الحلقة الرابعة: أمُّنا هاجر والسعي بين الصفا والمروة، فلسفة الحركة في التربية الإيمانية، قراءة قرآنية حضارية في العلاقة بين التوكل والعمل.
تمهيد:
من أعظم الإشكالات الفكرية والتربوية التي ابتُليت بها الأمة عبر تاريخها، ذلك الانفصال المختلّ بين الإيمان والحركة، أو بين التوكل والأخذ بالأسباب، ففي الوقت الذي جعل فيه القرآن الكريم السعي قانونا من قوانين الاستخلاف، ظهرت عبر العصور نزعات سلبية تُلبس العجز لباس الزهد، وتمنح الكسل أسماء روحية، حتى صار بعض الناس يتصور أن قوة الإيمان تعني تقليل الحركة، أو أن صدق التوكل يقتضي انتظار الفرج دون بذل الأسباب.
وفي المقابل ظهرت فلسفات مادية معاصرة جعلت الإنسان أسيرا للأسباب وحدها، حتى تحولت الحركة إلى عبودية مرهقة للنتائج، وغاب البعد الإيماني عن العمل والحياة، ومن هنا تتجلّى عظمة المشهد القرآني الخالد في قصة أُمنا هاجر (عليها السلام) وبخاصة في سعيها بين الصفا والمروة، فهذا السعي ليس مجرد حركة تاريخية ارتبطت بلحظة عطش وانتهت، بل هو تأسيس قرآني عميق لفلسفة إيمانية متكاملة في فهم العلاقة بين القلب والعمل، والتوكل والسعي، والإيمان بالأقدار وبذل الجهد، والسماء والأرض، ولهذا لم يجعل الله تعالى سعي أُمنا هاجر (عليها السلام) حادثة تُروى، بل جعله شعيرة تُمارَس إلى قيام الساعة ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158].
إن الأمة وهي تسعى بين الصفا والمروة لا تستحضر مجرد ذكرى امرأة مؤمنة، بل تعيش درسا حضاريا متجددا في معنى الحركة المؤمنة.
- لماذا خُلِّد سعي أُمنا هاجر (عليها السلام) ولم يُخلَّد انتظارها؟
من أعمق الأسئلة التدبرية في هذه القصة لماذا جعل الله تعالى (السعي) شعيرة متكررة، ولم يجعل مثلا جلوس أُمنا هاجر (عليها السلام) تدعو هو الشعيرة؟ مع أن الدعاء عبادة عظيمة، بل هو جوهر العبودية.
والجواب أن الإسلام لا يريد بناء إنسان يكتفي بالمشاعر الإيمانية المجردة، بل يريد بناء إنسان يتحرك في الأرض امتثالا لله تعالى، فأُمنا هاجر (عليها السلام) كانت تملك يقينا كاملا حين قالت: «إذن لا يضيّعنا الله»، لكن هذا اليقين لم يتحول إلى سلبية، لقد قامت تبحث عن الماء، وتصعد الصفا، ثم تهبط، ثم تصعد المروة، ثم تعود مرة أخرى في حركة متكررة مرهقة، بينما النتائج الظاهرة معدومة، وهنا تتجلّى فلسفة قرآنية عميقة أن المؤمن يتحرك لأنه مأمور بالحركة، لا لأنه يضمن النتائج، فالنتائج بيد الله تعالى، أما السعي فتكليف الإنسان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]، ولم يقل: إلا ما أدرك، أو إلا ما نجح فيه، فالإنسان مسؤول عن السعي، أما الثمرة فبيد الله عز وجل.
- السعي في التصور الإسلامي عبادة لا مجرد وسيلة.
في الفلسفات المادية الحديثة تتحول الحركة غالبا إلى عبودية للإنجاز والنتائج، فالإنسان يتحرك لأنه يريد السيطرة الكاملة على الواقع، فإذا تعطلت النتائج أصابه الانهيار والإحباط، أما في التصور الإيماني، فالسعي نفسه عبادة، ولهذا كانت السيدة هاجر (عليها السلام) تسعى وهي تعلم أن النجاة الحقيقية من الله وحده.
