذا الصلح المبارك.
ثانياً ـ إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين:
إن دعوة الرسول (ﷺ) بأن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين دفعت الحسن إلى التخطيط والاستعداد النفسي للصلح، والتغلب على العوائق التي في الطريق، فقد كان هذا الحديث الكلمة الموجهة الرائدة للحسن في اتجاهاته وتصرفاته ومنهج حياته، فقد حلت في قرارة نفسه، واستولت على مشاعره وأحاسيسه، واختلطت بلحمه ودمه، ومن خلال هذا التوجيه واستيعابه وفهمه له بنى مشروعه الإصلاحي، وقسم مراحله، وكان متيقناً من نتائجه، فالحديث النبوي كان دافعاً أساسياً وسبباً مركزياً في اندفاع الحسن للإصلاح.
ثالثاً ـ حقن دماء المسلمين:
قال الحسن رضي الله عنه:… خشيت أن يجيء يوم القيامة سبعون ألفاً، أو أكثر أو أقلُّ، كلهم تنضح أوداجهم دماً، كلهم يستعدي الله فيما هُرِيقَ دمه![(1728)] وقال رضي الله عنه: ألا إن أمر الله واقع إذ ليس له دافع وإن كره الناس، إني ما أحببت أن لي من أمة محمد مثقال حبة من خردل يهراق فيه محجمة من دم، قد علمت ما ينفعني ممّا يضرني ألحقوا بطيتّكم[(1729)] [(1730)].
وقال في خطبته التي تنازل فيها لمعاوية عن الخلافة وتسليمه الأمر إليه:.. إما كان حقاً لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة وحقن دمائهم[(1731)].
تلحظ من كلام سيدنا الحسن رضي الله عنه شدة خوفه من الله تعالى ذلك الخوف الذي دفعه إلى الصلح، وقد مدح الله أنبياءه عليهم السلام وأولياءه بمخافتهم الله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ *} [90]، وقال سبحانه: [الرعد:21] فالخوف المحمود من الله يحث على العلم، ويكدر جميع الشهوات، ويزعج القلب عن الركون إلى الدنيا، ويدعوه إلى التجافي عن دار الغرور، دون الحديث النفسي الذي لا يؤثر في الكف عن المعاصي، والحث على فعل الطاعات، ودون الوصول إلى اليأس الموجب للقنوط
فالحسن بن علي رضي الله عنهما أراد أن يحقن دماء المسلمين قربة إلى الله عز وجل، وخشي على نفسه من حساب الله يوم القيامة في أمر الدماء، ولو أدى به الأمر إلى ترك الخلافة فكان ذلك دافعاً له نحو الصلح، فالحسن بن علي رضي الله عنهما يعلم خطورة سفك الدماء بين المسلمين، لأن ذلك من أخطر الأمور التي تهز كيان البشرية، ولذلك ورد تحريمه والوعيد عليه، وتحديد عقوبته في كثير من نصوص الكتاب والسنة، والقتل أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، مما يدل على عظم شأن قتل النفس والاعتداء على حرمة الإنسان.
فقد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي (ﷺ): «أول ما يقضى بين الناس في الدماء»[(1732)]، فأمر الدماء عظيم يوم القيامة، والعمل على حفظها في الدنيا من مقاصد الشريعة، ولذلك حرص الحسن على الصلح حفظاً لدماء المسلمين.
لقد عنيت الشريعة الإسلامية التي فهمها واستوعبها الحسن رضي الله عنه، بالنفس عناية فائقة، فشرعت من الأحكام ما يجلب المصالح لها، ويدفع المفاسد عنها، وذلك مبالغة في حفظها وصيانتها، ودرء الاعتداء عليها لأنه بتعرض الأنفس للضياع والهلاك يُفقد المكلف الذي يتعبد الله سبحانه وتعالى، وذلك بدوره يؤدي إلى ضياع الدين، والمقصود من الأنفس التي عنيت الشريعة بحفظها: هي الأنفس المعصومة بالإسلام؛ الجزية أو الأمان[(1733)]، ولهذا لما قيل للحسن من بعض المعترضين على الصلح: يا عار المؤمنين، قال: للعار خير من النار[(1734)]. وفي رواية ابن سعد:… إني اخترت العار على النار[(1735)].
ونلحظ أن الحسن بن علي كان يناقش أتباعه ويبين لهم دوافعه ويرتقي بهم نحو قناعته، ولم يكن ممن تقوده الجماهير، وهمه ما يطلبه المستمعون، وإنما شق طريقه وفق تصوراته وفهمه لحقائق الأمور، ونأى بنفسه أن يتأثر بضغط عوام الناس ما دامت الخطوات التي يسير بها فيها رضا الله، ومصلحة المسلمين، وهذا درس كبير لكثير من القيادات الإسلامية، في كون القائد هو الذي يقود عامة الناس ويرتقي بهم نحو أهدافهم، وفي مثل ظروف الحسن عادة يكون الزعماء بين أمور:
أ ـ ما تطلبه الجماهير.
ب ـ من لا يهتم ولا يرد على أحد.
ج ـ عمل الصواب والحق والارتقاء بالجماهير.
