آخر الأخبار

دور الشيخ محمد محمود الصواف في نصرة القضية الفلسطينية

شارك المقال على:

الشيخ محمد محمود الصواف أحد منارات العلم والدعوة بالعراق والعالم الإسلامي في القرن العشرين، وكان له دور في نصرة فلسطين والجهاد الأفغاني، وساهم بجهود كبيرة في إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي.

الشيخ الصواف من مواليد مدينة الموصل في 12 أغسطس/ آب 1914، حيث نشأ في أسرة عُرفت بالصلاح، وتعمل بالزراعة والتجارة، وتلقى في صغره تعليما في المدارس التابعة للمساجد، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة.

تلقى مبادئ اللغة والشريعة بحيث تأهل ليلتحق بالمدرسة الفيصلية التي أنشاها العالم الجليل، عبد الله النعمة، المعروف بعلمه وأدبه الراقي، والذي كان له بصمة واضحة في شخصية الصواف.

ومنذ الصغر لازم الصواف شيخ الموصل وإمامها الأكبر الشيخ محمد الرضواني، لسنوات حتى يتحصل على العلم، وبعدها لازم العلامة الشيخ عبد الله النعمة ودرس عليه حتى أجازه الإجازة العلمية.. وقد زرع هذا الجو الذي نشأ فيه الصواف نقاء وصفاء في نفسه، وكان وقودا لحركته في الحياة.

وبعد تخرجه من المدرسة الفيصلية عام 1936، عمل الصواف معلما في بعض المدارس الابتدائية ثم الثانوية، لكنه استقال بعدها من عمله، وقصد القاهرة وقلعتها العلمية الأزهر الشريف، والتحق بكلية الشريعة عام 1943 وهو في الثلاثين من عمره.

واستطاع الصواف بقدراته العقلية ونبوغه، أن يختصر سنوات الدارسة إلى النصف، وأن يحصل على شهادة العالمية، والتخصص في القضاء في 3 سنوات بدلا من 6، وبذلك كان أول طالب علم شرعي عراقي ينالها.

وفي عام 1946 تناولت الصحف المصرية، خبر نبوغه فكان مضرب المثل في الاجتهاد في تلك الفترة، إذ وصفته إحدى المجلات بأنه “عبقري عراقي”، وأثنى عليه الإمام المراغي شيخ الأزهر ثناء عاطرا، وقال له: “يا ولدي لقد فعلت ما يشبه المعجزة”.

تأسيس الإخوان

في الفترة التي عاشها الصواف في مصر، كانت القاهرة تموج بالأفكار والتيارات الدينية والسياسية المختلفة، حيث استطاعت دعوة الإخوان المسلمين أن تجذب إليها صفوة من شباب مصر والعالم الإسلامي، ومنهم الصواف الذي ساهم بتأسيس قسم الاتصال بالعالم الإسلامي في هذه الجماعة.

وقبيل عودة الشاب الصواف إلى العراق كان على موعد مع بعثة الإمام حسن البنا مؤسس الجماعة التي عادت أدراجها إلى القاهرة لعدم نجاحها في تأسيس فرع لها في العراق، رغم كل قابليتها ونشاطاتها وسط الطلاب في بغداد.

ومثلت عودة الصواف من مصر بداية الحراك الإسلامي في العراق، فمع ما بذله الإخوة المصريون، فإن العمل التنظيمي لم يخرج من قالبه المبعثر إلا بعودة الصواف إلى الموصل ثم التحاقه بكلية الشريعة في بغداد مدرسا عام 1946.

بدأ الصواف دعوته في أروقة كلية الشريعة بالأعظمية، وأنشأ جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم أسس مع الشيخ أمجد الزهاوي- الذي كان أبرز العلماء المجتهدين في زمانه- جمعية الأخوة الإسلامية سنة 1948 واجهة عمل الإخوان في العراق.

مواقفه من القضية الفلسطينية

شغلت قضية فلسطين حيزاً مهما في حياة الصواف، بل شغلت كل وجدانه،  ومنذ نعومة اظفاره، إذ كان تلميذاً في المدرسة الابتدائية، يخرج مع المتظاهرين مستنكراً ذكرى وعد بلفور المشؤوم، جوب شوارع مدينة الموصل منشدا معهم:

فلسطين … فلسطين .. نفوس العرب تفديك

ايدنو منك صهيون .. وجيش العرب يحميك

وفي بداية حياته المهنية عندما عين معلماً، كان الصواف يتبرع براتب شهر كامل من كل سنة لصالح قضية فلسطين، ويسلمه الى سعيد الحاج ثابت نائب رئيس لجنة الدفاع عن فلسطين.