إنها لم تكن تؤمن بأن الجبلين يملكان الماء، لكنها كانت تؤمن أن الله تعالى يريد منها أن تتحرك، وهذا من أعظم أسرار التوازن النفسي في الإسلام، فالمؤمن يعمل بجد، ويبذل أقصى ما يستطيع، ويتقن الأسباب، لكنه لا يعبد النتائج، ولهذا يبقى قلبه مطمئنا حتى لو تأخرت الثمار.
إن الأزمة الكبرى في الحضارة المعاصرة ليست كثرة العمل فقط، بل تحويل النتائج إلى مصدر وحيد للقيمة والطمأنينة، ولهذا تنتشر مظاهر عديدة منها: القلق الوجودي، والانهيارات النفسية، والإحباط، والشعور بالفراغ؛ لأن الإنسان ربط معنى ذاته بما يحققه لا بمن يعبده، أما أُمنا هاجر (عليها السلام) فكانت تتحرك بروح العبودية لا بروح السيطرة.
- لماذا جاء الماء من غير موضع السعي؟
من أعظم الدلالات التربوية في القصة أن زمزم لم تخرج من الصفا ولا من المروة، بل خرجت من تحت قدمي سيدنا إسماعيل (عليه السلام)، وهنا تتجلّى حقيقة عقدية بالغة العمق أن الأسباب لا تخلق النتائج بذاتها، فلو كان الماء قد خرج من المكان الذي سعت إليه سيدتنا هاجر (عليها السلام) مباشرة، لربما تعلقت النفوس بالأسباب نفسها، لكن الله تعالى أراد أن يربّي البشرية كلها على معادلة دقيقة وهي اسعَ بكل طاقتك، لكن لا تعلق قلبا إلا بالله، إن السعي مأمور به، لكن النتائج ليست رهينة حتمية للأسباب البشرية، ولهذا فإن المؤمن يعيش دائما بين حقيقتين، حقيقة العمل، وحقيقة الافتقار إلى الله تعالى. وهذا هو جوهر التوكل الصحيح.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (التوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم)، فالتوكل ليس نقيض الحركة، بل هو الروح التي تمنح الحركة معناها الصحيح.
- الحركة في القرآن ضد السكون الحضاري.
حين نتأمل الخطاب القرآني نجد أن القرآن يصنع أمة متحركة لا أمة خاملة، ولهذا تكررت في القرآن ألفاظ: السير، والسعي، والمشي، والضرب في الأرض، والهجرة، والجهاد، والابتغاء، قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: 15].
إن الإنسان في التصور الإسلامي ليس كائنا ساكنا ينتظر الأقدار دون فعل، بل خليفة في الأرض يتحرك وفق مراد الله عز وجل، ولهذا فإن سعي أُمنا هاجر (عليها السلام) لم يكن مجرد تصرف فردي، بل نموذجا تأسيسيا لفلسفة الأمة كلها، فإن الأمة التي تفقد روح الحركة تفقد قدرتها على الشهادة الحضارية، وحين يتحول الدين إلى مجرد طقوس منفصلة عن العمل والإصلاح والعمران، تنشأ حالة الانفصال الخطير بين التدين والحياة، أما الإسلام، فقد جعل حتى العبادة نفسها مرتبطة بالحركة: الصلاة حركة، والحج حركة، والسعي حركة، والطواف حركة، والجهاد حركة، وطلب العلم حركة، وكأن الإسلام يريد أن يربّي الإنسان على أن الحياة الإيمانية الحقيقية لا تعرف الجمود.
- السعي التربوي يجعل الأمهات تصنع أبناء فاعلين؟
إن من أعظم ما نتعلمه من أُمنا هاجر (عليها السلام) أن التربية ليست حماية الأبناء من المعاناة دائما، بل إعدادهم للحياة، فهي لم تربِّ سيدنا إسماعيل (عليه السلام) في بيئة مترفة منفصلة عن التحديات، بل نشأ في بيئة يتعلم فيها الصبر، ويرى فيها السعي، ويشاهد فيها أمه تتحرك ولا تستسلم، ويتربى فيها على تحمل المسؤولية، ولهذا خرج سيدنا إسماعيل (عليه السلام) شخصية إيجابية فاعلة لا شخصية اتكالية.