ونرى الحسن بن علي اختار الطريق الثالث، وهو عمل الصواب والحق والارتقاء بالجماهير نحو الأهداف السامية التي رسمها، ولذلك قام بتقديم رؤية واضحة وخطوات تنفيذية عبر مراحل وتمهيدات ووضع شروط وتغلب على العوائق، واهتمّ بإقناع المخالفين لوجهة نظره، وهذا هو الصواب والله أعلم.
رابعاً ـ حرصه على وحدة الأمة:
قام الحسن بن علي خطيباً رضي الله عنهما في إحدى مراحل الصلح فقال: أيها الناس، إني قد أصبحت غير محتمل على مسلم ضغينة[(1736)]، وإني ناظر لكم كنظري لنفسي، وأرى رأياً فلا تردوا علي رأيي، إن الذي تكرهون من الجماعة أفضل مما تحبون من الفُرقة[(1737)]، وقد تحقق بفضل الله ثم حرص الحسن على وحدة الأمة ذلك المقصد العظيم، فقد ارتأى رضي الله عنه أن يتنازل عن الخلافة حقناً لدماء المسلمين، وتجنباً للمفاسد العظيمة التي ستلحق الأمة كلها في المال إذا بقي مصراً على موقفه، من استمرار الفتنة، وسفك الدماء، وقطع الأرحام، واضطراب السبل، وتعطيل الثغور وغيرها ، وقد تحققت ـ بحمد الله ـ وحدة الأمة بتنازله عن عرض زائل من أعراض الدنيا، حتى سمّي ذلك العام عام الجماعة[(1738)]، وهذا يدل على فقه الحسن في معرفته لاعتبار المالات ومراعاته نتائج التصرفات، ولهذا الفقه مظاهره في كتاب الله وشواهده، فقد رتب المولى عز وجل الحكم على مقتضى النتائج والشواهد، ومثال ذلك:
1 ـ النهي عن سب المشركين:
قال تعالى: [الأنعام: الاية 108]. رغم أن سبَّ الهة المشركين أمر جائز لما فيه من إهانة الباطل ونصرة الحق إلا أن الشارع الحكيم لم يقف نظره واعتباره عند هذه الغاية القريبة، بل نظر إلى نتيجة هذا العمل المشروع، وما سينجر عنه من اثار غير مشروعة، ثم قضى بعدم سبّ الهة المشركين سدَّاً لذريعة سبّهم لله تعالى انتقاماً لالهتهم، وانتصاراً لباطلهم، إذ إنّ المصلحة التي ستحصل من إهانة الهتهم أهون بكثير من مفسدة سبهم لربَّ العالمين؛ والمفسدة إذا أربت على المصلحة قُدَّم درءُ المفسدة على جلب المصلحة
2ـ النهي عن الجهر والمخافته في القراءة:
قال تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً *} [الإسراء] حيث نهى المولى عز وجل سبحانه نبيه (ﷺ) عن الجهر بالقراءة في الصَّلاة؛ التفاتاً إلى مال ذلك إذا سمع المشركون قِراءته؛ فيحملهم ذلك على سبَّ الله تعالى وشتم دينه وكلامه[(1739)]، يقول ابنُ عباس رضي الله عنهما في سبب نزول هذه الاية: إنّ الكفّار ـ يعني بمكّة، حين كان (ﷺ) متخفياً ـ كانوا إذا سمعوا القران سبّوه ومن أنزله، ومن جاء به؛ فقال الله تعالى لنبيَّه (ﷺ): أي: بقراءتك فيسمع المشركون فيسبّوا القران، عن أصحابك فلا يسمعون،
3 ـ خرق الخضر للسفينة:
قال تعالى: [الكهف: 79]. الاعتداء على ملك الغير بغير حقٍّ من الأمور المحظورة على وجه القطع في الشّرع، لكنّنا رأينا الخضر عليه السلام يهوي على السفينة بالخرق الذي هو في ظاهر الحال تعييبٌ، وإلحاق للخسارة بأهلها؛ ولمّا أنكر عليه موسى عليه السلام فِعْله، وقرّره بالجميل الذي أسداه إليهما أهل السَّفينة حين أركبوهما بغير أجرة؛ بيّن له أن هذه المفسدة لم تُرتكب إلاّ لما فيها من دفع مفسدة أعظم وهي غصب السفينة وذهابها جملة؛ حيث إنّ وراءهم مَلكِاً يأخذ كل سفينة سالمة من العيوب غصباً، {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا *} شك أنّ ارتكاب ضرر يسير في الحال إذا كان فيه دفع لمفسدة أعظم في المال؛ يعتبر أمراً محموداً؛ والشريعة جارية على ملاحظة النتائج ودفع المفاسد العظيمة المتوقعة في الاجل؛ حتى وإن كان ذلك بارتكاب مفاسد أقلّ منها في الحال، ثم إنّ مفسدة خرق السفينة وتعيبها يمكن تداركها بالإصلاح؛ بينما ذهاب ذات السفينة إذا تحقق؛ لم يتعلّق بعودتها أمل[(1740)].