وفي 15 يناير/كانون الثاني 1948، أثار توقيع حكومة العراق لمعاهدة “بورتسموث” مع الإنجليز غضبا لدى الشارع العراقي في حينه، فكان الصواف بخطبه النارية يمثل المعارضة، فتعرض للسجن، وفصل من عمله.

وقتها احتلت فلسطين صدارة جهاده، وعمل على التصدي للمخطط الصهيوني، فعندما دخلت الجيوش العربية فلسطين وأعلن قيام إسرائيل في 1948، كان الشيخ الصواف في طليعة المجاهدين الذين ذهبوا إلى فلسطين، وخرج على رأس مجموعة من الإخوان العراقيين إلى فلسطين بعدما جهز 3 أفواج بكامل عتادها وسلاحها، ليكونوا جنب إخوانهم الفلسطينيين ولينضموا في ركاب كتائب الإخوان المسلمين للدفاع عن فلسطين.

وعندما انتهت حرب 1948 بين العرب واليهود، وقامت دولة إسرائيل لم يتوقف جهاد الصواف في نصرة القضية، بل خاض جهادا آخر في ميدان الوعي والثقافة، فأسس جمعية “إنقاذ فلسطين” مع طائفة من فضلاء المسلمين والتي ضمَّت نخبة من العلماء المفكرين؛ كالشيخ علي الطنطاوي والشهيد سيد قطب والشيخ أمجد الزهاوي والشيخ محمد أمين الحسيني، وغيرهم من العلماء الأعلام، وقامت الجمعية بواجبها في الدفاع عن فلسطين، وتكوين جيش الانقاذ من المتطوعين والمجاهدين في العراق والتي شاركت أفواجها بصورة فعلية في الحرب ضد إسرائيل.

وكان للشيخ محمد الصواف جهود كبيرة ومميزة لجمع الأموال والتبرعات للقضية الفلسطينية، حيث زار مع الشيخ أمجد الزهاوي معظم محافظات العراق والقيام بشرح القضية الفلسطينية وأهميتها للناس، وجمع تبرعات كثيرة وهائلة لتجهيز المتطوعين للدفاع عن أرض فلسطين الطاهرة.

عقدت الجمعية عام 1953 مؤتمر القدس بالتعاون مع مؤتمر العالم الإسلامي، الذي حضره لفيف من العلماء، وانتدب المؤتمر الصواف وأمجد الزهاوي وعلي الطنطاوي للطواف بالعالم الإسلامي لشرح أبعاد القضية الفلسطينية.

وهكذا أخذت قضية فلسطين الحظ الأوفر من كفاحه وبَذْله، وقد أظهر الشيخ قضية فلسطين على أنها قضية كل المسلمين لا قضية أهل بلد معين.

ويقول في مقدمة كتابه “معركة الإسلام” في سياق كلامه عن معركة المسلمين في فلسطين: “هي امتداد لمعارك صلاح الدين بالأمس، ومهما حاول المضلِّلون والمنافقون وأعداء الإسلام تغيير هذا الواقع فإن الحق لن تغلبه قوةُ الباطل، وإن المعركة ستسير في طريقها المنحرف حتى يقيِّض الله عز وجل القادة المسلمين عقيدة وعملاً وجهادًا”، وقد دون قصة هذا الجهاد في كتابه “الإسلام بين الأمس واليوم”.

تُوفي الشيخ رحمه الله تعالى يوم الجمعة الموافق (13 من ربيع الآخر سنة 1413هـ/ 11 من أكتوبر 1992م) في مطار إستانبول؛ وقد نُقِلَ جثمانه ودفن في مقابر المعلاة بمكة، بجوار قبر الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير.

المراجع

  1. الإخوان المسلمون في حرب فلسطين، كامل الشريف.
  2. صفحات من تاريخ الدعوة الإسلامية في العراق، لمحمد محمود الصواف.
  3. المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام، محمد محمود الصواف.
  4. من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، المستشار عبد الله العقيل.
  5. من سجل ذكرياتي، الشيخ محمد محمود الصواف.
  6. المؤتمر الإسلامي العام، المكتب الدائم للمؤتمر الإسلامي العام، القدس، 1953م.
  7. الشيخ محمد محمود الصواف رائد الحركة الإسلامية في العراق، كاظم أحمد المشايخي.
دحام إبراهيم الهسنياني
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

بيان إدانة واستنكار

يعرب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عن إدانته الشديدة لأي مخطط

هندسة الأرواح..كيف تُعيد “المقاصدُ القرآنية” صياغةَ الأسرة في مواجهة التحديات المعاصرة

لم يكن بناء الأسرة في الإسلام يومًا مجرد ترتيب اجتماعي

عمارة القلوب في زمن الشتات.. نحو استثمار معية الغار في الهجرة للواقع المعاصر

يشهد تاريخ الأمة الإسلامية المعاصر فصلاً من أشد فصولها إيلاماً؛

آخر المقالات

100%