إن بعض أنماط التربية الحديثة بدافع الحب أحيانا تُنتج أبناء هشّين؛ لأنهم لم يتعلموا مواجهة الحياة، بل اعتادوا أن تُرفع عنهم كل المشقات، أما التربية الإيمانية، فهي توازن بين الرحمة وبناء الصلابة النفسية، فالأم المؤمنة لا تزرع في ولدها فقط الشعور بالأمان، بل تزرع فيه كذلك القدرة على الحركة عند الأزمات.
- الأمة بين السعي الهاجري والانتظار السلبي.
إن واقع الأمة اليوم يكشف عن أزمة عميقة في فهم السنن الإلهية، فبعض الناس ينتظر التغيير دون عمل، وينتظر النصر دون إعداد، وينتظر إصلاح الواقع دون أن يتحرك في إصلاح نفسه ومجتمعه، وفي المقابل، هناك من غرق في الأسباب المادية حتى فقد البعد الإيماني.
أما مدرسة سيدتنا هاجر (عليها السلام) فتقدّم النموذج المتوازن، حركة لا تنفصل عن التوكل، وتوكل لا يلغي الحركة، لقد كانت السيدة هاجر (عليها السلام) وحدها في صحراء قاحلة، ومع ذلك لم تستسلم، فكيف بأمة تملك من الإمكانات البشرية والمادية والمعرفية ما تملك ثم تقبل بالجمود واليأس؟ إن أخطر ما يصيب الأمم ليس قلة الموارد، بل موت الإرادة، ولهذا كان السعي بين الصفا والمروة إعلانا خالدا أن الأمة المؤمنة أمة تتحرك حتى في أصعب الظروف.
- من شعيرة إلى مشروع حضاري.
إن تحويل سعي أُمنا هاجر (عليها السلام) إلى شعيرة متكررة يحمل رسالة حضارية عظيمة، فالأمة لا يجوز أن تنسى أن النهضة تبدأ بالحركة، لكنها ليست حركة عشوائية منفصلة عن الوحي، بل حركة منضبطة بالإيمان والقيم والغاية، ومن هنا فإن السعي بين الصفا والمروة ليس مجرد انتقال جسدي بين جبلين، بل تدريب روحي وتربوي متجدد على الجمع بين العمل والتوكل، والحركة والطمأنينة، والأخذ بالأسباب والافتقار إلى الله تعالى، ولهذا بقيت هذه الشعيرة حيّة عبر القرون؛ لأنها تعبّر عن قانون دائم من قوانين بناء الإنسان المؤمن.
خاتمة:
لم يكن سعي أُمنا هاجر (عليها السلام) مجرد بحث عن ماء، بل كان إعلانا عن فلسفة إيمانية كاملة في فهم الحياة، لقد علّمت البشرية أن اليقين لا يعني السكون، وأن التوكل لا يعني العجز، وأن المؤمن الحق هو الذي يعمل بكل طاقته بينما قلبه معلّق بالله وحده، ولهذا خُلّد سعيها، لا لأنها كانت امرأة تبحث عن النجاة فقط، بل لأنها جسدت النموذج الكامل للإنسان المؤمن الذي يتحرك في الأرض بروح السماء.
وما أحوج الأمة اليوم إلى استعادة هذا المعنى، أن تتحرك، لكن بالله، وأن تسعى، لكن دون عبودية للأسباب، وأن تعمل، لكن وقلبها يعلم أن الفرج الحقيقي لا يأتي إلا من الله.
الشيخ نشوان عادل البدراني
امام وخطيب جامع التكاي/ مدينة الموصل
ومدير المجمع الفقهي العراقي/ العراق – نينوى