4 ـ ومن مظاهر اعتبار المال في السنة النبوية وشواهده، دفع أعظم المفسدتين بأدناهما، كالامتناع عن قتل المنافقين:
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين؛ فَسَمعَها
رسول الله (ﷺ)، قال: «ما هذا؟» فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار؛ وقال المهاجري: يا للمهاجرين؛ فقال النبيُّ (ﷺ): «دعوها فإنها منتنة»؛ قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي (ﷺ) أكثر، ثم كثر المهاجرون بعد؛ فقال عبد الله بن أبي: أو قد فعلوا؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله! أضرب عنق هذا المنافق؛ قال النبي (ﷺ): «دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»[(1741)]، إن قتل المنافقين واستئصالهم فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين، وتطهير لصفهم من أن تندسّ إليه عناصر التخذيل والإفساد؛ لكن لمّا كان في ذلك هزُّ الثقة بالمسلمين وزرع لقالة السوء عنهم بحيث ينتشر في الناس: أن النبي (ﷺ) يعامل الذين يعتنقون دينه بالقتل والتّصفية الجسدية، فإن الأمر يتغّير، وأصبح التّغاضي عن قتلهم مصلحة أعلى وأولى من المصالح الأخرى التي تتأتى من استئصالهم، ورغم أن بقاء المنافقين فيه من المفاسد المحقّقةِ ما لا ينكره عاقل؛ إلا أنّ في القضاء عليهم مفسدة أعظم من مفسدة بقائهم؛ لذا اقتضت حكمة المصطفى (ﷺ) أن تُدفع المفسدة العظمى بالمفسدة الصغرى[(1742)].
ومن هدي النبي (ﷺ) في اعتبار المالات ومراعاة نتائج التصرفات، ترك تجديد الكعبة على قواعد إبراهيم، وهو ما ثبت من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله (ﷺ): «لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم ـ فإن قريشاً حين بنت البيت استقصرت ـ ولجعلت لها خَلْفاً»[(1743)] ، لمَا كانت الكعبة المشرفة تمثل مهوى أفئدة المؤمنين، ومجلى تاريخ النبوَّات الأولى، كان الأصل أن تبقى على ما تركها عليه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ـ لكنّ قريشاً حين أرادت تجديد بنائها في الجاهلية؛ لم يكن معها من المال الحلال ما يكفي لإعادة البناء إلى ما كان عليه، فانتهت لها الاستطاعة إلى تشييدها على النّحو الذي كانت عليه في عهد المصطفى، وقد كانت نفسُ النبي (ﷺ) تستشرف إلى تدارك ما قصرت عنه نفقه قريش غير أنه ترك المصلحة المحققة في إعادة بناء البيت على قواعده الأصليّة التي أسَّسها إبراهيم عليه السلام، خشية اهتزاز حُرمة البيت من النفوس، وخوف نفور الناس من الإسلام لاعتقادهم أن ذلك جرأة على الكعبة واعتداء على حُرمتها[(1744)].
إن الحسن بن علي رضي الله عنه في فهمه العميق لفقه اعتبار المالات ومراعاة التصرفات، كان نتيجة طبيعية لتربيته على القران الكريم وسنة سيد المرسلين، فقد كان مستوعباً لمقاصد الشريعة قادراً على التطبيق بين هدي الشريعة والواقع الفعلي الذي عاشه، فكانت اجتهاداته فريدة، في مجال السياسة الشرعية، فتحت للمسلمين افاقاً رحبة في تحقيق وحدة الأمة وتلاحم صفها، وقوة شوكتها، وإعادة دورها الحضاري، وهذا الفقه الدقيق والفهم العميق نحن في أشد الحاجة لفهمه والعمل به في حياتنا المعاصرة.
فالحسن بن علي يعلمنا أصلاً عظيماً من أعظم أصول الإسلام؛ المحافظة على الجماعة؛ وهو الاعتصام بحبل الله جميعاً، وأن لا يتفرقوا ـ وهو من أعظم أصول الإسلام، ومما عظمت وصية الله تعالى به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية رسول الله (ﷺ) في مواطن عامة وخاصة[(1745)]؛ فقد قام الحسن بن علي بمحاربة التفرق والاختلاف، وعمل بالتوجيهات القرانية الهادفة لتوحيد الأمة قال تعالى: إلى قوله: ـ {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ً ïوَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ *} [ال عمران: 103]
خامساً ـ مقتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه:
ومن الأسباب التي دعت أمير المؤمنين الحسن بن علي إلى الصلح ما روّع به من مقتل أبيه، فقد ترك ذلك فراغاً كبيراً في جبهة العراق، وأثّر اغتياله على نفسية الحسن رضي الله عنه، فترك فيها حزناً وأسى شديدين، فقد قتل هذا الإمام العظيم بدون وجه حق، ولم يرعى الخوارج سابقته في الإسلام ولا فضائله العظيمة، ولا خدماته الجليلة التي قدمها للإسلام، فقد كانت حياته حافلة بالقيم والمثل والعمل على تكريس أحكام الشريعة على مستوى الدولة والشعب، لقد كان عليٌّ رضي الله عنه معلماً من معالم الهُدى وفارقاً بين الحق والباطل، فكان من الطبيعي أن يتأثر المسلمون لفقده ويشعروا بالفراغ الكبير الذي تركهَ، فقد كان وقع مصيبة مقتله على المسلمين عظيماً، فجلّلهم الحزن، وفاضت ماقيهم
بالدموع ولهجت ألسنتهم بالثّناء والترحم عليه رضي الله عنه، وكان مقتله سبباً في تزهيد الحسن في أهل العراق أولئك الذين غمرتهم مكارم أخلاق أمير المؤمنين وشرف صحبته، فأضلتهم الفتن والأطماع، وانحرفوا عن الصراط المستقيم، ونستثني من أولئك الصادقين المخلصين لدينهم وخليفتهم الرّاحل العظيم رضي الله عنه وأرضاه؛ فقد كان مقتله ضربة قوية وجهت لعهد الخلافة الراشدة، وكانت من أسباب زوالها فيما بعد.
سادساً ـ شخصية معاوية رضي الله عنه:
إن تسليم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية مع أن معه أكثر من أربعين ألفاً بايعوه على الموت، فلو لم يكن أهلاً لها لما سلمها السبط الطيب إليه، ولحاربه[(1746)]، فمعاوية رضي الله عنه لم يتزعّم أهل الشام من فراغ، فقد ذكر المترجمون لهذا الصحابي الكريم فضائل جمَّه، وإليك شيئاً منها:
1 ـ من القران الكريم:
اشترك معاوية رضي الله عنه في غزوة حنين، قال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ *} [التوبة]
ومعاوية رضي الله عنه من الذين شهدوا غزوة حنين، وكان من المؤمنين الذين أنزل الله سكينته عليهم مع النبي (ﷺ)[(1747)].
2ـ من السُّنة:
دعاء الرّسول (ﷺ) لمعاوية رضي الله عنه، ومن ذلك قوله (ﷺ): «اللّهم اجعله هادياً[(1748)] مهدياً[(1749)]، واهد به»[(1750)]. وقوله (ﷺ): «اللهَّم علّم معاوية الكتاب، والحساب، وقه العذاب»[(1751)]. وقال رسول الله (ﷺ): «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا»[(1752)]. قالت أمّ حرام: قلت: يا رسول الله! أنا فيهم؟ قال: «أنت فيهم». ثم قال النبيّ (ﷺ): «أوّل جيش من أمَّتي يغزون مدينة قيصر[(1753)] مغفور لهم». فقلت ـ أي: أم حرام ـ: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: «لا»[(1754)]. قال المهلب[(1755)]: في هذا الحديث منقبه لمعاوية؛ لأنّه أوَّل من غزا البحر[(1756)].
3 ـ نظرات أهل العلم على معاوية رضي الله عنه.
أ ـ ثناء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
قيل لابن عباس رضي الله عنهما: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنّه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنّه فقيه[(1757)].
ب ـ ثناء عبد الله بن المبارك على معاوية رضي الله عنه:
قال عبد الله بن المبارك: معاوية عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتهمناه على القوم، يعني: الصحابة[(1758)].
ج ـ ثناء أحمد بن حنبل:
سئل الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول: إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول: إنَّه خال المؤمنين، فإنَّه أخذها بالسَّيف غصباً؟[(1759)] قال أبو عبد الله: هذا قول سوءٍ رديءٍ، تجانبون هؤلاء القوم، ولا يجالسون، ونبيِّن أمرهم للناس[(1760)].
د ـ ثناء القاضي ابن العربيِّ على معاوية رضي الله عنه:
تحدَّث ابن العربيَّ عن الخصال التي اجتمعت في معاوية رضي الله عنه، فذكر منها:… قيامه بحماية البيضة، وسدَّ الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو،
وسياسة الخلق[(1761)]، وقد علق محب الدَّين الخطيب على هذا النصَّ بقوله: وقد بلغ من همَّته ـ يعني معاوية ـ وعظيم عنايته بذلك أنه أرسل يهدِّد ملك الرُّوم وهو في معمعة القتال مع عليًّ في صفِّين، وقد بلغه: أنَّ ملك الرُّوم اقترب من الحدود في جنودٍ عظيمة[(1762)]، وفي ذلك يقول ابن كثير: وطمع في معاوية ملك الرُّوم بعد أن كان قد أخشاه، وأذله، وقهر جنده، ودحاهم، فلمَّا رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب عليٍّ تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة، وطمع فيه، فكتب معاوية إليه: والله لئن لم تنتهِ وترجع إلى بلادك يا لعين، لأصطلحنَّ أنا وابن عمَّي عليك، ولأخرجنَّك من جميع بلادك، ولأضيَّقنَّ عليك الأرض بما رحبت؛ فعند ذلك خاف ملك الرُّوم، وبعث يطلب الهدنة[(1763)].
هـ ثناء ابن تيميَّة على معاوية رضي الله عنه:
قال عنه ابن تيميّة: فإن معاوية ثبت عنه بالتواتر: أنَّه أمّره النبي (ﷺ)، كما أمّر غيره، وجاهد معه، وكان أميناً له بالوحي، وما اتَّهمه النبي (ﷺ) في كتابة الوحي، وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال، وقد ضرب الله الحقَّ على لسانه وقلبه، ولم يتَّهمه في ولايته[(1764)].
و ـ ثناء ابن كثير عليه:
قال عنه ابن كثير: وأجمعت الرّعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين… فلم يزل مستقلاً بالأمر في هذه المدّة إلى هذه السَّنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم ترِد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحةٍ وعدلٍ، وصفح، وعفو، وقال أيضاً: كان حليماً[(1765)]، وقوراً، رئيساً، سيَّداً في الناس، كريماً، عادلاً، شهماً[(1766)]. وقال عنه أيضاً: كان جيَّد السيرة، حسن التَّجاوز، جميل العفو، كثير الستر رحمه الله تعالى[(1767)].
4 ـ روايته للحديث:
يعدُّ معاوية رضي الله عنه من الذين نالوا شرف الرَّواية عن رسول الله (ﷺ)، ومرد ذلك إلى ملازمته لرسول الله (ﷺ) بعد فتح مكة، لكونه صهره، وكاتبه، رضي الله عنه هذا وقد روى معاوية رضي الله عنه مئة وثلاث وستين حديثاً عن رسول الله، اتفق له البخاري ومسلم على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة[(1768)].
وكانت سيرة معاوية رضي الله عنه مع الرّعية في ولايته من خير سير الولاة، ممّا جعل النّاس يحبونه، وقد ثبت في الصَّحيح عن النبَّيّ (ﷺ) قال: «خيار أئمتكم ـ حكامكم ـ الذين تحبُّونهم، ويحبونكم وتصلون عليهم ـ تدعون لهم ـ ويصلُّون عليكم، وشرار أئمتَّكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، تلعنونهم ويلعنونكم»[(1769)].
5 ـ قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على إمارته:
عن سفيان بن الليل قال: قلت للحسن بن علي لما قدم الكوفة إلى المدينة: يا مذل المؤمنين، قال: لا تقل ذلك، فإني سمعت أبي يقول: لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك معاوية، فعلمت أنّ أمر الله واقع، فكرهت أن تهراق بيني وبينه دماء المسلمين[(1770)]. وفي رواية: عن علي رضي الله عنه، قال: لا تكرهوا إمارة معاوية، فوالله لئن فقدتموه لترون رؤوساً تندر عن كواهلها كأنها الحنظل[(1771)]، فهذه اثار تشير إلى قدرة معاوية على الإمارة.
كما أن أسلوب معاوية في التفاوض والتعامل مع الحسن أوجد قواسم مشتركة للوصول إلى الإصلاح، وإن كان المهندس الفعلي لمشروع الإصلاح هو الحسن بن علي، إلا أن شخصية معاوية وسعة أفقه ورحابة صدره، وما أبداه من المرونة ساعد على نجاح الصلح، وقد كان رضي الله عنه يتأدّب إلى الحسن ويكرمه ويروي فضائل أهل البيت، فهذا يدل على إيثاره الحق مع المنازعة والمخاصمة التي سبقت بقدر الحق سبحانه[(1772)]، وقد أخرج أحمد في مسنده عن معاوية قال: كان رسول يمصّ لسان الحسن وشفتيه، وإنه لن يعذب الله لساناً أو شفة مصها رسول الله (ﷺ)[(1773)].
وكان رضي الله عنه صريحاً مع نفسه معترفاً بذنوبه، طالباً مغفرة ربه، وطامعاً في رحمته وحلمه، فعن ابن شهاب، عن عروة: أن المسور أخبره: أنه قدم على معاوية، فقال: يا مِسْوَر ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال: دعنا من هذا، وأحسن فيما جئنا له. قال: لتكَلِّمني بذات نفسك مما تعيب عليّ؟ قال: فلم أترك شيئاً إلا بينته، فقال: لا أبرأ من الذنب، فهل تعدُّ لنا مما نلي من الإصلاح في أمر العامة، أم تعدُّ الذنوب، وتترك الإحسان؟ قلت: نعم. قال: فإنا نعترف لله بكل ذنب، فهل لك من ذنوب في خاصِّيَّتِك تخشاها؟ قال: نعم. فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحقّ مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولا أُخَيَّر بين الله وبين غيره إلاَّ اخترت الله على سواه، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل، ويُجزى فيه بالحسنات، قال: فعرفت أنه قد خصمني، قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلَّى عليه[(1774)] ـ أي: دعا له ـ.
والحديث عن معاوية بالتفصيل سوف يأتي بإذن الله تعالى، إن أعطانا الله القوة ويسر الأسباب بمنه وكرمه وجوده في حديثنا عن الدولة الأموية، ومع هذه النيّة المبيتة للحديث عن معاوية رضي الله عنه بالتفصيل، فلا يمنع من ذكر هذه القصة التي تبين خوفه وخشيته من الله تعالى، فعندما كان يروى في مجلسه حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله (ﷺ)، في أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، من أمة محمد (ﷺ): القارئ المرائي، والمنفق المرائي، والمجاهد المرائي، وبيَّن رسول الله (ﷺ) ذلك وقال لأبي هريرة: «يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة»[(1775)]، فكان معاوية يقول عندما يسمع هذا الحديث: فقد فعل هؤلاء هذا؛ فكيف بمن بقي من الناس؟ فقال الراوي: ثم بكى معاوية بكاء شديداً، حتى ظننا أنه هالك، ثم أفاق ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله، ورسوله: [(1776)] {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [هود: 15]
إن شخصية معاوية رضي الله عنه وتاريخه في خدمة الإسلام كان عاملاً مهماً في نجاح الصلح، ولا نزعم بأنه من طبقة الخلفاء الراشدين، المهديين ولكنه من الملوك العادلين، كما أن سيرته غنية بالفقه السياسي والإداري والعسكري، والاقتصادي والاجتماعي، وهذا يحتاج إلى دراسة متأنية لعصره ونسأل الله أن يوفقنا إلى ذلك.
سابعاً ـ اضطراب جيش العراق وأهل الكوفة:
كان لخروج الخوارج أثر في إضعاف جيش أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، كما أن الحروب في الجمل وصفين والنهروان، تسببت في ملل أهل العراق للحرب ونفورهم منها، وخاصة أهل الشام في صفين، فإن حربهم ليس كحرب غيرهم، فمعركة صفين الطاحنة لم تفارق مخيلتهم، فكم يتّمت من الأطفال ورمّلت من النساء، بدون أن يتحقق مقصودهم، ولولا الصلح أو التحكيم الذي رحب به أمير المؤمنين علي وكثير من أصحابه لكانت مصيبة على العالم الإسلامي لا يتخيل أثارها السيئة، فكان هذا التخاذل عن المسير مع علي رضي الله عنه إلى الشام مرة أخرى أحب إلى فريق منهم، وتميل إليه نفوسهم وإن كانوا يعلمون أن علياً على حق[(1777)].
ومن المعضلات التي أوهنت جانب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، خروج فرقة تغالي في تعظيم أمير المؤمنين علي وترفعه إلى مقام الألوهية، حتى بدا للبعض أن هذا رد فعل للخوارج الذين يتبرؤون من علي ويكفرونه[(1778)]، ولكن هؤلاء كان مقصدهم سيئاً؛ وهو إدخال معتقدات فاسدة على المسلمين لهدم الدين وإضعاف المسلمين عامة وليس جيش علي فقط[(1779)]، ولقد تصدى لهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ـ كما بيّنا ـ بحزم وقوة، ولا شك أن مباينة الخوارج وقتلهم أضعف جانب علي كثيراً.
ثم تتابعت الفتوق على علي من بعد، فخرج الخريت بن راشد، وقيل اسمه الحارث بن راشد في قومه من بني ناجية، وكان من ولاة علي على الأهواز، فدعا إلى خلع علي، فأجابه خلق كثير واحتوى على البلاد وجبى الأموال، فبعث إليه علي جيشاً بقيادة معقل بن قيس الرياحي فهزمه وقتله[(1780)].
وطمع أهل الخراج في ناحية علي في كسر الخراج، وانتفض أهل الأهواز، ولا بد أن علياً واجه من أجل ذلك بعض الصعوبات المالية والعسكرية، وقد روى عن الشعبي في هذا
الخصوص قوله: لما قتل علي أهل النهروان، خالفه قوم كثير، وانتفضت عليه أطرافه، وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي البصرة، وانتفض أهل الأهواز، وطمع أهل الخراج في كسره، وأخرجوا سهل بن حنيف عامل علي بن أبي طالب من فارس[(1781)] وقد استلم الحسن رضي الله عنه الخلافة، وجيش العراق مضطرب وأهل الكوفة مترددون في أمرهم.
وقد جاء في المجتبى لابن دريد: قام الحسن بعد موت أبيه فقال: والله ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشِيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم إلى صفين دينكم أمام دنياكم، فأصبحتم ودنياكم أمام دينكم، ألا وإنا لكم كما كنا، ولستم لنا كما كنتم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين؛ قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون ثأره، فأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر، ألا وإن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عز ولا نَصَفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه، وإن أردتم الحياة قبلناه اليوم من كل جانب: التقية التقية. فلما أفردوه أمضى الصلح[(1782)].
وإني وإن كنت أشك في صحة نسبة هذه الخطبة، ولكنها تصور نفسية سيدنا الحسن وأتباعه، مما عجل بالصلح بينه وبين معاوية[(1783)] رضي الله عنه.
وقد تحدث الحسن عن ما فعله به بعض أهل العراق وما قدموا إليه من الإساءات والإهانات، وأظهر القول وجهر به فقال: أرى والله معاوية خير لي من هؤلاء يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وأخذوا مالي، والله لأن أخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وامن به في أهلي خير من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوا بي إليه سلماً، والله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير، أو يمن عليَّ فيكون منة على بني هاشم اخر الدهر، ولمعاوية لا يزل يمن بها وعقبه على الحي منا والميت[(1784)].
وقال أيضاً: عرفت أهل الكوفة وبلوتهم، ولا يصلح لي من كان منهم فاسداً، إنهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا فعل إنهم مختلفون ويقولون لنا إن قلوبهم معنا، وإن سيوفهم لمشهورة علينا[(1785)].
فالحسن لم يعد يثق بأهل الكوفة بعد ما فعلوه بأبيه، وبعد أن حاولوا قتله وانهبوا متاعه، وقد عبر عن ذلك في خطبته عندما قال: يا أهل العراق، لو لم تذهل نفسي[(1786)] عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلكم أبي، ومطعنكم بغلتي، وانتهابكم ثقلي، أو قال: ردائي عن عاتقي[(1787)].
وقيل للحسن: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: كرهتُ الدنيا، ورأيت أهل الكوفة قوماً لا يَثِقُ بهم أحد أبداً إلا غُلب، ليس أحد منهم يوافق اخر في رأي ولا هوى، مختلفين لا نيّة لهم، في خير ولا شر، لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً، فليت شعري لمن يصلحون بعدي[(1788)].
وهذا ليس على إطلاقه فجيش الحسن يمكن تقويته كما أنه هناك فصائل منه على استعداد للقتال؛ على رأسهم قيس بن سعد الخزرجي وغيره من القادة.
ثامناً ـ قوة جيش معاوية رضي الله عنه:
وفي الجانب الاخر كان معاوية رضي الله عنه يعمل بشتى الوسائل سراً وعلانية على إضعاف جانب أهل العراق منذ عهد علي رضي الله عنه فاستغل ما أصاب جيشه من تفكك وخلاف، فأرسل جيشاً إلى مصر بقيادة عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ سيطر عليها وضمها إليه، وقد ساعده على ذلك عدة عوامل منها:
1 ـ انشغال أمير المؤمنين علي بالخوارج.
2 ـ عامل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه على مصر محمد بن أبي بكر لم يكن على قدر من الدهاء كسلفه قيس بن سعد بن عبادة الساعدي الأنصاري، فدخل في حرب مع المطالبين بدم عثمان، ولم يسايسهم كما كان يصنع الوالي السابق فهزموه.
3 ـ اتفاق معاوية مع المطالبين بدم عثمان في مصر في الرأي فساعده في السيطرة عليها[(1789)].
4 ـ بعد مصر عن مركز أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وقربها من الشام.
5 ـ طبيعتها الجغرافية؛ فهي متصلة بأرض الشام عن طريق سيناء وتمثل امتداداً طبيعياً، وقد أضافت مصر قوة كبيرة لمعاوية رضي الله عنه قوة بشرية واقتصادية كبيرة، وكذلك أرسل أمير المؤمنين علي من يصدها[(1790)].
وعمل معاوية رضي الله عنه على استمالة كبار أعيان القبائل وعمال علي رضي الله عنه ـ فقد حاول سحب قيس بن سعد رضي الله عنه عامل علي على مصر إليه فلم يستطع، ولكنه استطاع أن يثير شك حاشية علي ومستشاريه فيه فعزله[(1791)]، وكان عزل سعد بن قيس مكسباً كبيراً لمعاوية، كما حاول سحب زياد بن أبيه عامل علي رضي الله عنه على فارس ففشل في ذلك[(1792)]، وقد استطاع معاوية رضي الله عنه أن يؤثر على بعض الأعيان والولاة بسبب ما يمنيهم ويعدهم، ولما يروه من علو أمره وتفرق أمر علي رضي الله عنه، حتى إنه قال في إحدى خطبة: ألا إن بسراً قد اطلع من قبل معاوية، ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون عليكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، وبطاعتهم أميرهم ومعصيتكم أميركم، وبأدائهم الأمانة وبخيانتكم، استعملت فلاناً فقتل وغدر وحمل المال إلى معاوية، واستعملت فلاناً فخان وغدر وحمل المال إلى معاوية، حتى لو ائتمنت أحدهم على قدح خشيت على علاَّقته، اللهم إني أبغضتهم وأبغضوني، فأرحهم مني وأرحني منهم[(1793)].
واستمر معاوية رضي الله عنه في الاتصال بالأعيان والزعماء في العراق حتى بعد مقتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، فقد اجتمعت لمعاوية رضي الله عنه عوامل ساعدت على قوة جبهته؛ منها: طاعة الجيش له، اتفاق الكلمة عليه من أهل الشام، خبرته الإدارية في ولاية الشام، وثبات مصادره المالية، وعدم تحرجه في دفع الأموال من أجل تحقيق أهدافه التي يراها مصلحة للأمة.
المراجع:
ـ[1712]المستدرك (3/175).
ـ[1713]حلية الأولياء (2/37).
ـ[1714]دلائل النبوة (6/444).
ـ[1715]الاستيعاب (1/388 ـ 389).
ـ[1716]جابلص وجابلق: مدينتان، أحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب.
ـ[1717]فضائل الصحابة (2/769)، إسناده صحيح.
ـ[1718]عيي: العِيُّ: خلاف البيان، وعيي في المنطق عيا: أي حصِر في الكلام، فلم يستطع البيان. لسان العرب (5/112ـ113).
ـ[1719] الطبقات، تحقيق السلمي (1/325)، إسناده ضعيف ومتنه منكر.
ـ[1720]أنساب الأشراف نقلاً عن مرويات خلافة معاوية، ص 154، إسناده صحيح.
ـ[1721]سنن أبي داود مع شرح عون المعبود (12/259)؛ صحيح سنن أبي داود الألباني (3/879).
ـ[1722]سنن الترمذي مع شرحها تحفة الأحوذي (6/395ـ 397)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ}
ـ[1723]البداية والنهاية (8/6).
ـ[1724]ماثر الإنافة (1/105)؛ مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص 155.
ـ[1725]البداية والنهاية (11/206).
ـ[1726]المعجم الكبير للطبراني (3/26) إسناده حسن.
ـ[1727]أخلاق النبي (ص) في القران والسنة (2/969).
{لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ}
ـ[1728]المصدر السابق نفسه (2/971).
ـ[1729]أخلاق النبي (ص) في القران والسنة (2/971).
ـ[1730]أخلاق النبي (ص) في القران والسنة (2/971).
ـ[1731]المصدر السابق نفسه.
ـ[1732]أي: فعلوا فعلاً يودي بهم إلى القتل من مضاربة بالأيدي والعصي.
ـ[1733]البخاري، كتاب الصلح، رقم 2690.
ـ[1734]أخلاق النبي (ص) في ضوء القران والسنة (2/979).
ـ[1735]البخاري، كتاب الأدب، رقم 4900.
ـ[1736]سنن أبي داود مع عون المعبود (13/263)، رقم 4900.
ـ[1737]سنن الترمذي، رقم 2508، قال عنه الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه.
ـ[1738]جامع الأصول لابن الأثير (6/668).
ـ[1739]سنن الترمذي، رقم 2509، وقال الترمذي: حديث صحيح.
ـ[1740]البخاري، رقم 7109.
ـ[1741]البداية والنهاية (11/206).
ـ[1742]بطيتكم: جهتكم ونواحيكم.
ـ[1743]تاريخ دمشق (14/89).
ـ[1744]المعجم الكبير للطبراني (3/26)، إسناده حسن.
ـ[1745]جامع العلوم والحكم، ص 363؛ الإيمان أولاً، ص 117.
ـ[1746]البخاري، كتاب الديات، رقم 6864.
ـ[1747]روضة الطالبين (9/148)؛ مقاصد الشريعة لليوبي، ص 211.
ـ[1748]تاريخ دمشق (14/88). ـ[1749]الطبقات، تحقيق السُّلمي (1/329)، إسناده ضعيف جداً.
ـ[1750]الضغينة: الحقد.
ـ[1751]الأخبار الطوال، ص 200.
ـ[1752]اعتبار المالات ومراعاة نتائج التصرفات، ص 167.
ـ[1753]المصدر السابق نفسه، ص 124.
ـ[1754]اعتبار المالات، ص 125.
ـ[1755]أسباب النزول للواحدي، ص 223 ، 224.
ـ[1756]اعتبار المالات، ص 126.
ـ[1757]البخاري ، كتاب التفسير، رقم 4905.
ـ[1758]اعتبار المالات، ص 138 ـ 139.
ـ[1759]البخاري ، كتاب الحج ، رقم 1585.
ـ[1760]اعتبار المالات ومراعاة نتائج التصرفات، ص 148 ـ 149.
ـ[1761]رسالة الألفة بين المسلمين ، لابن تيمية، ص 27.
ـ[1762]الناهية عن طعن أمير المؤمنين معاوية، ص 57.
ـ[1763]مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري ، خالد الغيث، ص 23.
ـ[1764]هادياً للناس ، أو دالاًّ على الخير.
ـ[1765]مهدياً: أي مهتدياً في نفسه.
ـ[1766]صحيح سنن الترمذي للألباني (3/236).
ـ[1767]موارد الظمان (7/249)، إسناده حسن.
ـ[1768]أوجبوا: أي: فعلوا فعلاً وجبت لهم به الجنة، فتح الباري (6/121).
ـ[1769]مدينة قيصر: يعني القسطنطينية.
ـ[1770]البخاري، رقم 2924.
ـ[1771]المهلب بن أحمد الأندلسي، مصنَّف شرح صحيح البخاري، توفي 435 هـ.
ـ[1772]فتح الباري (6/120).
ـ[1773]فتح الباري (7/130).
ـ[1774]مرويات خلافة معاوية، ص 28.
ـ[1775]المصدر السابق نفسه.
ـ[1776]السُّنة للخلاَّل، تحقيق: عطيه الزهراني (2/434).
ـ[1777]العواصم من القواصم، ص 210، 211.
ـ[1778]مرويات خلافة معاوية، ص 31.
ـ[1779]البداية والنهاية (8/119). ـ[1780]الفتاوى (4/472)؛ سير أعلام النبلاء (3/129).
ـ[1781]أفرد ابن أبي الدنيا، وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفاً في حلم معاوية. ـ[1782]البداية والنهاية (8/118).
ـ[1783]المصدر السابق نفسه (8/126).
ـ[1784]مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري، ص 23.
ـ[1785]مسلم ، كتاب الإمارة، رقم 65.
ـ[1786]تاريخ دمشق (12/105).
ـ[1787]المصدر السابق نفسه.
ـ[1788]الناهية عن طعن أمير المؤمنين معاوية، ص 57.
ـ[1789]المسند، رقم 16848، إسناده صحيح.
ـ[1790]سير أعلام النبلاء (3/392).
ـ[1791]رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة ، وصححه الألباني، رقم 1713.
ـ[1792]النهاية في الفتن والملاحم (2/52).
ـ[1793]خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد علي، ص 345.
